“البصمة الكربونية” لجيوش العالم قد تصل 5.5% من الانبعاثات العالمية.. الجيوش معرضة لتغير المناخ

الاحتباس الحراري تهديد أمني على الجيوش.. البنتاجون وحده أنتج انبعاثات أكثر من دول مثل البرتغال أو الدنمارك

يقول خبراء الأمن إن الجيوش معرضة لتغير المناخ، بدءاً من الاستجابة للكوارث الجوية ووصولاً إلى المنافسة المتزايدة في القطب الشمالي الذي يشهد ارتفاعاً سريعاً في درجات الحرارة، ولا يمكنها أن تسمح له بأن يصبح “نقطة عمياء” استراتيجية.

تزايدت المخاوف في الآونة الأخيرة بشأن تهميش العمل المناخي مع تعزيز أوروبا لدفاعاتها وتراجع الولايات المتحدة عن حلفائها والتزاماتها الخضراء.

لكن إدارات الدفاع أكدت بالفعل أن الاحتباس الحراري يشكل تحديات أمنية وطنية كبرى، وأن الجيوش بحاجة إلى التكيف للرد على هذه التهديدات المتطورة.

وأوضحت إيرين سيكورسكي، مديرة مركز المناخ والأمن في واشنطن: “لا مفر من هذا، المناخ لا يهمه من هو الرئيس أو ما هي أهدافك السياسية في الوقت الراهن”، قائلة ” إنها قادمة، ويجب على الجيوش أن تكون مستعدة”.

خطر انبعاثات الجيوش على البيئة

النقطة العمياء.. فجوات استراتيجية حاسمة

وفي الولايات المتحدة، حيث قامت إدارة الرئيس دونالد ترامب بحذف ظاهرة الاحتباس الحراري من المواقع الإلكترونية الحكومية، لم يشر أحدث تقييم للتهديدات الاستخباراتية إلى تغير المناخ.

وقالت سيكورسكي، إن هذا يترك فجوات استراتيجية حاسمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقوة الطاقة المتجددة الصين والسباق نحو التفوق في القطب الشمالي، حيث يؤدي فقدان الجليد البحري إلى فتح ممرات الشحن والوصول إلى الموارد.

وأضافت “ما يقلقني، كشخص عمل في مجال الأمن القومي لفترة طويلة، هو أن هذه النقطة العمياء تعرض الولايات المتحدة للخطر”.

تحول أولويات الإنفاق إلى الدفاع والتجارة

وفي أوروبا، أثار غزو روسيا لأوكرانيا مخاوف بشأن أمن الطاقة، وساهم في تسريع طموحات العديد من البلدان في مجال الطاقة المتجددة.

لكن في الأشهر الأخيرة، خفضت البلدان مساعداتها الإنمائية الدولية، مما أثار تساؤلات حول ميزانيات المناخ مع تحول أولويات الإنفاق إلى الدفاع والتجارة.

وفي الشهر الماضي، أقرت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك بالوضع الجيوسياسي “الصعب للغاية” لكنها أصرت على أن العمل المناخي يظل “سياسة أمنية عليا”.

وتخطط البلاد لإنفاق نصف تريليون دولار على الجيش والبنية الأساسية، إلى جانب 100 مليار يورو لإجراءات المناخ.

انبعاثات الجيوش

كارثة “تسليح”

“كل من يفكر في الأمن عليه أن يفكر في المناخ أيضًا، نحن نعيش بالفعل في أزمة مناخية”، هذا ما جاء في تقييمٍ كُلِّف به وزارتا الخارجية والدفاع الألمانيتان في فبراير.

وأضافت أن التحديات المناخية بدأت تظهر عبر “مجموعة كاملة من المهام العسكرية”، مع زيادة المخاطر بما في ذلك فشل المحاصيل على نطاق واسع والصراع وعدم الاستقرار.

وفي تقرير صدر في سبتمبر، قالت وزارة الدفاع البريطانية، إن تأثير البشرية على المناخ والبيئة “لا يزال يخلف عواقب بعيدة المدى، ويضع ضغوطا كبيرة على المجتمعات والاقتصادات ويهدد وجود بعض الدول”.

