أخبار

تجارب الإنسان في بيئة مصطنعة.. تجربة البشر في إعادة خلق كوكب الأرض ودروسها لتغير المناخ

ما تعلّمناه من أكبر نظام بيئي مصنّع في العالم.. البشر والأرض تحت القبة

قبل أكثر من 30 عامًا، دخل ثمانية أشخاص، كانوا في البداية فرقة مسرحية وهبيين، طواعيةً إلى بيئة مغلقة تُعرف باسم “بيوسفير 2” في تجربة امتدت لعامين كاملين.
هدفهم كان اختراق حدود المعرفة حول إمكانية خلق بيئة شبيهة بالأرض، بعيدًا عن الاعتماد على كوكبنا الطبيعي، وما كان يُعتبر في البداية تجربة فاشلة أصبح اليوم أحد أشهر المحاولات البشرية لإعادة خلق بيئة أرضية، ويقدّم فرصًا بحثية هامة لدراسة صحة كوكبنا وأنظمته البيئية.

قبة ضخمة تحاكي الأنظمة البيئية الأرضية تحت ظروف مضبوطة
قبة ضخمة تحاكي الأنظمة البيئية الأرضية تحت ظروف مضبوطة

بيوسفير 2 وتصميمه الفريد

صُمم “بيوسفير 2” لمحاكاة الأرض، التي أطلق مبتكرو المشروع عليها اسم “بيوسفير 1”.
يضم النظام البيئي المصنوع داخل البيوسفير محيطًا، غابات مطيرة، مستنقعات من أشجار المانغروف، سافانا، وزراعة غذائية.
ما يميز بيوسفير 2 أنه أكبر “ميسوكوزم” في العالم، أي نظام تجريبي خارجي يحاكي البيئة الطبيعية تحت ظروف مضبوطة يمكن التحكم فيها، ما يوفر فرصة غير مسبوقة لدراسة تفاعلات النظم البيئية على نطاق واسع.

الجذور التاريخية وربطها بسباق الفضاء

رغم أن بيوسفير 2 موجود في ولاية أريزونا الأمريكية، إلا أن جذور هذا النوع من الأبحاث تعود إلى روسيا، وإلى أعمال العالم فلاديمير إ. فيرنادسكي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
كانت روسيا قد قامت بتجربة مغلقة عام 1965 باستخدام الطحالب لإعادة تدوير الهواء، ثم أطلقت مشروع “بيوس-3” الذي سمح لاثنين إلى ثلاثة أشخاص بالبقاء داخل منشأة مغلقة بمساحة 315 مترًا مكعبًا لمدة تصل إلى ستة أشهر.
بالمقارنة، كان بيوسفير 2 مشروعًا ضخمًا تغطي مساحته أكثر من 3 فدادين، ويعود جزء من السخرية الإعلامية التي واجهته إلى حقيقة أن سكانه لم يكونوا علماء محترفين، بل أفرادًا متحمسين لتجربة الاستدامة والتعليم الذاتي.

تجربة الإنسان والنظام البيئي

أحد أبرز ما كشفته التجربة هو صعوبة إعادة خلق نظام غذائي متنوع ومستدام.
فقد اعتمد المشاركون على زراعة 80% من غذائهم داخل البيوسفير، حيث أصبح نمط الحياة قريبًا من الزراعة الاكتفائية، وكان الاعتماد على المحاصيل السريعة النمو مثل البطاطس الحلوة والبنجر.
كما واجه المشروع صعوبة في الحفاظ على توازن الحيوانات؛ بعض الأنواع ازدهرت، مثل الصراصير والنمل، بينما تقلصت أو انقرضت أنواع أخرى، مثل الملقحات، بسبب قلة الأشعة فوق البنفسجية في البيوسفير التي تحتاجها للنشاط الطبيعي.
إضافة إلى ذلك، أظهرت التجربة حساسية إدارة الغازات في النظام البيئي. انخفضت مستويات الأكسجين بسرعة من 21% إلى 14.2% بسبب نشاط البكتيريا في التربة، ما أثر على الصحة البشرية وأدى إلى شعور المتواجدين بالخمول والإرهاق.
كما أصبح المحيط داخل البيوسفير حمضيًا نتيجة تراكم ثاني أكسيد الكربون، ما أتاح دراسة تأثير ارتفاع مستويات CO₂ على الكائنات البحرية، خصوصًا الكائنات ذات القواقع الكلسية.

قبة ضخمة تحاكي الأنظمة البيئية الأرضية تحت ظروف مضبوطة
قبة ضخمة تحاكي الأنظمة البيئية الأرضية تحت ظروف مضبوطة

دروس من التجارب البيئية المغلقة

تجارب بيوسفير 2، إلى جانب تجارب روسية أخرى وبيئات بحثية مثل مشروع “إيدن” في المملكة المتحدة، تبيّن أن إعادة خلق التوازن الطبيعي أمر صعب للغاية.
كما أكدت هذه التجارب أن التفاعل البشري أساسي للحفاظ على الأنظمة البيئية، وأن تكلفة إنشاء نظام مغلق مماثل للأرض باهظة للغاية، حيث تُقدّر بحوالي 82,500 دولار للشخص شهريًا.

قبة ضخمة تحاكي الأنظمة البيئية الأرضية تحت ظروف مضبوطة
قبة ضخمة تحاكي الأنظمة البيئية الأرضية تحت ظروف مضبوطة

الإرث العلمي لبيوسفير 2

اليوم، يواصل كل من جامعة أريزونا وكولومبيا أبحاثهما في بيوسفير 2، مستفيدين من نظامه المغلق لإجراء تغييرات بيئية دقيقة وسريعة، لدراسة تأثيرها على النباتات والحيوانات.
تشمل الدراسات محاصيل مثل الكاكاو والقهوة، ونمذجة دورة المياه، وقياس الأمطار والجريان والتبخر، وفحص تأثير التغيرات على الفيروسات البحرية، والنظم البيئية الميكروبية.
يسلط إرث بيوسفير 2 الضوء على العلاقة المعقدة بين البشر وكوكبهم، وأهمية دراسة النظم البيئية في زمن تواجه فيه الأرض تغييرات مناخية متسارعة، مما يتيح للبشر فرصًا لفهم أعمق لكيفية تنسيق حياتهم وتقنياتهم مع الطبيعة.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading