الدول مرتفعة الدخل تضم 16% من سكان العالم لكنها مسؤولة عن 46% من الاستهلاك العالمي لمواد البناء
ماذا لو أمكن معرفة وزن المباني التي يعيش ويعمل فيها سكان العالم، ثم استخدام هذه المعلومة لإعادة التفكير في شكل المدن قبل أن تبدأ موجة البناء الأكبر في العقود المقبلة؟
هذا هو السؤال الذي تقوده دراسة عالمية جديدة، لم تكتفِ بحساب عدد المباني، وإنما حاولت تقدير الكتلة المادية الهائلة التي تمثلها المباني حول العالم، وربطها بكيفية تخطيط المدن وكثافتها وارتفاع مبانيها، للوصول إلى تصور أكثر كفاءة لاستخدام مواد البناء.
الدراسة، التي نشرت في دورية Nature Cities، جمعت بين صور الأقمار الصناعية عالية الدقة وبيانات جغرافية مكانية ومعلومات عن مواد البناء، وتمكنت من تقدير وزن نحو 606 ملايين مبنى حول العالم.
والنتيجة كانت لافتة: بلغ إجمالي كتلة هذه المباني نحو 835 مليار طن متري، وهو رقم يقترب من الكتلة الإجمالية المقدرة لجميع نباتات العالم، التي تقدر بنحو 900 مليار طن.
لكن الرقم الأكبر في الدراسة ليس مجرد معلومة مثيرة؛ فهو يكشف حجم «المخزون المادي» للمدن، وما يعنيه استمرار التوسع العمراني في استهلاك الخرسانة والصلب ومواد البناء والطاقة المرتبطة بها.
لماذا قرر العلماء «وزن» مباني العالم؟
يرتبط التوسع العمراني عادة بعدد السكان ومساحة المدن وعدد الوحدات السكنية، لكن الباحثين أرادوا النظر إلى الجانب الآخر من المعادلة: كمية المواد التي يحتاجها هذا العمران؟
وقال جينتشاو سونج، المؤلف الأول للدراسة والباحث في كلية البيئة والاستدامة بجامعة ميشيغان، إن طريقة تخطيط المدن اليوم ستحدد احتياجاتها من المواد لعقود مقبلة.
وبحسب الباحثين، فإن استخدام المواد بكفاءة أكبر يمكن أن يساعد المدن على استيعاب الزيادة المستقبلية في السكان، مع تقليل الانبعاثات المرتبطة بقطاع البناء.
فالقاعدة التي تنطلق منها الدراسة بسيطة: كلما احتجنا إلى مواد أقل لبناء المساحة المطلوبة، انخفضت الطاقة المرتبطة بإنتاج ونقل هذه المواد، وتراجعت الانبعاثات المصاحبة لها.
606 ملايين مبنى.. و835 مليار طن من المواد
اعتمد الباحثون على بيانات عالية الدقة لتقدير كتلة 606 ملايين مبنى، ثم درسوا العلاقة بين وزن المباني وبين عوامل اقتصادية وسكانية وعمرانية مختلفة.
ووصل إجمالي كتلة المباني التي شملها التحليل إلى 835 مليار طن.
وتستحوذ الصين وحدها على نحو ربع إجمالي وزن المباني التي شملتها الدراسة، بينما جاءت الصين والولايات المتحدة في مقدمة الدول من حيث إجمالي وزن المباني.
لكن ترتيب الدول يتغير عندما يتم حساب وزن المباني بالنسبة إلى عدد السكان.
فبحسب الدراسة، سجلت هولندا والنرويج أعلى وزن للمباني لكل فرد.
وهذه المقارنة مهمة لأنها توضح أن الدولة التي تمتلك أكبر كتلة عمرانية ليست بالضرورة الدولة التي تمتلك أعلى استهلاك مادي لكل فرد.
ما شكل المدينة الأكثر كفاءة في استخدام مواد البناء؟
من أبرز نتائج الدراسة أن شكل المدينة نفسه يمكن أن يلعب دورًا في كفاءة استخدام المواد.
فقد وجد الباحثون، أن المدن التي تتميز بـتجمعات عمرانية كثيفة من المباني القصيرة والمتقاربة في الارتفاع حققت أفضل كفاءة من حيث تعظيم المساحة الأرضية المتاحة لكل شخص مع تقليل كمية المواد المستخدمة في البناء.
وهذا لا يعني أن كل مدينة يجب أن تتحول إلى مبانٍ منخفضة ومتراصة، لكنه يكشف عن علاقة مهمة بين الكثافة العمرانية وشكل المباني واستهلاك المواد.
