الجفاف يهدد القمح عالميًا.. تغير المناخ ينذر بارتفاع حاد في أسعار الغذاء

364 دولارًا للطن.. سيناريو صادم لأسعار القمح مع ارتفاع حرارة العالم

تشهد أسواق القمح العالمية خطرًا متزايدًا بفعل تفاقم موجات الجفاف المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، خاصة عندما تضرب هذه الظواهر المناخية عددًا من المناطق الرئيسية المنتجة للقمح في الوقت نفسه، ما قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع ويزيد الضغوط على الأمن الغذائي العالمي.

وكشفت دراسة دولية حديثة أن موجات الجفاف المركب، التي تضرب عدة مناطق رئيسية لزراعة القمح بصورة متزامنة أو خلال مواسم متقاربة، يمكن أن تفسر ما يصل إلى 74% من التغيرات السنوية في أسعار القمح العالمية خلال الفترة من 2000 إلى 2021.

وأجرى الدراسة فريق دولي كبير بقيادة ميروسلاف ترنكا من معهد أبحاث التغير العالمي في مدينة برنو التشيكية، حيث جمع الباحثون سجلات مناخية وخرائط تفصيلية لمناطق إنتاج المحاصيل وبيانات لأسعار السلع الزراعية العالمية على مدى عقود، بهدف تحديد الكيفية التي تنتقل بها تأثيرات الجفاف من الحقول إلى الأسواق الدولية.

ونُشرت الدراسة في دورية Earth’s Future العلمية.

تغير المناخ ينذر بارتفاع حاد في أسعار الغذاء

مؤشر جديد لقياس نقص المياه

وطور الباحثون مؤشرًا جديدًا أطلقوا عليه اسم «نقص المياه الشديد» (SWS)، لقياس نسبة الأراضي الزراعية العالمية التي تتعرض للجفاف خلال الأشهر الأربعة السابقة للحصاد، وهي فترة شديدة الحساسية بالنسبة لمحصول القمح، إذ يكون نقص المياه خلالها مؤثرًا بصورة مباشرة في تكوين الإنتاج النهائي.

ولا يعتمد المؤشر على معدلات هطول الأمطار وحدها، وإنما يجمع بين العجز المائي قصير الأجل ونقص المياه الممتد على المدى الطويل.

ولا تُصنف المنطقة ضمن نطاق «نقص المياه الشديد» إلا إذا تعرضت لموجة جفاف حادة على المدى القصير بالتزامن مع نقص مائي مستمر، وهو ما يمنح المؤشر قدرة أكبر على قياس الضغوط الفعلية التي تواجه المحاصيل مقارنة بالاعتماد على كميات الأمطار فقط.

عندما تضرب موجات الجفاف مناطق الإنتاج معًا

وتكمن أهمية النتائج في تزامن الجفاف، وليس فقط في شدته داخل منطقة واحدة. فعندما تتعرض عدة مناطق زراعية رئيسية للجفاف في الوقت نفسه أو خلال مواسم متتالية، تتقلص الإمدادات العالمية بصورة أكثر وضوحًا، ما ينعكس سريعًا على الأسعار.

ويرى الباحثون أن هذا النوع من الظواهر المتزامنة قد يصبح أكثر انتشارًا مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في كيفية تقييم المخاطر التي تهدد أسواق الغذاء.

وأظهرت الدراسة أن القمح أكثر حساسية لهذا النمط من الجفاف مقارنة بمحاصيل الحبوب الرئيسية الأخرى.
وعند تطبيق المنهج نفسه على الأرز والذرة، لم يجد الباحثون علاقة ذات دلالة بين نقص المياه وأسعار الأرز، بينما استطاعت نماذج الذرة تفسير ما يصل إلى 40% من تقلبات الأسعار.

في المقابل، فسرت النماذج المتعلقة بالقمح ما بين 61% و68% من تغيرات الأسعار باستخدام المؤشرات الفردية، بينما وصل أفضل نموذج مشترك إلى 74%.

ويرتبط ذلك بطبيعة المناطق التي يُزرع فيها القمح، إذ تتركز نسبة كبيرة من إنتاجه في مناطق أكثر برودة وجفافًا، حيث يتجاوز الطلب على المياه في كثير من الأحيان كمية الأمطار المتاحة خلال موسم النمو، ما يترك للمحصول هامش أمان أقل أمام موجات الجفاف.

تغير المناخ ينذر بارتفاع حاد في أسعار الغذاء

مساحة الأراضي المتضررة تتزايد

وتشير السجلات المناخية الممتدة إلى عام 1911 إلى أن متوسط مساحة الأراضي العالمية المزروعة بالقمح التي كانت تواجه نقصًا شديدًا في المياه بلغ تاريخيًا نحو 5% سنويًا.

لكن هذه النسبة بدأت في الارتفاع مع ارتفاع حرارة الكوكب، وتجاوزت 15% خلال سنوات شديدة الجفاف، من بينها أعوام 2000 و2010 و2012 و2020.

ولم يقتصر الأمر على زيادة المساحة المتضررة، بل تسارعت وتيرة الزيادة نفسها؛ فبعد أن كانت الأراضي المتأثرة بنقص المياه ترتفع بنحو 0.5% لكل عقد خلال معظم القرن العشرين، قفز معدل الزيادة إلى نحو 2.2% لكل عقد خلال الفترة من 2011 إلى 2021.

