تقنية جديدة تمهد لإنتاج الألومنيوم دون انبعاثات كربونية.. تجربة تمهد للتوسع الصناعي
كيف يمكن إنتاج الألومنيوم دون إطلاق ثاني أكسيد الكربون؟ ابتكار صناعي يستهدف إزالة الانبعاثا
تتجه صناعة الألومنيوم إلى مرحلة جديدة من التحول الصناعي، مع تطوير تقنية تستهدف إنتاج المعدن دون إطلاق انبعاثات مباشرة من ثاني أكسيد الكربون، في خطوة قد تسهم في تقليل البصمة الكربونية للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وشهد 19 أكتوبر محطة مهمة في تطوير هذه التقنية داخل مركز أبحاث الألومنيوم التابع لشركة «هيدرو» في هيرويّا بالنرويج، بعدما نجحت الشركة في إنتاج الألومنيوم باستخدام تقنية التحليل الكهربائي الجديدة «هال زيرو» (HalZero)، بحضور رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره.
وتعمل شركة «هيدرو» بالتعاون مع الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا (NTNU) ومؤسسة الأبحاث «سينتيف» (SINTEF) على تطوير التقنية، التي تستهدف إحداث تغيير في الطريقة التقليدية لإنتاج الألومنيوم، والحد من الانبعاثات المرتبطة بهذه العملية.
وقال إيجيل سكايباكموين، مدير الأبحاث في «سينتيف»، إن التقنية الجديدة تمثل مسارًا بديلًا لإنتاج الألومنيوم، موضحًا أن الهدف الأساسي منها هو تجنب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن عمليات الإنتاج التقليدية.
صناعة الألومنيوم تواجه تحديًا في خفض الانبعاثات
تعتمد الطريقة التقليدية لإنتاج الألومنيوم على تقنية طُوّرت عام 1886، وتستخدم الكهرباء لإحداث تفاعل كهروكيميائي بين أكسيد الألومنيوم، المعروف باسم الألومينا، والكربون، بما يؤدي إلى إنتاج المعدن وإطلاق ثاني أكسيد الكربون بوصفه ناتجًا رئيسيًا للعملية.
ووفقًا لسكايباكموين، ينتج عن تصنيع كل كيلوجرام من الألومنيوم نحو 1.5 كيلوجرام من ثاني أكسيد الكربون، ما يجعل العملية مصدرًا مهمًا للانبعاثات الصناعية.
وتواجه محاولات التقاط الكربون الناتج عن هذه العملية تحديًا إضافيًا، إذ يختلط ثاني أكسيد الكربون بكميات كبيرة من الهواء، ما يؤدي إلى انخفاض تركيزه ويجعل فصله وجمعه أكثر صعوبة وتكلفة، ومع ذلك، لا تزال بعض المشروعات تستكشف إمكانات تطبيق تقنيات التقاط الكربون في هذا القطاع.
ومن هنا، يستهدف المسار الجديد معالجة المشكلة من أساسها، عبر إعادة تصميم التفاعلات الكيميائية المستخدمة في إنتاج الألومنيوم، بدلًا من الاعتماد فقط على التقاط الانبعاثات بعد تولدها.