فالمدينة ليست مجرد مجموعة من المباني المنفصلة؛ وإنما نظام عمراني يؤثر فيه توزيع المباني وارتفاعاتها والمسافات بينها.
المفارقة.. المبنى الأعلى قد يكون أكثر كفاءة في الأرض
وهنا تظهر إحدى أهم نقاط الدراسة، فإذا كان الهدف هو تقليل كمية مواد البناء المستخدمة فقط، فقد تكون المباني الأقصر أكثر كفاءة في بعض الحالات.
لكن إذا كان الهدف هو استيعاب أكبر عدد ممكن من السكان داخل مساحة محدودة من الأرض، فإن المباني المرتفعة قد تصبح أكثر جاذبية، رغم حاجتها إلى كميات أكبر من بعض المواد، خاصة الفولاذ.
وهكذا توجد مفاضلة بين هدفين:
تقليل المواد المستخدمة في البناء من ناحية، وتقليل مساحة الأرض اللازمة لاستيعاب السكان من ناحية أخرى.
ويقول الباحثون إن المخططين والمطورين سيحتاجون إلى الموازنة بين هذين الهدفين بدلًا من البحث عن حل واحد يصلح لكل المدن.
أين ستحدث أكبر موجة بناء مستقبلية؟
ربما تكون هذه النقطة هي الأهم بالنسبة للدول النامية.
فمن بين 20 دولة يتوقع أن تشهد أعلى طلب على مواد البناء حتى عام 2050، هناك 19 دولة منخفضة أو متوسطة الدخل.
أما الولايات المتحدة فهي الاستثناء الوحيد بين الدول مرتفعة الدخل في هذه المجموعة، كما أنها الدولة الوحيدة مرتفعة الدخل التي تتوقع الدراسة نموًا سكانيًا لديها خلال السنوات الـ25 المقبلة ضمن هذا السياق.
وهذا يعني أن المعركة الحقيقية حول كفاءة مواد البناء لن تدور فقط في المدن الغنية التي تمتلك بالفعل بنية عمرانية ضخمة، وإنما في الدول التي لم تبنِ بعد جزءًا كبيرًا من مدنها المستقبلية.
وهنا تتحول الاستدامة من محاولة لتقليل أضرار عمرانية قائمة إلى فرصة لتجنب جزء من هذه الأضرار قبل حدوثها.
الدول الغنية تستهلك مواد أكثر.. لكنها تملك مدنًا أكثر كفاءة
تكشف الدراسة مفارقة أخرى، فالدول مرتفعة الدخل تضم نحو 16% من سكان العالم، لكنها مسؤولة عن حوالي 46% من الاستهلاك العالمي لمواد البناء.
وفي الوقت نفسه، تضم هذه الدول نسبة كبيرة من المدن التي تصنف ضمن الشكل العمراني الأكثر كفاءة في استخدام المواد.
وتشير الدراسة إلى أن أكثر من 40% من المدن الكثيفة ذات المباني المنخفضة والمتقاربة تقع في دول مرتفعة الدخل.
أما الدول منخفضة الدخل، فتضم أكثر من 80% من المدن ذات النمط العمراني المتناثر والمباني المنخفضة، مقابل نحو 5% فقط في الدول مرتفعة الدخل.
وهذه المقارنة تكشف أن الكفاءة المادية للعمران لا ترتبط ببساطة بمستوى دخل الدولة؛ إذ يمكن أن تكون المدن الغنية أكثر كفاءة في شكلها العمراني، لكنها في الوقت نفسه تستهلك كميات أكبر من المواد بسبب حجم مخزونها العمراني ومستوى البناء والاستهلاك.
لماذا يمثل هذا الأمر قضية مناخية؟
قطاع البناء لا يرتبط بالانبعاثات فقط عندما يستهلك المبنى الكهرباء أو الوقود بعد اكتماله.
هناك أيضًا ما يعرف بالانبعاثات المرتبطة بعملية إنتاج مواد البناء ونقلها واستخدامها.
فالأسمنت والصلب، على سبيل المثال، يرتبط إنتاجهما باستهلاك كبير للطاقة وانبعاثات كربونية.
وبالتالي فإن تقليل كمية المواد المطلوبة لبناء مساحة سكنية أو خدمية معينة يمكن أن يؤدي، من حيث المبدأ، إلى تقليل جزء من البصمة البيئية المرتبطة بالبناء.
ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى المبنى ليس فقط باعتباره مكانًا للعيش أو العمل، وإنما باعتباره مخزونًا هائلًا من الموارد والمواد والطاقة المجسدة.
