التمويل المستدام يفتح الباب أمام أفريقيا لتصبح قوة كبرى في احتجاز الكربون

مبادرات لرفع حصة أفريقيا من أسواق الكربون العالمية إلى 300 مليون طن بحلول 2030

أفريقيا تقف عند مفترق طرق حاسم في المعركة العالمية ضد تغيّر المناخ. فرغم مسؤوليتها عن أقل من 10% من انبعاثات الغازات الدفيئة عالميًا، فإنها تحتضن بعضًا من أقوى “أحواض الكربون” الطبيعية، التي تمتص أكثر من 600 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وهو معدل يتجاوز أي نظام غابي آخر في العالم.
ورغم هذا الدور الكبير، لا تمثل أفريقيا سوى 11% من التعويضات الكربونية الصادرة بين 2016 و2021، مع نسبة ضئيلة لا تتجاوز 3% مرتبطة بأحواضها الطبيعية. ويُتوقع أن يقفز حجم سوق التعويضات الطوعية عالميًا من 2 مليار دولار عام 2020 إلى نحو 100 مليار دولار في 2030، ما يبرز ضرورة استغلال الإمكانات الأفريقية لتحقيق التنمية المستدامة.

فجوة التمويل المناخي في أفريقيا

تقدَّر احتياجات القارة التمويلية لمواجهة التغير المناخي بما بين 2.5 و2.8 تريليون دولار بحلول 2030، تشمل مشروعات التخفيف والتكيف على حد سواء؛ من التحول إلى أنظمة طاقة منخفضة الكربون وحماية الأحواض الطبيعية، إلى تعزيز القدرة على مواجهة الجفاف والفيضانات وتغير أنماط الزراعة.
لكن التدفقات الحالية للتمويل بعيدة عن تلبية هذه الفجوة. والأدهى أن الدول الأكثر هشاشة مناخيًا ليست ضمن أبرز المتلقين لتمويل التكيف. فعلى سبيل المثال، حصلت دول مثل النيجر والسودان وليبيريا ومالي مجتمعة على 118 مليون دولار فقط، أي 5.3% من الإجمالي المفصل، بينما لم تتلق ست من أكثر عشر دول هشاشة أي دعم يُذكر. هذا الخلل يعكس عدم عدالة واضحة في توزيع التمويل المناخي.

مشاركة أفريقيا في أسواق الكربون

تشهد الأسواق الكربونية في أفريقيا نموًا متسارعًا وتستقطب اهتمامًا عالميًا، لكن مساهمة القارة ما تزال محدودة عند نحو 16% من السوق العالمية. هذا التفاوت بين الإمكانات الفعلية والمشاركة الواقعية يفرض ضرورة توسيع آليات التمويل المستدام التي تربط التدفقات الاستثمارية العالمية بقدرات أفريقيا الطبيعية.

أرصدة الكربون حسب المنطقة تكشف دور أفريقيا مقارنة بالقارات الأخرى

حلول وتمويلات مستدامة ناشئة

من أبرز المبادرات الإقليمية “مبادرة أسواق الكربون الأفريقية” (ACMI)، التي انطلقت بدعم من لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا وروّجت لها قمة المناخ (COP27). تستهدف المبادرة رفع إنتاج القارة من أرصدة الكربون من 22 مليون طن في 2021 إلى 300 مليون طن بحلول 2030، ما قد يحقق إيرادات تصل إلى 6 مليارات دولار ويوفر 30 مليون فرصة عمل.
وتبرز أيضًا مبادرات محلية مثل مشروع “إنقاذ الحياة البرية” لبنك Access في نيجيريا، الذي زرع أكثر من 100 ألف شجرة ساعدت في تخزين الكربون وتحسين سبل العيش للمجتمعات المحلية. وعلى المستوى الوطني، أصبحت الغابون في 2021 أول دولة أفريقية تحصل على مدفوعات مقابل خفض الانبعاثات ضمن “مبادرة الغابات في وسط أفريقيا”، حيث تلقت 17 مليون دولار لدعم جهودها في الحفاظ على الغابات المطيرة.

إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في 2023 في بلدان ومناطق مختارة

إمكانات ضخمة تواجه تهديدات كبيرة

رغم هذه النجاحات، تواجه أفريقيا تهديدات متزايدة من إزالة الغابات وتدهور الأراضي. فقد أطلقت نيجيريا وحدها أكثر من 300 مليون طن من الكربون خلال عقد واحد نتيجة التوسع العمراني وفقدان الأراضي الرطبة. ومع ذلك، ما تزال غابات أفريقيا وأراضيها الرطبة وأشجار المانغروف تمثل مخزونًا استراتيجيًا يمكن أن يحتجز أكثر من 6 مليارات طن في غضون عشر سنوات.

متطلبات الاستفادة الكاملة

للاستفادة من هذه الإمكانات، تحتاج أفريقيا إلى بناء أسواق كربون عالية الجودة والنزاهة، تقوم على:
• مطورين ملتزمين بتحقيق فوائد مناخية ومجتمعية في آن واحد.
• أدوات مالية محفزة مثل برامج البنك الأفريقي للتنمية لدعم الكربون.
• أنظمة تحقق ومراقبة موثوقة تعزز المصداقية والثقة.
• وسطاء ومتعاملين يوسّعون حصة القارة من التعويضات العالمية.
• برامج لبناء القدرات لدى الحكومات والمجتمعات المحلية.
تُظهر تجارب مثل “مشروع الغابات الجبلية” في نيجيريا كيف أن إشراك المجتمعات المحلية والبحث العلمي والتدريب يسهم في تحقيق فوائد طويلة الأمد للناس والبيئة.

آفاق التمويل المستدام

لا تقتصر الفرص على أسواق الكربون وحدها، بل تشمل أيضًا أدوات تمويل مبتكرة مثل السندات الخضراء لتمويل البنية التحتية النظيفة، والتمويل المدمج لتقليل المخاطر أمام الاستثمارات الخاصة، فضلًا عن الشراكات الإقليمية لتسريع تبني بدائل وقود نظيفة مثل الغاز النفطي المسال (LPG).
استثمار للأجيال المقبلة
إن مهمة أفريقيا لا تنحصر في توفير التمويل الفوري، بل في بناء أنظمة تحافظ على النظم البيئية وتضمن سبل عيش مستدامة للأجيال القادمة، بحيث يصبح الاستثمار في احتجاز الكربون استثمارًا في مستقبل القارة والعالم معًا.

حصة تمويل التكيف للدول العشر الأكثر تأثرًا
Exit mobile version