من الفيضانات إلى الزلازل.. دور الأقمار الصناعية في الإنذار المبكر والتعافي المستدام

العلماء يحذرون: التعافي المستدام لا يتحقق بالتقنية وحدها

منظور العلماء حول تقنيات الأقمار الصناعية في تعافي الطبيعة

تلعب مراقبة الأرض عبر الأقمار الصناعية دورًا متزايد الأهمية في التنبؤ بالكوارث الطبيعية والمساعدة في جهود التعافي.

وقبل فترة قصيرة، تناولنا هذا الموضوع من زاوية الفرص السوقية والفوائد التي توفرها هذه التقنيات للمنظمات.

واليوم نواصل الحديث من منظور علمي، حيث يشارك خبراءنا رؤاهم حول كيفية توظيف هذه التكنولوجيا ميدانيًا.

أوضح أوليكسي كريفوبوك، الخبير في الحلول العلمية، أن تطبيقات الرصد الفضائي باتت جزءًا أساسيًا من إدارة الكوارث، بينما ركزت كاترينا سيرجييفا، الباحثة العلمية، على أهمية التعافي المستدام بعد الكوارث.

دور الأقمار الصناعية في الإنذار المبكر

مزايا المراقبة الفضائية في تقييم آثار الكوارث الطبيعية

من منظور علمي، توفر المراقبة بالأقمار الصناعية ميزتين رئيسيتين تمكّنان من الاستجابة السريعة والفعّالة:

1. سرعة وصول البيانات: كلما وصلت بيانات الرصد أسرع، أمكن اتخاذ التدابير اللازمة لتقليل الأضرار أو تحذير الجهات المعنية والمجتمعات قبل تفاقم الوضع. وتُعد المتابعة الدورية للمناطق المعرّضة للكوارث أمرًا بالغ الأهمية.

2. تقييم الأضرار: غالبًا ما تكون المناطق المتضررة واسعة وصعبة الوصول، مع محدودية الموارد المتاحة للتقييم الميداني.

وهنا تبرز أهمية الصور الفضائية في توفير رؤية شاملة ودقيقة.

وتختلف الأدوات والتقنيات باختلاف نوع الكارثة، لكن العملية عمومًا تدور حول التقييم البصري للخسائر ومراقبة التطورات أثناء الحدث وبعده.

العوامل المؤثرة في جودة التحليلات الفضائية

تظل جودة البيانات أبرز التحديات. فهناك مئات الأقمار الصناعية التجارية والحكومية التي توفر صورًا بدقة تصل إلى 30 سم، وأخرى متخصصة في قياس معطيات محددة مثل مستويات الأمطار.

كما توجد أقمار ثابتة المدار تلتقط صورًا لمنطقة معينة كل دقيقة إلى 15 دقيقة.

هذه المعطيات تؤثر على تكلفة البيانات؛ فمثلًا، في منصة EOSDA LandViewer قد يصل سعر الصور عالية الدقة إلى 30 دولارًا للكيلومتر المربع.

وهكذا، فإن القيود تتعلق بالميزانية أكثر من التقنية، إذ لا تستطيع كل الجهات أو الدول شراء هذه البيانات بانتظام أو إطلاق أقمارها الخاصة، ما يزيد من احتمالية وقوع الأخطاء في التقييم.

ورغم ذلك، تبقى المراقبة الفضائية أقل كلفة من إرسال فرق ميدانية مزودة بالمعدات إلى مواقع الكوارث.

دور الأقمار الصناعية في الإنذار المبكر

تطبيقات الاستشعار عن بُعد حسب نوع الكارثة

تختلف التطبيقات حسب أهداف البحث. فعلى سبيل المثال، عند تقييم أضرار الفيضانات التي ضربت فالنسيا عام 2024، تكون الخطوة الأولى هي التحليل البصري للصور الملتقطة.

كما يمكن استخدام بيانات الرادار ذي الفتحة التركيبية (SAR)، القادر على اختراق السحب والأمطار وبعض أنواع الغطاء النباتي، للكشف عن التغيرات الهيكلية طويلة المدى مثل هبوط الأساسات أو تغيرات سطح الأرض.

أما الكوارث الجوية كالأعاصير والفيضانات والعواصف البحرية، فالأقمار الصناعية هي الأداة الأساسية لمراقبتها لأنها غالبًا تبدأ فوق المسطحات المائية. وبفضلها يمكن إصدار تحذيرات قبل أيام من وقوع الكارثة.

لكن الزلازل ما زالت أكثر صعوبة في التنبؤ، حيث تظل أجهزة الاستشعار الأرضية أكثر دقة.

ومع ذلك، يبحث العلماء، مثل كاترينا سيرجييفا وفريقها، في إمكانية رصد مؤشرات ما قبل الزلازل من خلال الصور الحرارية للأقمار الصناعية، والتي قد تكشف عن تصدعات تطلق غازات وبخارًا عالي الحرارة قبل وقوع الهزات.

التحديات في استخدام بيانات الأقمار الصناعية

إضافة إلى محدودية توفر البيانات أو جودتها، تختلف التحديات بحسب السياق؛ فالكوارث الناتجة عن التغير المناخي تختلف عن تلك الناتجة عن الحروب من حيث حجم وتعقيد التأثيرات.

وتتزايد الاستعانة بالذكاء الاصطناعي والشبكات العصبية في معالجة البيانات الفضائية، مثل تحديد حدود الحقول أو أنواع المحاصيل بشكل آلي.

لكن تدريب هذه النماذج يتطلب بيانات أرشيفية واسعة، وهي متوفرة نسبيًا في المجالات الزراعية والمناخية، لكنها ما زالت محدودة في سياق الكوارث الكبرى.

دور الأقمار الصناعية في الإنذار المبكر

دور المراقبة الفضائية في التعافي المستدام

يهدف التعافي المستدام إلى إعادة النظم البيئية إلى حالتها قبل التدخل البشري، بما يحافظ على التنوع البيولوجي للنباتات والحيوانات والحشرات.

وتساعد أرشيفات الصور الفضائية في فهم الوضع البيئي قبل الكارثة وقياس التقدم المحقق في ترميمه.

وعلى خلاف التعافي التقليدي الذي يركز على إعادة البناء المادي، يشترط التعافي المستدام استعادة المنظومات الطبيعية بالكامل، مع مراعاة البعد الاجتماعي والاقتصادي لتحقيق توازن بين البيئة واحتياجات المجتمعات المحلية.

تجارب عالمية في التعافي المستدام

• هولندا 1953: بعد الفيضانات المدمرة، شيّدت البلاد شبكة متطورة من السدود وأصبحت رائدة عالميًا في إدارة المياه.

• آيسلندا 2010: استخدم المزارعون رماد بركان إيافيالايوكول لتحسين التربة وتحويل المناطق المتضررة إلى أراضٍ زراعية غنية.

• أستراليا 2019–2020: أطلقت برامج لإعادة التشجير وإدارة الغابات بعد حرائق الغابات الكارثية لاستعادة التنوع البيولوجي.
نحو مستقبل أكثر استعدادًا

يتطلب التعافي المستدام استثمارات طويلة المدى، ومشاركة المجتمعات، ورؤية علمية واضحة.

ولا يكفي الاعتماد على الأدوات الفضائية وحدها، بل لا بد من تنسيق جهود العلماء والقطاع الخاص والحكومات والمتطوعين لضمان فاعلية هذه التقنيات.

لقد علمتنا تجارب القرن العشرين أن الموارد الطبيعية ليست بلا حدود، وأن الحفاظ على النظم البيئية هو في جوهره حفاظ على الإنسان نفسه.

Exit mobile version