وقالت سيكورسكي، الذي تتبعت منظمته أكثر من 500 استجابة طارئة من هذا القبيل في جميع أنحاء العالم منذ عام 2022، إن استدعاء الجيوش يتزايد في أعقاب الفيضانات والعواصف وحرائق الغابات، مما يزيد من ضغط قدرات بعض القوات.

وأضافت أن هناك أيضًا جهودًا لـ”تسليح” الكوارث المناخية.

في العام الماضي، تسببت الأمطار الغزيرة التي أطلقتها العاصفة بوريس في حدوث فيضانات هائلة في بولندا أدت إلى تدمير الجسور والمنازل والمدارس.

ولكن بينما ساعد الجنود في إجلاء السكان وإزالة الأنقاض، قالت الحكومة إنها واجهت زيادة بنسبة 300% في المعلومات المضللة عبر الإنترنت من قبل روسيا، والتي تستهدف جهود الإغاثة.

وقالت سيكورسكي، إن الصين استخدمت نفس “الدليل” في أعقاب الفيضانات المميتة في فالنسيا بإسبانيا، والتي شهدت أيضًا نشر الآلاف من الجنود.

ويحمل الاحتباس الحراري في حد ذاته أيضًا آثارًا تشغيلية كبرى.

وأضافت سيكورسكي، أن درجات الحرارة القصوى يمكن أن تشكل خطرا على صحة الجنود وربما تقلل من كمية البضائع التي يمكن للطائرات حملها.

غموض حول انبعاثات الجيوش

نقاط ضعف الطاقة.. “تخضير الجيوش”

لا يُطلب من الجيوش الإبلاغ عن انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وبالتالي فإن مساهمتها المباشرة في ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي غير معروفة على وجه التحديد.

لكن تقريرا صادرا عن الاتحاد الأوروبي في عام 2024 قدر أن “البصمة الكربونية” لجيوش العالم قد تصل إلى 5.5% من الانبعاثات العالمية.

وذكر تقرير “تخضير الجيوش”، أن البنتاجون وحده أنتج انبعاثات أكثر من دول مثل البرتغال أو الدنمارك.

كانت الجيوش تشعر بالقلق إزاء الاعتماد على الوقود الأحفوري قبل وقت طويل من أن يصبح تغير المناخ أولوية – وتعود المخاوف إلى أزمة النفط في سبعينيات القرن العشرين، كما يقول دونكان ديبليدج من جامعة لوبورو، الذي يدرس آثار المناخ على الجيوش.

وفقًا لدراسة أُجريت عام ٢٠١٩، استهلك الجيش الأمريكي حوالي جالون واحد من الوقود لكل جندي يوميًا خلال الحرب العالمية الثانية.

وخلال حرب الخليج (١٩٩٠-١٩٩١)، كان الاستهلاك حوالي أربعة جالونات، وبحلول عام ٢٠٠٦، ارتفع إلى حوالي ١٦ جالونًا خلال العمليات الأمريكية في العراق وأفغانستان.

تحديات للجيوش

وذكر تقرير الاتحاد الأوروبي أن الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري يخلق “نقاط ضعف كبيرة” في القتال.

وأضافت، أن قوافل الوقود تشكل هدفا سهلا للقنابل المزروعة على جوانب الطرق، والتي تسببت في مقتل ما يقرب من نصف الأميركيين في العراق وما يقرب من 40% في أفغانستان.

وذكر التقرير أن الطاقة المتجددة قد تساعد في تجنب هذه المخاطر، لكنه أقر بأن التكنولوجيا “ليست مناسبة تماما للقتال بعد”.

وقال ديبليدج، إن التحول العالمي السريع في مجال الطاقة لتجنب “كارثة المناخ” من شأنه أن يشكل تحديات للجيوش، مما قد يثير المخاوف بشأن استخدامها للوقود الأحفوري.

وأضاف “مهما كان الاتجاه الذي تسلكه، فإن الجيوش لم تعد لديها خيار بشأن حقيقة أنها ستعمل في عالم مختلف تماما عما تفعله اليوم”.

Exit mobile version