ارتفاع درجات الحرارة يهدد الأمن الغذائي ومصر الأكثر تضررًا بتغير المناخ
المنظمة العالمية للأرصاد: احتمال بنسبة 93% أن يصبح عام واحد في الفترة من 2022: 2026 الأحرّ على الإطلاق
تحقيق أسماء بدر
مساعد رئيس مركز معلومات تغير المناخ: مصر لا تشهد ظواهر جوية عنيفة.. أي محصول لا يمكنه الصمود أمام ظاهرة غير ثابتة
منار غانم: مصر تتأثر بكتل هوائية قادمة من صحراء شبه الجزيرة وتصل الحرارة إلى 45 جنوب البلاد
شهدت أوروبا موجة شديدة الحرارة تجاوزت معها درجات الحرارة 40 درجة مئوية في بريطانيا لتتأكد مقولة المملكة التي لا تغيب عنها الشمس، كما اشتعلت النيران في غابات كل من إسبانيا وسلوفينيا واليونان وفرنسا خاصة في المنطقة الجنوبية الغربية من جيروند، وقد التهمت النيران في طريقها آلاف الأفدنة.

وأصبح العالم على صفيح ساخن نتيجة التغيرات المناخية التي أضحت جلية خلال السنوات القليلة الماضية، وسط تحذيرات من أن القادم ربما يكون أسوأ، حيث وفقًا لتحديث مناخي جديد أصدرته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية WMO في مايو الماضي، ثمة احتمال بنسبة 50% أن يصل المتوسط السنوي لدرجة الحرارة العالمية مؤقتًا إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستوى ما قبل العصر الصناعي، في سنة واحدة على الأقل من السنوات الخمس المقبلة، ويتزايد هذا الاحتمال مع مرور الوقت.

وأضافت المنظمة العالمية أن هناك احتمال بنسبة 93% أن يصبح عام واحد على الأقل في الفترة 2022 – 2026 أحرّ عام مسجل، ليحل محل عام 2016 كأحرّ عام، ووفقًا للتحديث العالمي للمناخ السنوي إلى العقدي، الذي أصدره مكتب الأرصاد الجوية بالمملكة المتحدة (Met Office) وهو مركز منظمة WMO الرائد في هذه التنبؤات، ثمة احتمال أيضًا بنسبة 93% أن يتجاوز متوسط درجة الحرارة للسنوات الخمس من 2022 إلى 2026 متوسط السنوات الخمس الماضية 2017 إلى 2021.
هل تتأثر مصر بالموجة الحارة في أوروبا؟
قالت الدكتورة منار غانم، عضو المركز الإعلامي بالهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية، إن دول غرب أوروبا تعرضت خلال الأسبوع الماضي لموجة شديدة الحرارة وسجلت معدلات غير مسبوق في تاريخها وغير مُدرجة في سجلاتها المناخية، مثل البرتغال التي سجلت 47 درجة مئوية و40 في بريطانيا ما أدى إلى اشتعال الحرائق، ويرجع ذلك إلى التغيرات المناخية العالمية.

وأضافت غانم في تصريح خاص لـ “المستقبل الأخضر”، أن مصر معتادة في فصل الصيف على مثل تلك الموجات الحارة لكن استقرارها والارتفاع الشديد في درجات الحرارة الذي نشهده نتيجة لتغير المناخ الذي يظهر تأثيره الواضح على جميع دول العالم، موضحة أن دول غرب أوروبا تأثرت بكتل هوائية جنوبية غربية شديدة الحرارة قادمة من الصحراء الكبرى بشمال إفريقيا، وتمر بالمناطق الضيقة على البحر المتوسط لكنها لضيق المساحات لا يحدث لها أي تعديل أو تبرد من مياه البحر، بالتزامن مع وجود مرتفع جوي في طبقات الجو العليا.

وأوضحت عضو الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية، أن دول جنوب غرب أوروبا كانت تتأثر في أعوام سابقة بكتل هوائية من شمال إفريقيا وكانت ترتفع على إثرها درجات الحرارة، لكن تزايد هذه الموجات وشدتها والزيادة الكبيرة في فارق درجات الحرارة مدفوعًا بعامل أكبر وهو التغير المناخي وظاهرة الاحترار العالمي، لافتة إلى أن درجات الحرارة في مصر أقل بكثير من نظيرتها في بريطانيا والبرتغال التي قاربت على 50 درجة مئوية.
يختلف تأثير التغيرات المناخية من دولة إلى أخرى وفقًا للطبيعة الجغرافية بحسب الدكتورة منار غانم، التي أشارت إلى أن حالة الطقس في مصر تتأثر بكتل هوائية قادمة من شرق البلاد وصحراء شبه الجزيرة العربية، وتمر تلك الكتل بالبحر المتوسط ما يجعلها أقل حرارة بفعل التبريد بقيم قد تصل إلى 15 درجة مئوية انخفاضًا، لكنها محمّلة في الوقت نفسه بنسب رطوبة مرتفعة ما يؤدي إلى زيادة الشعور بارتفاع الحرارة.

