على مدى العقود الأربعة الماضية، ظلّ العلماء يبحثون في سرّ قدرة الغابات على امتصاص كميات هائلة من الكربون من الغلاف الجوي وتخزينه في التربة لعقود طويلة، باعتبارها أحد أهم “مصارف الكربون” في الكوكب.
ورغم أن الأنظار تركزت طويلاً على الأوراق والسيقان بوصفها المصدر الرئيسي للكربون العضوي في التربة، إلا أن الدراسة الجديدة التي قادها باحثون من الأكاديمية الصينية للعلوم قلبت هذا الفهم رأسًا على عقب، لتؤكد أن الجذور الممتصّة الدقيقة جدًا هي العامل الأكثر تأثيرًا واستدامة في تراكم الكربون داخل تربة الغابات.
تحقيق علمي يكشف دور الجذور في دورة الكربون
منذ ثمانينيات القرن العشرين، كان معروفًا أن الجذور الدقيقة (أقل من 2 مليمتر) تلعب دورًا أساسيًا في دورة الكربون، لكن تفاصيل ديناميكياتها – أي نموها وتحللها وتجددها المستمر – كانت لغزًا يصعب تتبعه على المدى الطويل.
وللمرة الأولى، نجح فريق دولي بقيادة الأستاذ كو ليانج (Kou Liang) من معهد علوم الجغرافيا والموارد الطبيعية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، في تحديد الكيفية التي تسهم بها “الجذور الممتصّة” (التي يقل قطرها عن 0.5 مليمتر) في بناء مخزون كربوني مستقر في التربة، عبر ما أطلقوا عليه “التأثيرات التكرارية متعددة العقود”.
اعتمد الفريق على قاعدة بيانات ضخمة تضم 880 رصدًا ميدانيًا شملت معدلات النمو والتحلل والتجدد في الجذور الدقيقة لـ 199 نوعًا من الأشجار والنباتات الخشبية، عبر 328 موقعًا غابيًا موزعة في النطاقات المعتدلة والباردة من نصف الكرة الشمالي، ما يجعلها أشمل دراسة من نوعها حتى الآن في هذا المجال.
نتائج مذهلة: الجذور تخزن الكربون أكثر من الأوراق
كشفت النتائج أن الجذور الممتصّة، بفضل سرعتها العالية في التجدد وبطئها النسبي في التحلل، قادرة على توليد 2.4 ± 0.1 ميغاغرام من الكربون في التربة لكل هكتار خلال عقدين من الزمن، أي بنسبة أعلى بـ65% من مساهمة الأوراق في تراكم الكربون بالتربة.
ويرجع ذلك إلى خاصية فريدة تتميز بها هذه الجذور، وهي دورتها الحيوية القصيرة التي تجعلها تموت وتتحلل بسرعة، مطلقة مركبات عضوية تُمتَص في الطبقات العليا من التربة، حيث تمتزج مع الجزيئات المعدنية لتكوّن أشكالاً من الكربون “متوسطة الثبات” يمكنها البقاء لعقود، ما يعزز استقرار النظام البيئي.
حسم جدل علمي حول الفطريات الجذرية
واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في علم التربة هي تحديد أيّ من أنواع الغابات تحتفظ بالكربون بمعدلات أعلى: الغابات التي تسودها الفطريات الجذرية الشجيرية (Arbuscular Mycorrhizal – AM) أم تلك التي تهيمن عليها الفطريات الجذرية الخارجية (Ectomycorrhizal – EM) .
وقد أظهرت الدراسة أن الغابات ذات الفطريات الخارجية تحتفظ فعليًا بكمية أكبر من الكربون الكلي في التربة، لكن المفاجأة أن الجذور المرتبطة بالفطريات الشجيرية تسهم في إضافة 43% من الكربون أكثر من نظيراتها المرتبطة بالفطريات الخارجية.
