تكشف دراسة حديثة من جامعة فلوريدا الدولية أن السبب الحقيقي وراء العديد من الفيضانات الساحلية ليس الرياح المحلية كما كان يُعتقد، بل الرياح التي تهب بعيدًا في عرض البحر (Offshore winds)، والتي قد تؤثر على مستوى سطح البحر بعد عدة ساعات من حدوثها.
وتشير النتائج إلى وجود “تأثير زمني متأخر” يمتد بين 6 و18 ساعة بين تغير أنماط الرياح في المحيط وحدوث ارتفاع منسوب المياه على الشواطئ، ما يفتح الباب لإعادة تصميم أنظمة الإنذار المبكر للفيضانات الساحلية.
اكتشاف غير متوقع يغيّر فهم الفيضانات
الدراسة التي نُشرت في مجلة Natural Hazards اعتمدت على تحليل بيانات من NOAA ونماذج المناخ العالمية على مدار 22 عامًا، وخلصت إلى أن:
الرياح المحلية على الشاطئ لا تؤثر تقريبًا على ارتفاع أو انخفاض مستوى البحر
العامل الحاسم هو الرياح التي تهب بعيدًا في عرض المحيط
هذه الرياح مسؤولة عن 30% إلى 50% من التغيرات في مستوى المياه الساحلية
ووصفت الباحثة الرئيسية النتيجة بأنها “مفاجأة كاملة”، لأن التوقعات كانت تشير إلى تأثير مباشر للرياح المحلية.
كيف تعمل الرياح البعيدة على إحداث الفيضانات؟
توضح الدراسة أن الرياح في عرض البحر تدفع كتل المياه وتعيد توزيعها عبر المحيط، مما يؤدي إلى:
- تراكم المياه باتجاه السواحل
- تغيّر الضغط الهيدروديناميكي في طبقات المياه
- ارتفاع تدريجي في مستوى البحر بعد ساعات
ويحدث هذا التأثير عبر آلية زمنية متأخرة، حيث تصل ذروته بين 6 و18 ساعة بعد تغير الرياح.
أنماط رياح إقليمية تسبق الفيضانات
أحد أهم اكتشافات الدراسة هو وجود “أنماط رياح محددة” تظهر بانتظام قبل:
أو انخفاضات حادة في منسوب المياه
هذه الأنماط يمكن أن تؤثر في عدة ولايات أمريكية في الوقت نفسه، ما يشير إلى أن الظاهرة ليست محلية بل إقليمية واسعة النطاق.
دور التيارات البحرية في تعطيل تأثير الرياح
في بعض المناطق، لم يكن للرياح أي تأثير يُذكر على الفيضانات، خصوصًا في:
- فيرجينيا كيز
- كي ويست
مناطق قرب تيار فلوريدا القوي
السبب هو أن التيارات البحرية القوية القادمة من خليج المكسيك:
تتغلب على تأثير الرياح
وتصبح العامل الرئيسي في تحديد مستوى سطح البحر
كما ظهرت نتائج مشابهة قرب ميناء بورت كانافيرال بسبب التيارات المتجهة نحو خليج تشيسابيك.
“زاوية الخطر” لكل مدينة ساحلية
حللت الدراسة اتجاهات الرياح بالنسبة لخط الساحل، وحددت وجود ما يسمى بـ”زاوية الخطر”.
ما المقصود بها؟
هي زاوية محددة إذا جاءت منها الرياح البحرية:
يرتفع خطر الفيضانات بشكل كبير
تصبح التغيرات في مستوى المياه أكثر حدة
وتختلف هذه الزاوية من مدينة إلى أخرى وفق موقعها الجغرافي.
إعادة التفكير في أنظمة الإنذار المبكر
تشير النتائج إلى أن أنظمة التحذير الحالية من الفيضانات تعتمد بشكل كبير على:
الرياح المحلية
والقياسات القريبة من السواحل
لكن الدراسة توصي بـ:
التركيز على الرياح في عرض البحر
إدراج “تأخر التأثير الزمني” في نماذج التنبؤ
إعادة تصميم خرائط الفيضانات بناءً على بيانات offshore winds
نحو نماذج ذكاء اصطناعي للتنبؤ بالفيضانات
يعمل الباحثون حاليًا على تطوير نموذج يعتمد على الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بـ:
- تغير مستوى سطح البحر
- قبل 7 أيام من حدوثه
ويهدف هذا النموذج إلى:
- تحسين دقة التوقعات
- إطالة فترة الإنذار المبكر
- دعم خطط الحماية الساحلية والتخطيط العمراني
خاتمة
تقدم الدراسة تحولًا مهمًا في فهم أسباب الفيضانات الساحلية، إذ تكشف أن ما يحدث في عرض البحر قد يكون أكثر تأثيرًا بكثير مما يحدث عند الشاطئ نفسه.
هذا الاكتشاف لا يعيد فقط تفسير ديناميكيات المحيطات، بل قد يغير جذريًا طريقة تصميم أنظمة الإنذار المبكر وحماية المدن الساحلية من المخاطر المناخية المتزايدة.