«هال زيرو».. دورة مغلقة للغازات لإنتاج الألومنيوم
تعتمد تقنية «هال زيرو» على تحويل أكسيد الألومنيوم إلى كلوريد الألومنيوم اللامائي من خلال عملية الكلورة، ثم تفكيك كلوريد الألومنيوم إلى غاز الكلور ومعدن الألومنيوم باستخدام التحليل الكهربائي.
وتتمثل إحدى أبرز خصائص التقنية في إدارة الغازات الرئيسية المستخدمة في العملية ضمن دورات مغلقة، بما يسمح بإعادة استخدامها مرات متكررة بدلًا من إطلاقها في الغلاف الجوي.
كما يجري التقاط ثاني أكسيد الكربون وتحويله إلى أول أكسيد الكربون، ضمن منظومة تهدف إلى إعادة استخدام الغازات وتقليل الانبعاثات الناتجة عن عملية الإنتاج.
وقال سكايباكموين، إن الفكرة الأساسية تقوم على تدوير الغازات داخل حلقات مغلقة لضمان عدم انبعاثها، لكنه أشار إلى أن تنفيذ هذه المنظومة يظل تحديًا تقنيًا يتطلب مزيدًا من البحث والتطوير.
وأضاف، أن «سينتيف» تتعاون مع الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا وشركة «هيدرو» لدراسة الأسس العلمية للتقنية وتطويرها.
ومنذ يناير، تعمل «هيدرو» على اختبارها من خلال مشروع تجريبي في مجمع الأبحاث بهيرويّا، في بلدية بورشغرون النرويجية.
وفي إطار التعاون البحثي، تضم الجامعة النرويجية للعلوم والتكنولوجيا أربعة باحثين في مرحلة الدكتوراه يعملون تحت إشراف مشترك من خبراء «هيدرو» و«سينتيف».
كما تولت «سينتيف» مسؤولية مشروعات فرعية أخرى، إلى جانب إنشاء مختبر متخصص في مدينة تيلر بمدينة تروندهايم وتشغيله لإجراء الدراسات الأساسية والاختبارات بالتعاون مع الجامعة.

نجاح أول إنتاج للألومنيوم باستخدام التقنية الجديدة
مثّل إنتاج الألومنيوم للمرة الأولى باستخدام تقنية «هال زيرو» في 19 أكتوبر خطوة مهمة في مسار تطويرها، إذ تسعى «هيدرو» إلى الاستفادة من المشروع التجريبي لوضع الأسس اللازمة لتطبيق التقنية على نطاق صناعي.
ووفقًا لبيان صادر عن الشركة، يستهدف المشروع تمهيد الطريق لإنشاء منشآت إنتاج تعتمد على التقنية الجديدة، وصولًا إلى إنتاج الألومنيوم الأولي بصافي انبعاثات صفرية.
ورغم أن الفكرة ليست جديدة بالكامل، فإن شركة «ألكوا» الأمريكية أجرت مشروعًا تجريبيًا باستخدام نهج مماثل خلال ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تعيد «هيدرو» تطوير الفكرة وتحسينها. وقد حصلت الشركة النرويجية على براءة اختراع لعمليتها.

هل تتطلب التقنية الجديدة استثمارات أكبر؟
تشير الدراسات والاختبارات التي أُجريت حتى الآن إلى أن إنشاء مصنع للألومنيوم يعتمد على تقنية «هال زيرو» على نطاق صناعي قد يتطلب كميات من الطاقة ورأس مال مماثلين لما تحتاج إليه المصانع التي تستخدم التكنولوجيا التقليدية.
وأوضح سكايباكموين أن التكلفة الاستثمارية المتوقعة للمنشآت الجديدة قد تكون أيضًا قابلة للمقارنة بتكلفة مصانع الألومنيوم الحالية، وهو ما قد يدعم فرص تطبيق التقنية دون زيادة كبيرة في الأعباء الاستثمارية، إذا تأكدت هذه التقديرات عند التوسع الصناعي.
وتعمل «هيدرو» حاليًا على تطوير التقنية بالدرجة الأولى لاستخدامها في إنشاء قدرات إنتاجية جديدة، بينما يتمثل الأمل على المدى الطويل في إمكان توظيفها أيضًا عند إحلال خطوط الإنتاج القديمة واستبدالها بأخرى أكثر توافقًا مع أهداف خفض الانبعاثات.
ومع ذلك، فإن الانتقال من الإنتاج التجريبي إلى التشغيل الصناعي الواسع سيظل مرهونًا بنتائج الاختبارات الإضافية، وكفاءة التشغيل، وقدرة التقنية على تحقيق الأداء المتوقع في المنشآت التجارية.
وإذا نجحت هذه المرحلة، فقد تمثل «هال زيرو» خطوة مهمة نحو تغيير أساليب إنتاج أحد المعادن الأساسية في البناء والنقل والصناعات التحويلية، مع تقليل الانبعاثات المباشرة المرتبطة بإنتاجه.





