التلوث لا يتوقف عند حدود المطارات.. انبعاثات الطائرات أكثر ضررًا بعد أيام من خروجها من المحركات
الجسيمات أكثر ضررًا مع مرور الوقت.. عوادم محركات الطائرات تزيد تفاعلات كيميائية ضارة مع تقدم عمرها
جسيمات دقيقة تتفاعل مع ضوء الشمس وملوثات الغلاف الجوي، وقد تتغير خصائصها الكيميائية خلال انتقالها لمسافات طويلة.. والباحثون يحذرون من أن قياس الانبعاثات لحظة خروجها من المحرك لا يكشف بالضرورة كامل مخاطرها المحتملة.
من عادم الطائرة إلى الغلاف الجوي.. كيف تتغير خطورة الجسيمات؟
لا تنتهي قصة تلوث الهواء الناتج عن الطائرات بمجرد خروج العادم من المحركات؛ إذ تشير دراسة علمية إلى أن الجسيمات الدقيقة المنبعثة من محركات الطائرات قد تزداد قدرتها على إحداث تفاعلات كيميائية ضارة مع تقدم عمرها في الغلاف الجوي، ما يثير تساؤلات بشأن كفاية طرق قياس تلوث الهواء الحالية.
ووجد الباحثون أن القدرة التأكسدية لجسيمات انبعاثات الطائرات ارتفعت بنحو ستة إلى سبعة أضعاف بعد إخضاعها لظروف محاكاة كيميائية تعادل ما يصل إلى 12 يومًا من التقادم الجوي.
والقدرة التأكسدية هي مقياس يُستخدم لتقييم مدى قدرة مكونات الجسيمات على تحفيز تفاعلات الأكسدة المرتبطة بالإجهاد التأكسدي وتضرر الخلايا. لكنها ليست قياسًا مباشرًا لمقدار الزيادة في الأمراض التي تصيب البشر، وهو فارق مهم عند تفسير النتائج.
لماذا قد تصبح الجسيمات أكثر ضررًا مع مرور الوقت؟
عندما تنطلق الجسيمات الدقيقة إلى الغلاف الجوي، لا تظل بالضرورة على تركيبها الكيميائي الأصلي؛ إذ تتفاعل مع ضوء الشمس والأوزون ومركبات أخرى موجودة في الهواء، وقد تؤدي هذه العمليات إلى تغيير خصائصها.
وتكمن أهمية هذه التحولات في أن الجسيمات متناهية الصغر يمكن أن تصل إلى الأجزاء العميقة من الرئتين عند استنشاقها. وقد تسهم بعض مكوناتها في تكوين أنواع كيميائية تفاعلية تُعرف باسم أنواع الأكسجين التفاعلية، أو في استنزاف مضادات الأكسدة الطبيعية في الجسم.
وعندما يختل التوازن بين هذه المركبات الدفاعية والمواد المؤكسدة، يمكن أن يحدث ما يُعرف بالإجهاد التأكسدي، الذي يرتبط بآليات الالتهاب وتلف الخلايا، فضلًا عن ارتباط التعرض لتلوث الجسيمات الدقيقة بمخاطر أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية.
وتشير النتائج إلى أن تقييم المخاطر لا ينبغي أن يعتمد على كمية الجسيمات المنبعثة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى فهم تركيبها الكيميائي وكيفية تغيره بعد إطلاقها في الهواء.

كيف اختبر العلماء انبعاثات الطائرات والسفن؟
أجرى الدراسة باحثون من جامعة بازل السويسرية ومؤسسات شريكة، من خلال مقارنة جسيمات ناتجة عن مصدرين مختلفين للتلوث.
استخدم الفريق حجرة احتراق لمحرك نفاث صغير يعمل بوقود الطيران JP-8، إلى جانب محرك ديزل بحري يعمل بدرجتين من زيت الوقود الثقيل.
بعد جمع الانبعاثات، مرّر الباحثون الجسيمات عبر مفاعل ضوئي كيميائي يحاكي بعض العمليات التي تتعرض لها الجسيمات في الغلاف الجوي، مع إخضاعها لظروف تقادم تعادل فترات تصل إلى 12 يومًا.
وقاس الفريق القدرة التأكسدية قبل التقادم وبعده، باستخدام جهاز متخصص يُعرف باسم «OOPAAI»، طوره باحثون لقياس هذه الخاصية في الجسيمات الهوائية.
لماذا اختلفت انبعاثات الطائرات عن السفن؟
أظهرت التجارب اختلافًا واضحًا بين المصدرين.
ففي حالة انبعاثات الطائرات، ارتفعت القدرة التأكسدية بصورة متدرجة مع زيادة عمر الجسيمات في ظروف المحاكاة، لتصل إلى نحو ستة أو سبعة أمثال مستواها في الجسيمات الحديثة الانبعاث.
