بعد صيف شديد الحرارة، يبدو السؤال بسيطًا: إلى أي مدى كانت الحرارة التي شهدتها منطقة ما نتيجة مباشرة لتغير المناخ؟
لكن الإجابة العلمية ليست بهذه السهولة، لأن درجات الحرارة المحلية لا تتحرك بفعل الاحترار العالمي وحده، وإنما تتداخل معها تقلبات طبيعية يمكن أن تستمر سنوات أو عقودًا.
دراسة جديدة تكشف أن هذه المشكلة لا تتعلق فقط بصعوبة فصل البصمة البشرية عن التذبذب الطبيعي، بل أيضًا بأن النماذج المناخية قد تخطئ في توقيت ظهور الاحترار الناتج عن النشاط البشري على المستوى الإقليمي؛ ففي بعض المناطق تتأخر النماذج عن الواقع، بينما تظهر الإشارة في مناطق أخرى في وقت أبكر مما تتوقعه.
وقاد الباحثان هاسي آرو وتشاو لي من معهد ماكس بلانك للأرصاد الجوية في هامبورج تحليلًا اعتمد على سجلات الرصد نفسها، بدلًا من ترك النماذج المناخية تحدد مسبقًا شكل الاحترار البشري على المستوى الإقليمي.
173 عامًا من درجات الحرارة تكشف البصمة البشرية
بدأ الباحثون من أحد الجوانب التي تتفق فيها النماذج المناخية والرصدات بدرجة جيدة، وهو ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض عالميًا منذ القرن التاسع عشر.
وقسم الفريق سطح الأرض إلى مربعات يبلغ طول ضلع الواحد منها نحو 220 كيلومترًا عند خط الاستواء، ثم قارن سجل درجة الحرارة في كل مربع بالمنحنى العالمي لارتفاع الحرارة.
والجزء الذي يتحرك بالتوازي مع الاتجاه العالمي اعتُبر مؤشرًا على الإشارة المناخية المفروضة، أي الجزء المرتبط بالعوامل التي تدفع المناخ في اتجاه طويل الأمد، بينما عومل ما تبقى باعتباره تقلبًا طبيعيًا.
واستخدم الباحثون ثلاثة سجلات طويلة لدرجات الحرارة تبدأ من عام 1850، كان أبرزها سجل مركز هادلي التابع لهيئة الأرصاد الجوية البريطانية، مع الاستعانة بسجلات مماثلة من الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) و«بيركلي إيرث» للتحقق من النتائج.
ثم أخضع الفريق 343 محاكاة مناخية للاختبار نفسه.
والفكرة المهمة هنا أن الباحثين لم يفترضوا مسبقًا أن النماذج تعكس الواقع، بل اختبروا الطريقة المستخدمة لفصل الإشارة البشرية عن التقلب الطبيعي داخل المحاكاة نفسها، حيث تكون الإجابة الحقيقية معروفة.
وأظهرت الاختبارات أن المنهج يستطيع استعادة الاتجاه المفروض بدرجة جيدة عندما تمتد فترة تحليل الاتجاه لعدة عقود، لكن دقته تتراجع بصورة واضحة عندما تكون الفترة قصيرة، مثل 10 سنوات.
لماذا تحتاج البصمة البشرية إلى عقود حتى تظهر؟
طوّر الباحثون أيضًا مقياسًا جديدًا للإجابة عن سؤال أكثر تحديدًا:
كم سنة من السجلات نحتاج حتى يصبح الاحترار المرتبط بالعوامل البشرية أقوى من التقلبات الطبيعية ويظل واضحًا فوقها؟
وبالنظر إلى الفترة المنتهية في عام 2022، وجدت الدراسة أن الأمر يستغرق في معظم مناطق العالم نحو 30 إلى 35 عامًا حتى تصبح الإشارة البشرية واضحة بما يكفي.
لكن المدة تختلف بشدة من منطقة إلى أخرى.
ففي القطب الشمالي وشمال الأطلسي الاستوائي وجنوب الأطلسي ومنطقة المياه الدافئة بين المحيطين الهندي والهادئ، يمكن أن تظهر الإشارة خلال نحو 10 إلى 15 عامًا فقط.
أما في شمال وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، وفي مناطق واسعة من المحيط الجنوبي، فقد تحتاج الإشارة إلى 30 إلى 45 عامًا حتى تتجاوز الضوضاء الطبيعية.
وفي منطقتين تحديدًا لم تظهر الإشارة بوضوح حتى الآن خلال كامل السجل البالغ 73 عامًا الذي خضع للتحليل: البقعة الباردة في شمال الأطلسي وأجزاء من المحيط الجنوبي.
وهذا لا يعني أن النشاط البشري لا يؤثر في هذه المناطق، بل إن السجل المتاح لا يزال قصيرًا نسبيًا بحيث يصعب فصل الإشارة البشرية بوضوح عن التقلبات الطبيعية.