ويُعزى هذا التفاوت إلى اختلاف آليات التفاعل بين الجذور والفطريات في كلا النظامين، إذ تُفرز الفطريات الشجيرية مركبات عضوية قابلة للامتزاج بسهولة بالتربة، مما يزيد كفاءة ترسيب الكربون في شكل مركبات مستقرة.
إعادة تعريف النماذج العالمية لدورة الكربون
تكمن أهمية الدراسة في أنها تُقدّم للعالم مؤشرًا حيويًا جديدًا يمكن الاعتماد عليه في النماذج العالمية لدورة الكربون، وهو “الطول النوعي للجذر” (Specific Root Length)، أي الطول الكلي للجذر بالنسبة إلى كتلته الجافة.
وقد تبين أنه العامل الأكثر قدرة على التنبؤ بديناميكيات الكربون في التربة، مقارنة بأي مقياس آخر مستخدم حاليًا في النماذج الجيوكيميائية.
ويُعد هذا الاكتشاف خطوة جوهرية نحو دمج تأثيرات الجذور في النماذج المناخية، التي طالما ركّزت على العمليات السطحية المرتبطة بالأوراق والكتلة الهوائية للنبات، متجاهلة المساهمات المعقدة والديناميكية للجذور تحت الأرض.
تغيير في المفاهيم البيئية
لطالما ركزت الدراسات السابقة على الكربون “المستقر” الذي تنتجه الميكروبات، والموجود في صورة مركبات يصعب تحللها، باعتباره الركيزة الأساسية لتخزين الكربون طويل الأمد.
غير أن هذه الدراسة تغيّر الاتجاه العلمي نحو نوع آخر من الكربون، هو الكربون متوسط الثبات الناتج عن تحلل الجذور الممتصّة، والذي يمكن أن يشكّل حلقة وصل أساسية بين الإنتاج الحيوي فوق الأرض والعمليات الميكروبية تحتها.
هذا التحول في الفهم يفتح الباب أمام استراتيجيات جديدة لإدارة الغابات تهدف إلى تعزيز أنواع الأشجار التي تمتلك جذورًا دقيقة نشطة، مما قد يزيد قدرة النظم البيئية على امتصاص الكربون من الغلاف الجوي في مواجهة تغيّر المناخ.
أهمية بيئية ومناخية عالمية
تأتي هذه النتائج في وقت يشهد فيه العالم تراجعًا حادًا في التنوع البيولوجي وتحولات في تكوين الفطريات الجذرية بسبب تغيّر المناخ، ما يجعل من الضروري إدراج العوامل تحت الأرض في الحسابات الدولية لتقدير الكربون.
ووفق الباحثين، فإن فهم التفاعلات بين الجذور والفطريات والتربة هو خط الدفاع الأول في مواجهة زيادة تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وإعادة التوازن بين مصادر الانبعاثات ومصارف الكربون الطبيعية.
وفي تعليق لقيادة الفريق البحثي، قال كو ليانح، إن النتائج “تؤكد أن الجذور الممتصّة ليست مجرد قنوات لامتصاص الماء والعناصر الغذائية، بل هي مفاعلات بيولوجية دقيقة تتحكم في دورة الكربون الأرضية”، مشيرًا إلى أن تجاهل هذه العمليات في النماذج المناخية قد يؤدي إلى تقديرات ناقصة لمخزون الكربون العالمي بمليارات الأطنان.
نحو رؤية جديدة لإدارة النظم البيئية
من شأن هذه الدراسة أن تغيّر النظرة التقليدية للغابات من كونها مجرد غطاء نباتي لامتصاص الكربون إلى منظومة بيئية متكاملة تعمل جذورها الدقيقة كخلايا حية لتنظيم الكوكب.
ويعتقد الباحثون أن تعزيز التنوع الجذري، وحماية الغابات القديمة ذات الشبكات الجذرية المتطورة، سيكون له أثر مباشر في تحسين مرونة الغابات وقدرتها على التكيف مع الضغوط المناخية المتزايدة.