أما جسيمات محرك الديزل البحري، فلم تُظهر تغيرًا يُذكر في القدرة التأكسدية مع التقادم خلال التجارب.
ويرجح الباحثون أن هذا الاختلاف يرتبط بالفروق في التركيب الكيميائي للجسيمات الصادرة عن كل مصدر، بما في ذلك طبيعة المركبات العضوية والمكونات غير العضوية الموجودة فيها.
ولاحظ الفريق أن الجسيمات المنبعثة من محرك الطائرة شهدت زيادة في نسبة الأكسجين إلى الكربون داخل مكوناتها العضوية، بالتزامن مع انخفاض نسبة الهيدروجين إلى الكربون. وتتفق هذه التغيرات مع حدوث أكسدة تدريجية، كما تزامنت مع ارتفاع القدرة التأكسدية.
وتدعم هذه الملاحظات احتمال أن التفاعلات الكيميائية في الغلاف الجوي لا تكتفي بتغيير الجسيمات، بل قد تزيد أيضًا من قدرتها على إحداث تفاعلات مؤكسدة.
ومع ذلك، لا يزال تحديد المركبات الجزيئية المسؤولة بدقة عن هذا الارتفاع يتطلب مزيدًا من التحليل التفصيلي.
هل تكشف معايير جودة الهواء المخاطر كاملة؟
تسلط الدراسة الضوء على نقطة مهمة في مراقبة تلوث الهواء: الاعتماد على كتلة الجسيمات أو خصائص الانبعاثات عند خروجها من المصدر قد لا يعكس جميع التغيرات التي تطرأ عليها لاحقًا.
فقد تتشابه عينتان في كتلة الجسيمات، بينما تختلفان في تركيبتهما الكيميائية وقدرتهما التأكسدية. ولذلك فإن خفض كتلة الجسيمات وحده قد لا يقدم صورة كاملة عن الاختلافات المحتملة في مخاطرها الصحية.
وأشار الباحثون إلى أن بعض الأطر التنظيمية، ومنها اللائحة السويسرية لمكافحة تلوث الهواء التي تناولتها الورقة البحثية، لا تعكس بصورة كافية تطور الخصائص الكيميائية للجسيمات بعد انبعاثها.
ولا يعني ذلك أن جميع المعايير التنظيمية تتجاهل التركيب الكيميائي أو أن الدراسة أثبتت قصور كل أنظمة الرصد؛ بل إنها تكشف عن جانب يحتاج إلى مزيد من الاهتمام، يتمثل في كيفية تغير القدرة التأكسدية للجسيمات مع مرور الوقت.

التلوث لا يتوقف عند حدود المطارات
تزداد أهمية هذه النتائج لأن الجسيمات المنبعثة من الطائرات يمكن أن تنتقل مع الكتل الهوائية بعيدًا عن مواقع الانبعاث، بما في ذلك المناطق المحيطة بالمطارات.
وتعني إمكانية استمرار التفاعلات الكيميائية خلال انتقال الجسيمات أن تقييم التعرض للتلوث قد يحتاج إلى النظر في عمر الجسيمات ومسارها وتركيبها، وليس فقط في الانبعاثات القريبة من المحركات.
لكن التجربة لا تحدد وحدها مقدار ما يصل من هذه الجسيمات إلى الأشخاص في المناطق المختلفة، ولا تثبت أن القدرة التأكسدية ستزداد بالمعدل نفسه في جميع الظروف الجوية الحقيقية؛ فذلك يتطلب قياسات ميدانية ودراسات إضافية تربط الخصائص الكيميائية بالتعرض الفعلي والنتائج الصحية.
ما الخطوة التالية؟
تدعو النتائج إلى تطوير طرق رصد تستطيع متابعة التغيرات الكيميائية التي تحدث للجسيمات بعد انبعاثها، إلى جانب قياس كتلتها وتركيزها، وإجراء دراسات ميدانية لتحديد مدى استمرار هذه التأثيرات في الظروف الجوية الطبيعية.
كما تبرز الحاجة إلى مقارنة أنواع الوقود والمحركات المختلفة، وتحليل مكونات الجسيمات على المستوى الجزيئي، لفهم سبب اختلاف سلوك انبعاثات الطائرات عن انبعاثات السفن.
والرسالة الأساسية للدراسة أن تقييم تلوث الهواء يحتاج إلى النظر فيما يحدث للملوثات بعد إطلاقها، وليس فقط إلى ما يخرج من عوادم المحركات لحظة الانبعاث.
ونُشرت الدراسة في مجلة Environmental Science: Atmospheres العلمية.