النماذج تتأخر في القطب الشمالي وتتقدم في مناطق أخرى
عند مقارنة النتائج المستخلصة من الرصد بالمحاكاة، ظهر اختلاف واضح في توقيت بروز الإشارة المناخية.
ففي القطب الشمالي، وعلى طول سواحل القارة القطبية الجنوبية، وفوق مناطق من أمريكا الشمالية وأوروبا وجنوب شرق آسيا، كانت النماذج في المتوسط أبطأ من الرصدات في إظهار الاحترار البشري.
وفي المقابل، ظهرت الإشارة في النماذج مبكرًا مقارنة بالرصد في شرق المحيط الهادئ الاستوائي، وأجزاء من المحيط الجنوبي، وشمال الأطلسي شبه القطبي.
وهذه الفروق ليست مجرد مسألة حسابية صغيرة.
فعند دراسة الاتجاهات على مدى 30 عامًا، فسرت الفروق بين النماذج والرصد نحو 41% من التباين في نمط الإشارة المناخية المفروضة، ونحو 57% من التباين في نمط التقلبات الطبيعية.
والأكثر لفتًا أن النمط المرصود للتقلبات الطبيعية خرج في بعض الحالات خارج النطاق الكامل الذي قدمته المحاكاة البالغ عددها 343.
كلما ارتفعت حساسية النموذج لثاني أكسيد الكربون.. اتسعت الفجوة
وجد الباحثون أن النماذج التي تقدم أقل ارتفاع طويل الأمد في درجة الحرارة عند مضاعفة تركيز ثاني أكسيد الكربون كانت، بصورة عامة، الأقرب إلى النتائج المستخلصة من الرصد.
أما أكبر الفروق فظهرت في النماذج التي تتوقع احترارًا أعلى.
وتراوحت قيمة الاحترار طويل الأمد عند مضاعفة تركيز ثاني أكسيد الكربون في النماذج السبعة التي ركز عليها التحليل بين 2.6 و5.6 درجة مئوية.
وفي المقابل، يضع التقييم السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) نطاق الاحترار المرجح عند مضاعفة ثاني أكسيد الكربون بين نحو 2.5 و4 درجات مئوية.
لكن الباحثين يحذرون من المبالغة في تفسير هذه العلاقة، إذ إن الاستنتاج يعتمد على سبعة نماذج فقط، وبالتالي لا يكفي وحده لإثبات أن حساسية النموذج لثاني أكسيد الكربون هي السبب المباشر في اختلاف أدائه الإقليمي.
القطب الشمالي.. الاحترار مستمر رغم التباطؤ الأخير
تكشف المناطق الأربع محل الجدل قصصًا مختلفة، ولا يمكن اختزالها في قاعدة واحدة.
في القطب الشمالي، يهيمن الاحترار الناتج عن العوامل البشرية على الاتجاه طويل الأمد، ويمكن أن يظهر فوق التذبذب الطبيعي بعد نحو 15 عامًا فقط من السجلات.
لكن الاحترار القطبي تباطأ خلال العقدين الماضيين، وهنا تلعب التقلبات الطبيعية دورًا في دفع درجات الحرارة في الاتجاه المعاكس للإشارة البشرية التي لم تتوقف.
وتشير الدراسة إلى أن متوسط النماذج السبعة يبالغ في تقدير معدل الاحترار البشري في القطب الشمالي، رغم أن الاتجاه العام للاحترار لا يزال واضحًا.
التبريد في المحيط الهادئ ليس بالضرورة عكس الاحترار العالمي
في جنوب شرق المحيط الهادئ والقطاع الهادئ من المحيط الجنوبي، تظهر درجات الحرارة الحديثة اتجاهًا نحو التبريد في بعض المناطق.
لكن الدراسة تشير إلى أن هذا التبريد يرتبط أساسًا بالتقلب الطبيعي للمناخ.
أما المساهمة المفروضة للعوامل البشرية فتظل في اتجاه احترار متواضع عبر الفترات الزمنية التي فحصها الباحثون.
وهذا الاستنتاج مهم، لأنه يعني أن التبريد الإقليمي الذي ترصده أجهزة القياس في منطقة معينة لا ينبغي تفسيره تلقائيًا على أنه دليل على غياب الاحترار العالمي أو انحساره.
البقعة الباردة في شمال الأطلسي.. قصة أكثر تعقيدًا
أما المنطقة الباردة الواقعة في شمال الأطلسي جنوب جرينلاند، فتقدم حالة مختلفة.
فعلى مدى 30 عامًا أو أكثر، يهيمن التبريد المفروض على الاتجاه في المنطقة، لكن التقلبات الطبيعية عمّقت التبريد في مرحلة، ثم دفعت المنطقة لاحقًا نحو موجة احترار، ما أدى إلى تغيير اتجاه درجات الحرارة الإجمالي.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا التحول يمثل بداية انتقال دائم من التبريد إلى الاحترار.