وباستخدام أكثر من 30 نموذجًا مناخيًا عالميًا، حاول الباحثون استشراف مسار هذه الظاهرة مستقبلًا وفق سيناريوهات مختلفة لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وتشير النتائج إلى أن نقص المياه الشديد مرشح للانتشار في مساحة أكبر من مناطق زراعة القمح العالمية مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، بينما ستعتمد سرعة هذا الانتشار بدرجة كبيرة على المسار الذي ستتخذه الانبعاثات العالمية خلال العقود المقبلة.

ارتفاعات حادة متوقعة في أسعار القمح

وتحمل هذه التغيرات المناخية تداعيات مباشرة على أسعار القمح. وقدرت الدراسة متوسط السعر العالمي للقمح بنحو 193 دولارًا للطن خلال الفترة من 2001 إلى 2020.

وبحلول الفترة بين 2031 و2050، يتوقع النموذج ارتفاع متوسط السعر إلى نحو 294 دولارًا للطن في ظل مسار منخفض الانبعاثات، بينما قد يصل إلى حوالي 327 دولارًا للطن في ظل سيناريو مرتفع الانبعاثات.

وعند الوصول إلى ارتفاع في درجات الحرارة العالمية بنحو درجتين مئويتين مقارنة بخط الأساس المستخدم في الدراسة، يقدر النموذج متوسط سعر القمح بنحو 273 دولارًا للطن.

أما إذا ارتفع الاحترار العالمي إلى نحو 3 درجات مئوية، فقد يصل متوسط السعر إلى حوالي 364 دولارًا للطن، وهو مستوى يقارب ثلاثة أضعاف السعر العالمي المعدل وفق التضخم والمسجل في عام 2010.

تغير المناخ ينذر بارتفاع حاد في أسعار الغذاء

الجفاف ليس العامل الوحيد

ولا تعني هذه النتائج أن الجفاف هو العامل الوحيد المحدد لأسعار القمح العالمية، إذ تتداخل معه عوامل عديدة، من بينها أسعار الطاقة والأسمدة، وحجم مخزونات الحبوب، والسياسات التجارية، إلى جانب الصراعات الجيوسياسية.

وتقدم الحرب في أوكرانيا مثالًا واضحًا على قدرة العوامل الجيوسياسية على إحداث صدمات كبيرة في أسواق الحبوب؛ فقد ارتفعت أسعار القمح والذرة خلال عام 2022 بنسبة 58% و38% على التوالي مقارنة بالعام السابق.

وكانت الصدمة السعرية التي شهدها القمح في عام 2022 قريبة في حجمها من التأثيرات التي ربط الباحثون بها موجات الجفاف الكبرى خلال العقدين السابقين.

ولهذا السبب، استبعد الباحثون السنوات من 2022 إلى 2024 من النموذج الأساسي، لصعوبة فصل تأثير الصدمة المرتبطة بالحرب عن الإشارات المناخية التي تستهدف الدراسة قياسها.

تغير المناخ ينذر بارتفاع حاد في أسعار الغذاء

القمح.. نقطة حساسة في منظومة الغذاء العالمية

يمثل القمح أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية في العالم، ويشكل نحو 19% من إمدادات البروتين للبشرية، إلى جانب مساهمته الكبيرة في توفير السعرات الحرارية لمليارات الأشخاص.

وعندما تتعرض مناطق متعددة من «سلال الغذاء» العالمية للجفاف في وقت واحد، فإن تداعيات الأزمة لا تبقى داخل حدود الدول المنتجة، بل تنتقل عبر التجارة الدولية إلى الأسواق والمستهلكين في مختلف أنحاء العالم.

وقد تواجه الأسر منخفضة الدخل التأثير الأكبر، خاصة أن ارتفاع أسعار الحبوب ولو بمعدلات محدودة يمكن أن يؤدي إلى انخفاض استهلاك الغذاء، في ظل إنفاق هذه الأسر بالفعل أكثر من نصف دخولها على الغذاء في بعض الحالات.

الأمن الغذائي يحتاج إلى استراتيجية جديدة

وتشير الدراسة إلى أن التركيز التقليدي على التغير التدريجي في إنتاج المحاصيل لم يعد كافيًا لتقييم المخاطر المستقبلية على الأمن الغذائي.

فالمشكلة لا تكمن فقط في انخفاض إنتاج القمح داخل منطقة واحدة، وإنما في احتمال تعرض عدة مناطق رئيسية للإنتاج للجفاف في الوقت نفسه أو خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى صدمة متزامنة في المعروض والأسعار.

ويعني ذلك أن خطط الأمن الغذائي العالمية قد تحتاج إلى إعطاء أولوية أكبر للاستعداد لموجات الجفاف المركبة، من خلال تعديل مواعيد الزراعة، وزيادة الاحتياطيات الاستراتيجية من الحبوب، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء شبكات تجارية أكثر قدرة على الصمود أمام اضطرابات الإنتاج في أكثر من منطقة في وقت واحد.

ومع استمرار تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، يبرز القمح باعتباره أحد المحاصيل الأكثر تعرضًا لمخاطر نقص المياه، ما يجعل حماية إنتاجه وتعزيز مرونة سلاسل إمداده عنصرًا أساسيًا في مواجهة الضغوط المتزايدة على الأمن الغذائي العالمي.

Exit mobile version