القطن يدفع فاتورة الحرب.. الطاقة والأسمدة والمضاربة تقود الأسعار

رغم وفرة الإنتاج.. القطن يسجل ارتفاعًا ملحوظًا بفعل تداعيات الحرب

في الأيام الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير/شباط، تصدّر النفط والغاز مشهد تأثر الأسعار واضطرابها في الأسواق العالمية، وكان مضيق هرمز عنوان الصدمة الأكبر. لكن ما جرى في سوق الطاقة تسلل سريعًا إلى واحدة من أكثر السلع الزراعية ارتباطًا بسلاسل الصناعة العالمية، وهي القطن.

فالمنتج الأبيض، الذي يغادر الحقل إلى المحلج ثم المغزل فالمصنع فالسفينة، لا يتحرك في فراغ، بل يُعد جزءًا من شبكة مترابطة تشمل الوقود والنقل والتأمين والمدخلات الصناعية. ولهذا، حين أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن الحرب خلقت أكبر اضطراب في إمدادات النفط عالميًا، التقطت أسواق القطن الرسالة سريعًا.

قبل الحرب، لم تكن سوق القطن تعطي إشارات إلى اندفاعة سعرية كبيرة؛ إذ أظهرت بيانات البنك الدولي أن المتوسط الشهري لمؤشر القطن المرجعي عالميًا “كوتلوك إيه” (Cotlook A) بلغ 1.64 دولارًا للكيلوجرام في يناير/كانون الثاني 2026، ثم 1.63 دولارًا في فبراير/شباط من العام نفسه.

لا تشير البيانات إلى نقص عالمي في القطن

وفي السوق الأمريكية الفورية التي تتابعها وزارة الزراعة، تراجع متوسط السعر المرجعي من 60.61 سنتًا للرطل في يناير/كانون الثاني إلى 60.33 سنتًا في فبراير/شباط، وبعبارة أخرى، كانت السوق تدخل نهاية فبراير في حالة أقرب إلى التماسك الهادئ منها إلى الصعود الحاد.

لكن مارس/آذار، أول شهر كامل بعد اندلاع الحرب، قدّم صورة مختلفة؛ إذ ارتفع متوسط “كوتلوك إيه” إلى 1.70 دولارًا للكيلوحرام، بزيادة تقارب 4.3% عن فبراير، بينما صعد متوسط السعر الفوري الأمريكي إلى 63.56 سنتًا للرطل، بزيادة نحو 5.35%.

وعلى شاشات التداول الأسرع حركة، كانت الإشارة أوضح؛ فقد سجلت شركة “كوتون إنكوربوريتد” ارتفاع مؤشر “A” من 75 إلى 82 سنتًا للرطل خلال شهر واحد، كما ارتفع عقد مايو/أيار في نيويورك من نحو 65 سنتًا إلى قرابة 70 سنتًا، وصعد عقد ديسمبر/كانون الأول من نحو 69 إلى 75 سنتًا للرطل.

صدمة الطاقة

لم يشهد القطن طفرة مماثلة للنفط، بل زيادة متوسطة ومتماسكة تعكس “علاوة حرب” أكثر مما تعكس نقصًا ماديًا مباشرًا في القطن الخام.

فمؤشر الطاقة لدى البنك الدولي قفز من 92.4 في فبراير إلى 130.9 في مارس، بزيادة 41.7%، كما ارتفع متوسط سعر النفط الخام من 68 إلى 95.6 دولارًا للبرميل، أي بنحو 40.6%. في المقابل، ارتفع القطن بوتيرة أقل، متأثرًا بصدمة الطاقة دون أن يقودها.

وكان الطريق الرئيسي لانتقال أثر الحرب إلى القطن عبر مضيق هرمز، حيث أدت الاضطرابات إلى تراجع تدفقات النفط والغاز بشكل حاد، ما رفع تكاليف الطاقة والنقل عالميًا.

مدخلات أغلى

ارتفاع أسعار القطن عالميًا بسبب الحرب على إيران،

تتمثل الحلقة الثانية في ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج؛ إذ تشير البيانات إلى أن نسبة كبيرة من تجارة الأسمدة تمر عبر مضيق هرمز. ووفقًا للبنك الدولي، ارتفع سعر اليوريا من 472 دولارًا للطن في فبراير إلى 725.6 دولارًا في مارس، بزيادة تقارب 53.7%.

كما انعكست الحرب على أسعار الوقود، إذ سجل الديزل الأمريكي ارتفاعًا حادًا، ما زاد من تكاليف الزراعة والنقل، وهي عناصر أساسية في إنتاج القطن.

البوليستر والمنافسة

الحلقة الثالثة ترتبط بالبوليستر، المنافس الرئيسي للقطن في صناعة المنسوجات. فمع ارتفاع أسعار النفط، ترتفع تكلفة الألياف الصناعية، ما يقلل الضغط على القطن ويمنحه قدرة أكبر على تمرير زيادات الأسعار.

وقد ارتفعت أسعار البوليستر بنحو 10 سنتات للرطل في معظم الدول المنتجة، بالتزامن مع ارتفاع عقود القطن بنسب مشابهة.

المضاربة والأسواق المالية

لم تتحرك السوق بناءً على التكاليف فقط، بل لعبت المضاربات دورًا مهمًا؛ إذ تحولت مراكز المستثمرين في عقود القطن الأمريكية من صافي بيع إلى صافي شراء خلال أسابيع قليلة، في إشارة إلى إعادة تسعير سريعة للمخاطر وعودة قوية للمضاربين.

وفرة المعروض

ورغم هذا الصعود، لا تشير البيانات إلى نقص عالمي في القطن؛ إذ تتوقع وزارة الزراعة الأمريكية أن تبلغ المخزونات العالمية 76.4 مليون بالة في موسم 2025/2026، وهو أعلى مستوى في 6 سنوات، مع إنتاج عالمي يبلغ 121 مليون بالة.

وهذا يعني أن ارتفاع الأسعار يعكس بالأساس تأثيرات جيوسياسية وتكاليف إنتاج، وليس أزمة حقيقية في المعروض.

الخلاصة

في المحصلة، تصدّر النفط المشهد بوصفه العنوان الأكبر للأزمة، بينما ظهر القطن كأحد أبرز المتأثرين غير المباشرين، حيث انتقلت إليه الصدمة عبر الطاقة والنقل والأسمدة والبوليستر والمضاربات، ليعكس صورة أوضح لتشابك الاقتصاد العالمي.

Exit mobile version