تغير المناخ يعيد رسم خريطة أقدم مشروب في العالم؟ أكبر منتجين للشاي يواجهون الجفاف والخسائر

من الصين إلى الهند.. الحرارة والجفاف تهز جذور الشاي وتقلب موازين صناعة تتجاوز 10 مليارات دولار

في الوقت الذي تحتفظ فيه الصين بمكانتها كأكبر منتج ومُصدّر للشاي في العالم، كاشفةً عن نصف الإنتاج العالمي تقريبًا، بدأت خريطة هذا المحصول العريق تشهد تحولات لافتة بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتغيّر أنماط الأمطار، وفق دراسة علمية حديثة استخدمت الذكاء الاصطناعي لرسم ملامح “مستقبل الشاي” في البلاد.

ففي دراسة نُشرت مؤخرًا في دورية PLOS ONE، قادها الدكتور ونتشي تشانغ من كلية الحفاظ على التربة والمياه بجامعة الغابات بجنوب غرب الصين، استخدم فريق الباحثين مجموعة من النماذج الذكية لتحديد المناطق الأكثر ملاءمة لزراعة نبات الشاي (Camellia sinensis) في ظل سيناريوهات مناخية مختلفة تمتد حتى نهاية القرن الحالي.

جمعت الدراسة بين 14 متغيرًا تشمل المناخ والتضاريس ونوعية التربة، واختبرت خمسة نماذج تنبؤية، هي: “ماكس إنت”، و”الدعم الناقل” (SVM)، و”لايت جي بي إم”، و”إكس جي بوست”، و”الغابة العشوائية” (Random Forest) التي أثبتت أعلى كفاءة في تحقيق الدقة والموثوقية.

وأظهرت النتائج أن المناطق ذات الملاءمة العالية والمتوسطة لزراعة الشاي تمتد حاليًا على مساحة تُقدّر بنحو 3.44 مليون كيلومتر مربع، إلا أن هذا النطاق مرشح للاتساع والتحرك تدريجيًا نحو الشمال والمناطق المرتفعة، في حين ستظل المناطق الجنوبية الرئيسية مثل جيانغنان ويونّان مستقرة نسبيًا في إنتاجها.

المناخ يعيد توزيع الشاي

يشير الباحثون إلى أن الارتفاع المستمر في درجات الحرارة وتغيّر نمط الأمطار الموسمية يجعلان مناطق كانت باردة سابقًا أكثر ملاءمة لنمو الشاي. وشملت العوامل الأكثر تأثيرًا في النمو كمية الأمطار السنوية وتذبذب درجات الحرارة والرطوبة، بينما تلعب خصائص التربة مثل العمق ومحتوى الفوسفور والبوتاسيوم، والارتفاع عن سطح البحر، دورًا مهمًا في تحديد جودة النبات ومذاقه.

لكن العلماء حذّروا من أن توسّع زراعة الشاي في المناطق الجديدة قد يضعها في تعارض مباشر مع الغابات الطبيعية، خصوصًا في إقليمي جيانغبي وجنوب غرب الصين، حيث تُظهر النماذج زيادة متوقعة بنحو 30% في تداخل مناطق الشاي مع الغابات، أي ما يعادل أكثر من 26 ألف ميل مربع من الأراضي.

عامل يتفقد أوراق الشاي المجففة داخل وحدة تصنيع الشاي

التوسع الزراعي والضغوط البيئية

يؤكد التقرير أن التوسع العشوائي في زراعة الشاي يمكن أن يؤدي إلى خسارة في التنوع البيولوجي وزيادة تجزئة المواطن الطبيعية.
ففي إقليم يونّان – المعروف بتنوعه البيئي وموطن الأفيال الآسيوية – سجلت دراسات ميدانية تراجعًا في الغابات مقابل اتساع مزارع الشاي، ما يُهدد بتفاقم الصراع بين الزراعة والحفاظ على النظم البيئية.

ويقترح الباحثون توجيه التوسع نحو الأراضي المتدهورة أو الزراعية السابقة، وتبنّي أنظمة الزراعة المختلطة بالأشجار (الأجروفوريستري) التي تحافظ على الغطاء النباتي والتربة، وتُقلّل مخاطر التعرية والتصحر.

أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى تفاقم تفشي الآفات التي تضر بالمحاصيل

تغير المناخ يغيّر طعم الشاي

لا يقتصر تأثير المناخ على المساحات فقط، بل يمتد إلى جودة أوراق الشاي ومكوناتها الكيميائية التي تحدد النكهة والقيمة التجارية. فالتقلبات في الأمطار ودرجات الحرارة تؤثر في نسب المركبات الثانوية مثل الكافيين والكيتشينات، وهي التي تُضفي على الشاي نكهته المميزة. وتشير دراسات حديثة إلى أن مواسم الأمطار الغزيرة قد تُخفض تركيز هذه المركبات مقارنة بمحاصيل الربيع الجافة، ما يفسّر اختلاف جودة الشاي بين المواسم.

الظروف المناخية الدافئة والرطبة، التي تُعدّ أساسية لمناطق زراعة الشاي في الولاية، تتعرّض لاضطرابات

كيف يتعامل المزارعون مع التحدي؟

يوصي الخبراء المزارعين بـ:

اختيار أصناف مقاومة للإجهاد المناخي.