جنوب العالم أمام اختبار أكبر
المشكلة تصبح أكثر إلحاحًا في دول الجنوب العالمي، حيث يتوقع أن يحدث الجزء الأكبر من النمو السكاني والعمراني خلال العقود المقبلة.
فإذا جرى بناء المدن المستقبلية بالأنماط نفسها التي تعتمد على كميات كبيرة من المواد دون دراسة الكثافة والتوزيع والارتفاعات، فقد يؤدي ذلك إلى تضخم الطلب على مواد البناء وما يرتبط بها من طاقة وانبعاثات.
لكن في المقابل، تملك هذه الدول فرصة مهمة:
أن تتعلم قبل أن تبني، أي أن التخطيط المبكر يمكن أن يضع كفاءة استخدام المواد ضمن الاعتبارات الأساسية منذ تصميم الأحياء والمدن، بدلًا من محاولة إصلاح الهدر بعد اكتمال المباني والبنية التحتية.
هل الحل هو بناء مدن منخفضة فقط؟
الدراسة لا تقول ذلك، فالمباني المنخفضة والكثيفة قد تكون أكثر كفاءة في استخدام مواد البناء في ظروف معينة، لكن رفع الكثافة العمرانية يمكن أن يقلل الحاجة إلى التوسع الأفقي واستهلاك الأراضي.
وهنا يجب إدخال عوامل أخرى في الحساب، مثل:
- عدد السكان.
- مساحة الأرض المتاحة.
- أسعار الأراضي.
- وسائل النقل.
- البنية التحتية.
- طبيعة مواد البناء.
- احتياجات الطاقة.
- ظروف المناخ المحلي.
- جودة الحياة.
- المساحات الخضراء.
- قدرة المدينة على التوسع مستقبلًا.
لذلك لا توجد «وصفة عمرانية واحدة» يمكن تطبيقها على القاهرة أو نيروبي أو جاكرتا أو نيويورك أو أي مدينة أخرى.
من «المبنى الأخضر» إلى «المدينة الأقل استهلاكًا للمواد»
أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من الدراسة هو أن الاستدامة لا ينبغي أن تتوقف عند المبنى منفردًا.
فقد يكون المبنى مزودًا بألواح شمسية وأنظمة كفاءة للطاقة، لكنه يقع ضمن مدينة ممتدة بصورة عشوائية تحتاج إلى شبكات طرق ومرافق أطول، وتستهلك كميات أكبر من الأراضي ومواد البنية التحتية.
لذلك ينتقل التفكير المستدام من سؤال: كيف نجعل المبنى أخضر؟
إلى سؤال أوسع: كيف نجعل المدينة نفسها أكثر كفاءة في استخدام الموارد؟
وهذا يشمل المباني والشوارع وشبكات المياه والصرف والطاقة والنقل، وليس هيكل المبنى وحده.
«وزن المباني».. أداة جديدة لفهم التوسع العمراني
يقول جانج ليو، المؤلف المراسل للدراسة وأستاذ في كلية التخطيط الحضري والبيئي بجامعة بكين، إن وزن المباني يقدم زاوية مادية مكملة لفهم عمليات التحضر وآثارها.
وهذه الزاوية يمكن أن تصبح أكثر أهمية مع دخول العالم مرحلة جديدة من التوسع العمراني.
فعدد السكان وحده لا يخبرنا عن حجم الموارد المطلوبة لبناء المدن، بينما يمكن لتقدير كتلة المباني أن يكشف حجم المواد المخزنة بالفعل داخل البيئة العمرانية وحجم الطلب المستقبلي المحتمل عليها.
المستقبل يبدأ قبل وضع أول حجر
الرسالة الأهم للدراسة ليست أن المدن يجب أن تتوقف عن البناء، وإنما أن طريقة البناء ستحدد جزءًا من التكلفة البيئية لعقود قادمة.
ومع توقع أن تأتي غالبية الزيادة في الطلب على مواد البناء حتى 2050 من دول منخفضة ومتوسطة الدخل، تصبح قرارات التخطيط العمراني الحالية ذات تأثير يتجاوز حدود المدينة نفسها.
فكل طريق جديد، وكل حي جديد، وكل مبنى جديد، يعني استهلاكًا جديدًا للمواد والطاقة والأرض.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: كم مبنى نحتاج؟
بل أصبح: كم مادة نحتاج لبناء المدينة التي نريدها؟ والإجابة عن هذا السؤال مبكرًا قد تكون إحدى الطرق الأكثر فعالية لجعل التوسع العمراني القادم أقل تكلفة على الموارد والمناخ.