على الرغم من اعتدال درجات الحرارة في مصر وتناسبها مع فصل الصيف بالمقارنة بعوامل الاحترار العالمي، إلا أن هناك بعض المناطق التي تتجاوز درجات الحرارة فيها 40 درجة أحيانًا وقد تصل إلى 45 درجة مئوية إذا توافرت العوامل المناخية المساعدة مثل هبوب كتل هوائية أو موجة حارة، وتلك المناطق تتمثل في جنوب البلاد وتحديدًا محافظتي الأقصر وأسوان جنوب مصر.
820 مليون يفتقرون إلى الغذاء.. ارتفاع درجات الحرارة يهدد الأمن الغذائي
لا يخفى على أحد ما تفعله درجات الحرارة العالية والموجات الحارة على صحة الإنسان وأمنه الغذائه، وبحسب منظمة الأغذية والزراعة “فاو”، من المُرجّح أن يساعد ارتفاع درجات الحرارة وازدياد الرطوبة على انتشار الآفات التي تصيب المحاصيل والحيوانات والأمراض العابرة للحدود، كما يؤدي ارتفاع الفواقد الغذائية الناجمة عن المناخ إلى اتساع الأراضي الزراعية على حساب الغابات، وبالتالي في المقابل يتسبب في ارتفاع غازات الاحتباس الحراري، وتعدّ المجتمعات المحلية الضعيفة الأشد عرضة للخطر في هذه العملية.
وتعكف الفاو على جمع البيانات العالمية المتصلة بالأغذية والزراعة من أجل تبادل المعارف وتيسير صنع القرارات المستنيرة، بعد توصيتها بضرورة أن يكون الانتقال إلى نظم زراعية وغذائية أكثر إنتاجية واستدامة مستندًا إلى معلومات دقيقة وموثوقة ومحدّثة، ومن شأن التقلبات في درجات الحرارة وآخر اتجاهات استخدام الأراضي وأنماط الثروة الحيوانية والبيانات المشابهة أن تلقي نظرة هامة على كيفية تصويب الإجراءات في محاولة لبناء عالم خالٍ تمامًا من الجوع.
وبحسب بيان صادر عن المنظمة، فإن البيانات تشير إلى تسارع عملية ارتفاع درجات حرارة المستمر على كوكب الأرض منذ أواخر القرن الثامن عشر، وفي ظلّ وجود أكثر من 820 مليون نسمة لا يزالون يفتقرون إلى الغذاء الكافي، يطرح هذا مزيدًا من القلق بشأن الأمن الغذائي والتغذية بفعل قدرة ارتفاع درجات الحرارة على إعاقة إنتاج الأغذية في العمق.

التأثير الصامت.. المحاصيل المصرية في مواجهة تغير المناخ
شرح الدكتور بلال علي، مساعد رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة، تأثيرات ارتفاع درجات الحرارة الناجم عن تغير المناخ على المحاصيل الزراعية والأمن الغذائي في مصر، حيث يؤكد أن تغير المناخ هو أزمة مستمرة لن تتوقف، ويُقدر عمر تركيز بعض غازات الاحتباس الحراري بنحو 120 عامًا في الغلاف الجوي ما يعني أنه إذا أردنا إنهاء هذه الانبعاثات بعد 120 عامًا يجب أن نتوقف الآن.
ويضيف علي في حديثه لـ “المستقبل الأخضر”، أن القطاع الزراعي يعد قطاعًا تشابكيًا وهو الأكثر تضررًا بظاهرة تغير المناخ؛ وأغلب المحاصيل في مصر بما فيها الاستراتيجية تُزرع في حقول مكشوفة ويعتبر المناخ عاملًا أساسيًا ومحفزًا لإنتاجيتها وجودتها أيضًا، وبعضها ينمو في الصوب أو الزراعات المغطاة وتلك لها القدرة على الصمود أمام الظروف البيئية أكثر من غيرها.
يعترف نائب رئيس مركز تغير المناخ بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، بأن مصر لا تشهد ظواهر جوية ومناخية عنيفة مثلما يحدث في بعض الدول من حرائق غابات وأعاصير وفيضانات، لكنها الأكثر تأثرًا بظاهرة تغير المناخ، وله تأثير قاتل على قطاع الزراعة، فمثلًا يؤدي تذبذب درجات الحرارة إلى الإجهاد الحراري لبعض المحاصيل ومنها القمح وبالتالي تنخفض إنتاجيته مما ينعكس سلبًا على الأمن الغذائي الذي تعد الزراعة مفتاحه، بحسب ما أوضحه الدكتور بلال علي.

وعن المحاصيل الزراعية الأكثر تضررًا نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ، يقول الدكتور بلال علي، إن التدهور الزراعي مرتبط بالظواهر الجوية المباغتة وأيًا ما كان الصنف المنزرع أو قوته لا يمكنه الصمود أمام ظاهرة غير ثابتة مثل تغير المناخ، برغم استمرار وزارة الزراعة من خلال مركز البحوث الزراعية على استنباط أصناف مقاومة بعد إجراء الدراسات والبحوث اللازمة.
وتقوم وحدة الإنذار المبكر التابعة لمركز معلومات تغير المناخ، بالتنبؤ بالظروف الجوية تصل مدته إلى 10 أيام بدقة عالية وبالتالي القدرة على اتخاذ إجراءات استباقية لمواجهة تغير المناخ على قطاع الزراعة، مثل تنبيه المُزارعين وإمدادهم بالتوصيات العلمية التي تُمكّنهم من الحفاظ على المحاصيل، والممارسات التي يتخذها للمواجهة، فعلى سبيل المثال إذا هبّت موجة رياح وكان المحصول قمحًا، ينصح العلماء المُزارع بتغيير موعد الري حتى تهدأ وتجنب خسارة حوالي 30% من محصوله إذا حدث ما يُعرف بالرقاد، وفقًا لتصريحات الدكتور بلال علي، نائب رئيس مركز معلومات تغير المناخ.