تعزيز قدرة التربة على الاحتفاظ بالماء وتجنب تآكلها.

إنشاء أحزمة خضراء ومصدّات رياح للحد من تلف المحاصيل.

اعتماد ممارسات زراعية ذكية مثل تحسين التصريف والري الدقيق.

ويشدد الباحثون على أن الخرائط المستقبلية ليست “خطة إلزامية”، بل دليلًا مرنًا، إذ تظل العوامل الاقتصادية والسياسية والسوقية محددات رئيسية لمسار الصناعة.

تُؤدي الظروف الجوية المتطرفة إلى تراجع محاصيل مزارع الشاي في الهند

تداعيات عالمية

تحوّل نطاق زراعة الشاي في الصين لا يخص البلاد وحدها، بل يمتد أثره إلى الأسواق العالمية، نظرًا لحجم الإنتاج الصيني وتأثيره على الأسعار وأنماط التوريد.
وإذا ما توسعت الزراعة في الشمال واستقر الإنتاج في الجنوب، فقد يشهد السوق زيادة في المعروض وتنوعًا في الأصناف، مع احتمالات لتغيّر مذاق الشاي الصيني الذي يفضله ملايين المستهلكين حول العالم.
ويخلص التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي قدّم أداة قوية للتنبؤ والتخطيط الزراعي، لكنه يوجه تحذيرًا واضحًا:
“الفرص المناخية الجديدة لا يجب أن تأتي على حساب الغابات والأنظمة البيئية التي تمنح الشاي نكهته الفريدة.”

شاي آسام.. موسم قصير وخسائر فادحة

تحت سماء ملتهبة في مزارع الشاي بولاية آسام شمال شرقي الهند، تعمل كاميـني كورمي، وهي عاملة تستخدم مظلة مثبتة على رأسها لتظل يداها حرتين أثناء قطف الأوراق الغضة.
تقول كورمي: “عندما تشتد الحرارة، أشعر بدوار شديد ويبدأ قلبي بالخفقان بسرعة.”
تعتمد صناعة الشاي في آسام ودارجيلينج على آلاف النساء اللواتي يجنين المحصول يدويًا، بينما تحصد الآلات معظم المحاصيل الأخرى خلال أيام قليلة.
لكن موجات الجفاف وتقلّب الطقس صارت تهدد هذه الصناعة العريقة التي تدرّ على الاقتصاد العالمي أكثر من 10 مليارات دولار سنويًا.

تقول الباحثة روبنجالي ديب بارواه من جمعية أبحاث الشاي: “التغيرات في درجات الحرارة وأنماط هطول الأمطار لم تعد استثناءً، بل أصبحت الوضع الطبيعي الجديد.”
مع انخفاض الإنتاج وتزايد استهلاك الشاي محليًا، يتوقع الخبراء تراجع صادرات الهند، ثاني أكبر منتج للشاي في العالم.
وفي ظل تراجع إنتاجية كينيا وسريلانكا أيضًا، فإن انخفاض الصادرات الهندية – التي شكّلت 12% من التجارة العالمية العام الماضي – قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار عالميًا.

تُظهر بيانات جمعية أبحاث الشاي أن متوسط الأمطار في منطقة تينسوكيـا بآسام تراجع بأكثر من 250 ملليمترًا منذ عام 1921، بينما ارتفعت درجات الحرارة الدنيا بمقدار 1.2 درجة مئوية.
وأصبح موسم الأمطار الموسمية، وهو المصدر الرئيسي لمياه المنطقة، أقل انتظامًا بنسبة 38% هذا العام، ما قلص فترة ذروة الإنتاج إلى بضعة أشهر فقط.
يقول المزارع برابهات بيزبورواه إن قصر الموسم وتذبذب الأمطار أديا إلى تفشي الآفات وتلف الأوراق، التي تظهر بلون بني أو مثقوبة بثقوب دقيقة.
وتزيد هذه الظروف من التكاليف السنوية بمعدل 8 إلى 9% نتيجة ارتفاع أسعار الأسمدة والأجور.
ويشير هيمنت بانجور، رئيس جمعية الشاي الهندية، إلى أن الحوافز الحكومية لا تكفي لتشجيع إعادة زراعة الشجيرات القديمة التي تفقد إنتاجيتها ومقاومتها بعد تجاوزها خمسين عامًا.
وبينما ازدهرت صناعة الشاي في الهند لأكثر من قرنين، فإن حصتها في السوق العالمية مرشحة للتراجع عن مستوى 12% في عام 2024، مع ارتفاع الاستهلاك المحلي بنسبة 23% خلال العقد الماضي ليصل إلى 1.2 مليون طن، مقابل زيادة في الإنتاج لم تتجاوز 6.3% فقط.
وفي المقابل، تضاعفت واردات الهند من الشاي في عام 2024 لتصل إلى 45.3 ألف طن، في وقت تواجه فيه الدول المنافسة تحديات مناخية مماثلة.
وتظل أكثر مراحل الحصاد تأثرًا بالتغير المناخي هي ما يُعرف بـ”الدفعة الثانية” من أوراق الشاي، التي تشتهر بنكهتها الغنية وسعرها المرتفع، لكنها باتت عرضة للحرارة الشديدة والآفات المتزايدة.

Exit mobile version