التجارة العالمية عند مفترق طرق.. هل نشهد نهاية التنمّر الاقتصادي؟
تحذير من لاجارد في بكين من “تنمّر” التجارة العالمية، ودعوة لتعاون دولي وسط تصاعد الحروب التجارية وتقلبات الأسواق.
من قلب العاصمة الصينية بكين، وجّهت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، تحذيرًا واضحًا للمجتمع الدولي بشأن مستقبل التجارة العالمية. وفي خطاب مؤثر ألقته داخل مقر بنك الشعب الصيني، شددت لاغارد على أن “نهج التنمّر في التجارة لن يحقق مكاسب مستدامة”، وأن السياسات القسرية تمثل حلولًا وهمية لتوترات عالمية تتفاقم يومًا بعد يوم.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العلاقات التجارية الدولية تقلبات غير مسبوقة، وسط تصاعد الدعوات إلى الحمائية، مما يهدد أسس الازدهار العالمي. فهل تؤسس هذه التحذيرات لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي؟ وهل تعي القوى الكبرى أن السياسات القسرية ليست سبيلًا مستدامًا لتجاوز التوترات التجارية التي تضرب الجميع بلا استثناء؟
دعوة لحلول تعاونية
تجاوزت لاغارد إطار التحذير من تداعيات “السياسات القسرية” لتؤكد أن هذا النهج لا يقدم أي ميزة دائمة على المدى الطويل. واستندت في خطابها إلى خبرتها العميقة في مجال التجارة الدولية، لا سيما خلال توليها منصب وزيرة التجارة الفرنسية. وأبرزت أن السياسات القسرية لا يمكن أن تكون علاجًا فعّالًا للتوترات الحالية، بحسب تقرير نشرته وكالة “بلومبرغ” واطلعت عليه “سكاي نيوز عربية”.
جاءت تصريحات لاغارد بالتزامن مع توصل الولايات المتحدة والصين إلى اتفاق مبدئي يهدف إلى تهدئة التوترات التجارية، التي بلغت ذروتها بفعل السياسات الجمركية المتقلبة خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.
وشددت لاغارد على أن الحمائية، وإن ادّعت معالجة الاختلالات، فإنها لا تُعالج جذورها، بل تقوّض دعائم الازدهار العالمي. وحذّرت من أن تفاقم هذه السياسات يأتي في ظل اندماج عالمي عميق عبر سلاسل التوريد، وتراجع التوافق الجيوسياسي الذي ساد في فترات ماضية.
وأضافت لاغارد أن السياسات القسرية التجارية مرشحة لتوليد ردود فعل انتقامية، مما يفتح الباب أمام نتائج مدمّرة لكافة الأطراف.
تحذير غير مباشر لترامب
ورغم أنها لم تُسمِّ ترامب صراحة، إلا أن لاغارد، التي تولّت قيادة صندوق النقد الدولي خلال معظم فترة ولايته الأولى، ألمحت إلى المخاطر المترتبة على عودته المحتملة إلى البيت الأبيض، بما في ذلك فرض رسوم جمركية على الواردات الأوروبية. وقد صرحت مؤخرًا بأن “مثل هذه الرسوم ستغير وجه التجارة إلى الأبد”.
ودعت إلى ضرورة تبني حلول تعاونية تحافظ على النمو العالمي في ظل التحديات الجيوسياسية، مشددة على مسؤولية الدول ذات الفائض والعجز التجاري في الإسهام الفاعل في تحقيق التوازن.
المعادن والرقائق… سلاح جديد
وفي سياق متصل، أشارت المفاوضات التجارية الأخيرة بين واشنطن وبكين إلى تنامي أهمية ضوابط التصدير في الحروب التجارية الحديثة. ولفت تقرير أميركي إلى أن الوصول إلى معادن نادرة أو رقائق دقيقة قد يمنح اقتصادات تفوّقًا استراتيجيًا.
وأوضحت لاغارد أن الصين تسيطر على جانب كبير من الإمدادات العالمية للمواد الخام الضرورية لصناعات مثل السيارات الكهربائية والهواتف المحمولة. وشددت على أن “تقليل المخاطر سيظل قائمًا”، نظرًا إلى اعتبارات الأمن القومي والدروس المستفادة من جائحة كورونا، مؤكدة أن “عددًا قليلاً من الدول مستعد للبقاء معتمدًا على الآخرين في الصناعات الاستراتيجية”.
مظاهر التنمّر التجاري
في تصريحات خاصة لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، قال الخبير الاقتصادي علي حمودي إن ممارسات “تنمّر” القوى الكبرى في التجارة العالمية أصبحت سمة بارزة في المشهد العالمي، خصوصًا من قبل الولايات المتحدة والصين، ما ألقى بظلاله السلبية على الدول النامية والاقتصادات الصغيرة.
وحدد أبرز هذه المظاهر على النحو التالي:
• الحمائية المقنّعة: مثل فرض تعريفات جمركية غير معلنة أو معايير استيراد تعجيزية.
