الجدران الخضراء تعيد الحياة البرية إلى قلب المدن
من الإسمنت إلى الخضرة.. الجدران الحية حل مبتكر لأزمة الطبيعة في المدن
تشهد المدن توسعًا عمرانيًا متسارعًا، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب الطبيعة، إذ تحل المباني محل الأشجار والتربة والمساحات المفتوحة، ما يقلص المواطن الطبيعية للكائنات الحية.
في مثل هذه البيئات، تجد الطيور والحشرات والحيوانات الصغيرة صعوبة متزايدة في العثور على الغذاء والمأوى. وتبرز الجدران الحية كأحد الحلول العملية لإعادة الطبيعة إلى قلب المدن.
الجدار الحي هو سطح رأسي على أحد المباني يُزرع بالنباتات داخل وحدات أو جيوب خاصة، وتشير أبحاث حديثة إلى أن الجدران الحية المصممة بعناية قادرة على دعم أشكال متعددة من الحياة البرية، والمساهمة في حماية التنوع البيولوجي داخل المدن.
ونُشرت الدراسة في مجلة Urban Science.
أهمية الجدران الحية في المدن

يؤدي التوسع الحضري إلى تدمير المواطن الطبيعية وتقطيع أوصال المساحات الخضراء، بينما تعتمد العديد من الكائنات الحية على الترابط بين هذه المواطن للبقاء والتكاثر.
وتعمل الجدران الحية كرقع بيئية صغيرة مثبتة على المباني، توفر مصادر غذاء وأماكن للراحة والاختباء، خصوصًا في المناطق التي تفتقر إلى المساحات الخضراء على مستوى الأرض.
كما تسهم هذه الجدران في تبريد المباني، وتقليل فقدان الحرارة، وتحسين جودة الهواء، وحماية الجدران من العوامل الجوية.
وعند استخدام التربة واختيار النباتات المناسبة، تزداد القيمة البيئية للجدران الحية، إذ تدعم التربة الكائنات الدقيقة والحيوانات الصغيرة التي تشكل أساس السلاسل الغذائية.
تجربة بليموث
أجرى باحثون وطلاب من جامعة بليموث دراسة ميدانية على ثلاثة مواقع لجدران حية، شملت مركز الاستدامة بالجامعة، ومبنى “جينيسيس” في شارع يونيون، ومدينة شيرفورد الجديدة.
ورصد الباحثون الحشرات والعناكب والكائنات الدقيقة في التربة، إضافة إلى الطيور والخفافيش، باستخدام الملاحظة المباشرة وأدوات تسجيل صوتية، مع مقارنة النتائج بشارع حضري قريب يخلو من الجدران الحية.

الملقحات والعناكب وبنية النبات
أظهرت الدراسة أن اختيار النباتات يلعب دورًا حاسمًا في جذب الكائنات الحية. فقد وفرت النباتات المزهرة، مثل اللبلاب والأقحوان المكسيكي وزهر العسل، مصادر غنية بالرحيق وحبوب اللقاح للنحل وذباب الزهور.
كما استفادت العناكب من البنية النباتية، إذ وفرت النباتات القوية والمفتوحة أسطحًا مناسبة لبناء الشباك، وأسهم اللبلاب على وجه الخصوص في دعم أعداد كبيرة من العناكب، التي تلعب دورًا مهمًا في ضبط أعداد الحشرات.
التربة تصنع الفارق
دعمت الجدران الحية المعتمدة على التربة تنوعًا حيويًا أكبر مقارنة بالأنظمة الصناعية، إذ تحتفظ التربة بالرطوبة والعناصر الغذائية والمادة العضوية.
ووفرت هذه الظروف بيئة ملائمة للكائنات الدقيقة مثل العث وقافزات الذيل، التي تقوم بتحليل المواد العضوية وإعادة تدوير المغذيا، وأظهرت النتائج أن أنواع النباتات المختلفة تؤثر بشكل مباشر في تنوع الكائنات الحية داخل التربة.
الطيور والجدران الحية
سجلت الدراسات تنوعًا أكبر ونشاطًا أعلى للطيور بالقرب من الجدران الحية مقارنة بالشوارع التقليدية، حيث استخدمت أنواع مثل الدوري الأوروبي وأبو الحناء والشحرور هذه الجدران للتغذية والتعشيش.
كما عملت الجدران الحية كنقاط عبور بين المساحات الخضراء، ما ساعد الطيور على التنقل داخل البيئات الحضرية المجزأة.
قصور في أنظمة التخطيط

رغم فوائدها البيئية، لا تحظى الجدران الحية بالتقدير الكافي في أنظمة التخطيط العمراني الحالية في إنجلترا، حيث تُصنف كأسطح صناعية، ويؤكد الباحثون أن التقييم القائم على الأنواع الحية أكثر دقة من الاعتماد على المساحة فقط.
وقال الدكتور بول لانت، الأستاذ المشارك في العلوم البيئية بجامعة بليموث، إن العالم يواجه أزمة عالمية في التنوع البيولوجي بسبب تغير المناخ وفقدان المواطن الطبيعية، مشددًا على ضرورة دعم الحياة البرية بكل الوسائل الممكنة.
وأضاف أن الدراسة تقدم أحد أوضح التقييمات حتى الآن للفوائد البيئية للجدران الحية، داعيًا إلى مراجعة التشريعات الحالية لتعكس قيمتها الحقيقية.
فوائد طويلة الأمد
تبنت جامعة بليموث الجدران الحية منذ سنوات، وأظهرت دراسات سابقة أن هذه الهياكل تقلل فقدان الحرارة من المباني بأكثر من 30%.
ومع التصميم الجيد والصيانة طويلة الأمد، يمكن للجدران الحية دعم الحشرات والطيور والكائنات الدقيقة، إلى جانب تحسين جودة الحياة في المدن.