واللافت أن إعادة إجراء الحساب مع تثبيت نهاية الفترة عند 2013 بدلًا من 2022 تعطي نتيجة مختلفة على الفترات الطويلة، إذ يظهر الاحترار مرة أخرى، مدفوعًا بدرجة كبيرة بالتقلبات الطبيعية.
وهذا يوضح مدى أهمية الفترة الزمنية التي يختارها العلماء عند محاولة فصل الإشارات المناخية طويلة الأمد عن التذبذبات الطبيعية.
أين تكمن حدود الطريقة؟
رغم أهمية النتائج، لا تقدم الدراسة طريقة مثالية ونهائية لتحديد أسباب كل تغير إقليمي في درجات الحرارة.
فالمنهج يفترض أن الاستجابة المحلية للمناخ تتحرك بما يتناسب مع المتوسط العالمي، وأن شكل البصمة المناخية لا يتغير بمرور الزمن.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
فالرياح والتيارات المحيطية وتغير أنماط الدوران الجوي يمكن أن تغير شكل الاحترار من فترة إلى أخرى، وهو ما قد لا تلتقطه الطريقة الحالية بالكامل.
كما أن استخدام منحنى عالمي واحد لا يسمح بفصل تأثير غازات الدفيئة عن الهباء الجوي (Aerosols) بصورة مستقلة.
وتزداد درجة عدم اليقين في السجلات القديمة بسبب محدودية الرصد في بدايات فترة القياس، والحاجة إلى استكمال بعض الفجوات باستخدام أساليب إحصائية.
وفي جنوب شرق المحيط الهادئ، وجد الفريق أن المنهج نفسه ارتكب أخطاء متشابهة عبر النماذج والمحاكاة، ما يشير إلى أن بعض الاختلافات قد تكون مرتبطة بالطريقة المستخدمة وليس بالنموذج المناخي وحده.
المحيط الجنوبي يظل أكبر علامة استفهام
ربما يكون المحيط الجنوبي أكثر المناطق التي تحتاج إلى مزيد من البيانات.
فهناك تستغرق الإشارة البشرية وقتًا طويلًا حتى تبرز فوق التقلبات الطبيعية، ولذلك لا يستطيع العلماء حتى الآن تحديد ما إذا كان التبريد المرصود في بعض مناطقه سيتحول مستقبلًا إلى احترار واضح، أم سيستمر لفترة أطول.
ولهذا يرى الباحثون أن أحد أهم احتياجات علم المناخ في هذه المنطقة ليس مجرد بناء نماذج أكثر تعقيدًا، وإنما الحصول على سجل رصدي أطول وأفضل.
نحو بصمات مناخية أكثر دقة
يريد فريق آرو ولي تطوير منهج يسمح مستقبلًا بتحديد بصمات أكثر ارتباطًا بملوثات أو عوامل مناخية محددة، بدلًا من جمع جميع المؤثرات في إشارة عالمية واحدة.
كما يسعى الباحثون إلى السماح للبصمة المناخية بتغيير شكلها مع تغير أنماط دوران الغلاف الجوي والمحيطات.
وهذا يمكن أن يساعد في تحسين فهم ما يحدث على المستوى الإقليمي، حيث تتداخل بصمة الانبعاثات البشرية مع التقلبات الطبيعية والأنظمة المحيطية والجوية المعقدة.
النتيجة الأهم: النماذج ليست «خاطئة» ببساطة
لا تعني الدراسة أن النماذج المناخية غير موثوقة أو أن الاحترار العالمي موضع شك.
على العكس، فالاحترار العالمي طويل الأمد حقيقة رصدية راسخة، والنماذج تنجح بدرجة كبيرة في تمثيل الاتجاه العالمي العام.
لكن الدراسة تكشف مشكلة أكثر دقة: توقيت وشكل ظهور الاحترار البشري يمكن أن يختلفان إقليميًا عن الصورة التي تقدمها النماذج.
وفي بعض المناطق، مثل القطب الشمالي، تظهر البصمة البشرية أسرع مما تتوقعه النماذج، بينما تتداخل في مناطق أخرى التقلبات الطبيعية بقوة مع الاتجاه طويل الأمد.
والدرس الأهم لصانعي السياسات والباحثين هو أن قراءة المناخ الإقليمي تحتاج إلى سجلات رصد طويلة، ونماذج أكثر قدرة على التعامل مع التغيرات المكانية والزمنية، وفهم أفضل للتفاعل بين العوامل البشرية والطبيعية.
الدراسة الكاملة نُشرت في دورية Science Advances.
ملاحظة تحريرية: تم التعامل مع عبارة «النماذج أخطأت» بحذر، لأن الدراسة لا تثبت فشل النماذج المناخية عمومًا، وإنما تكشف اختلافات في توقيت وشكل الإشارة الإقليمية للاحترار البشري مقارنة بالرصدات.