• شروط الإقراض المجحفة: التي تفرضها الدول الكبرى أو المؤسسات الدولية، ما يضاعف أعباء الديون على الدول النامية.
• الاستغلال غير العادل للموارد: حيث تستغل الشركات الكبرى ضعف التشريعات في الدول النامية لتحقيق مكاسب على حساب البيئة والعمالة.
• الحروب التجارية: بين القوى الكبرى، والتي تؤثر سلبًا على سلاسل الإمداد العالمية.
• الضغط السياسي: عبر التهديد بسحب الاستثمارات أو فرض عقوبات تجارية.
وأشار حمودي إلى أن استمرار هذه الممارسات يهدد النمو والاستقرار العالمي، ويُعمّق الفجوة بين الدول، ويقوض فرص التجارة العادلة، كما يفاقم الأزمات البيئية.
متى ينتهي عصر التنمّر؟
أوضح حمودي أن لا أحد يستطيع تحديد موعد قاطع لنهاية هذا النمط من السياسات، لكنه أشار إلى عوامل قد تُسرّع وتيرة التغيير، منها:
• صعود قوى اقتصادية جديدة مثل الهند.
• زيادة الوعي بالتجارة العادلة لدى المستهلكين والشركات.
• تعزيز التعاون الدولي من خلال منظمات مثل منظمة التجارة العالمية.
• التكنولوجيا التي تتيح الشفافية وتتبع سلاسل التوريد.
ودعا إلى ضرورة إنشاء نظام تجاري عادل يستند إلى قواعد شفافة، وآليات تنفيذ فعّالة، ودعم للدول النامية، مع التركيز على الاستدامة البيئية والاجتماعية.
عند مفترق طرق
من جهته، قال الخبير الاقتصادي حسين القمزي إن تحذير لاغارد يمثل لحظة فارقة في مسار التجارة العالمية. وأشار إلى أن إطلاق هذه الرسالة من بكين، ومن داخل البنك المركزي الصيني تحديدًا، يحمل أبعادًا رمزية ورسائل قوية.
واستعرض القمزي سلسلة من التوترات المتصاعدة منذ بداية عام 2025، منها:
• تهديدات أميركية بفرض رسوم على المركبات الصينية والمعادن الحيوية.
• مساعٍ أوروبية لفرض إجراءات مضادة في قطاع التكنولوجيا الخضراء.
• قرارات صينية بتقييد تصدير مواد استراتيجية مثل الغاليوم والجرافيت.
وأضاف أن هذه التوترات انعكست على أرقام النمو، إذ خفض البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في 2025 إلى 2.3 بالمئة، في أدنى مستوى له منذ 17 عامًا (باستثناء فترات الركود).
هدنة هشة… وانتظار أغسطس
أعلنت واشنطن وبكين مؤخرًا عن هدنة تجارية مؤقتة تستمر حتى أغسطس المقبل، تشمل تخفيف القيود الأميركية على صادرات أشباه الموصلات، مقابل استئناف الصين لتصدير المعادن النادرة.
لكن الأسواق لا تزال متوترة، وفق ما أكده فادي خوري، المدير العام في شركة Nuveen لإدارة الأصول، الذي قال في مقابلة مع برنامج “بزنس مع لبنى” على “سكاي نيوز عربية” إن العالم يواجه تباطؤًا اقتصاديًا حتميًا، وإن الركود الشامل ليس مطروحًا حاليًا، لكن النمو المتوقع في 2025 قد لا يتجاوز 1 بالمئة.
الاقتصاد العالمي يبحث عن بوصلة
توقعات البنك الدولي تشير إلى أن الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم قد تكلف الاقتصاد العالمي نحو 1.5 تريليون دولار خلال العام الجاري. كما تكبدت الشركات العالمية خسائر تُقدّر بـ34 مليار دولار في شهرين فقط من التصعيد.
وأضاف خوري أن تكاليف استيراد الصلب والألمنيوم في الولايات المتحدة تضاعفت، بينما انهار الطلب على السيارات الأوروبية. وأكد أن حالة عدم اليقين تدفع المستثمرين إلى الابتعاد عن الأسهم والتوجّه إلى أدوات مثل الائتمان الخاص، الذي بلغ حجمه نحو 2 تريليون دولار، ومن المتوقع أن يصل إلى 3 تريليونات خلال 4 سنوات.
بين أمل الهدنة وشبح التصعيد
ختامًا، أشار خوري إلى أن الأسواق تنتظر ما ستسفر عنه نهاية الهدنة في أغسطس، محذرًا من أن الاعتماد على التوافقات المؤقتة لن يكفي لإنقاذ الاقتصاد العالمي.
العالم اليوم بحاجة إلى التزامات صلبة، ورؤية تجارية مستدامة، تعيد التوازن إلى نظام مضطرب وتحصّنه أمام العواصف القادمة.
