يواجه بنك «باركليز» البريطاني شكوى رسمية بسبب صلاته المالية بمحطة لتوليد الكهرباء تعمل بالفحم بالقرب من غابات السندربان، أكبر غابة مانجروف في العالم، والتي تمثل موطنًا لملايين الأشخاص في بنجلاديش والهند.
وتقدم ثلاثة من سكان المنطقة بشكوى إلى مكتب السلوك المسؤول للأعمال التابع للحكومة البريطانية، متهمين البنك البريطاني بانتهاك إرشادات دولية، من خلال ضمان تمويل شركات مرتبطة بمشروع «مايتري» العملاق للطاقة الحرارية، المعروف أيضًا باسم محطة رامبال لتوليد الكهرباء.
وتقع محطة الطاقة التي تعمل بالفحم بالقرب من غابات السندربان، وهي أحد مواقع التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، وتتكون من أكثر من 100 جزيرة صغيرة منتشرة عبر دلتا نهرية، وتدعم مئات الأنواع من النباتات والحيوانات، من بينها النمر البنغالي.
وقال شريف جميل، الناشط البيئي المقيم في العاصمة البنجلاديشية دكا، وأحد مقدمي الشكوى، إن التلوث بالمعادن الثقيلة الناتج عن المحطة والتوسع الصناعي المحيط بها يتسرب إلى غابات السندربان عبر شبكة الأنهار والقنوات المترابطة.
وأضاف: «محطة رامبال تقع مباشرة على ضفاف نهر باسور، وهو شريان الحياة لغابات السندربان. صحة الغابة في خطر».
وكانت دراسة نُشرت في نوفمبر الماضي قد رصدت مستويات مرتفعة من الزئبق والزرنيخ في عينات مياه جُمعت من منطقة السندربان، وسجلت أعلى التركيزات في نهر باسور.
وحدد الباحثون التصريفات الصناعية والأنشطة المرتبطة بالموانئ ضمن مصادر التلوث بالمعادن الثقيلة، مشيرين إلى أن محطة رامبال لتوليد الكهرباء تمثل «تهديدًا بيئيًا كبيرًا» بسبب الانبعاثات الناتجة عن احتراق الفحم وزيادة حركة الملاحة.
ويعيش ملايين الأشخاص في منطقة السندربان، ويعتمد كثير منهم على الأنهار والغابات للحصول على الغذاء والموارد الأخرى.
ويزعم مقدمو الشكوى أن بنك «باركليز» لم يُجرِ عمليات العناية الواجبة الكافية بشأن المخاطر البيئية وحقوق الإنسان قبل تقديم الخدمات المالية إلى مؤسسات مرتبطة بالمشروع.
وبحسب عيادة الحقوق في كينجز كوليدج لندن، التي تساعد مقدمي الشكوى، فقد ضمن بنك «باركليز» ديونًا لصالح شركة NTPC Ltd الهندية المملوكة للدولة، المعروفة سابقًا باسم «المؤسسة الوطنية للطاقة الحرارية»، وهي إحدى الشركات الشريكة في المشروع.
وأضافت العيادة أن «باركليز» ضمن أيضًا إصدارات سندات لصالح بنك التصدير والاستيراد الهندي بين عامي 2016 و2019، وهو البنك الذي قدم قرضًا لتمويل مشروع رامبال.
ويرى مقدمو الشكوى أن الانبعاثات الناتجة عن المحطة ستسهم في زيادة الاحترار العالمي وارتفاع مستوى سطح البحر وتفاقم الظواهر الجوية المتطرفة في منطقة شديدة التعرض بالفعل لتداعيات أزمة المناخ.
وتؤدي غابات المانجروف دورًا طبيعيًا مهمًا في حماية المناطق الساحلية من الأعاصير وغيرها من الظواهر الجوية المتطرفة.
وكان مشروع محطة الطاقة قد واجه معارضة مستمرة منذ مراحل التخطيط والبناء، من بينها مخاوف أثارتها منظمة «اليونسكو» في تقرير صدر عام 2016، خلص إلى أن «تلوث الهواء والمياه من المرجح بدرجة كبيرة أن يتسبب في أضرار لا يمكن عكسها» لموقع التراث العالمي.
كما رفضت بعض المؤسسات المالية، ومن بينها بنوك فرنسية، دعم المشروع بسبب آثاره البيئية والاجتماعية المحتملة، وفقًا للشكوى.
وقال شريف جميل إن المكانة الدولية التي يتمتع بها بنك «باركليز» تفرض عليه مسؤولية النظر في تداعيات أنشطته التمويلية.
وأضاف: «كلما زادت سمعتك، زادت مسؤوليتك في التصرف بمسؤولية تجاه الكوكب وشعوبه. باركليز مؤسسة عالمية ذات سمعة، ولهذا السبب تقع على عاتقه أيضًا مسؤولية».
وتابع: «كانت بنوك ومؤسسات مالية أخرى تتخارج من هذا المشروع أو ترفض تمويله. وينبغي لباركليز والمؤسسات المالية الأخرى تغيير سياساتها ودراسة كيفية حماية الكوكب من كارثة المناخ من خلال عملياتها».
كما دعا جميل البنوك إلى توجيه مزيد من التمويل نحو الطاقة المتجددة بدلًا من الوقود الأحفوري المستورد.
وقال: «بنجلاديش تتمتع بأشعة الشمس طوال العام. فلماذا نتوسع في استخدام الوقود الأحفوري، بينما توجد إمكانات هائلة لإنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة؟».
ويشمل مقدمو الشكوى الآخرين أنيميش موندال، وهو مزارع وسياسي، ومنتدى «داكشينبانجا ماتسيجيبي»، وهو نقابة تمثل العاملين في مجال صيد الأسماك بولاية البنغال الغربية في الهند.
ويحظى مقدمو الشكوى بمساعدة طلاب ومحامين من عيادة كينجز لحقوق الإنسان والبيئة، التابعة لكلية الحقوق في كينجز كوليدج لندن.
وقالت سو ولمان، المحامية في العيادة: «المجتمعات الريفية في السندربان تقف في الخطوط الأمامية لأزمة المناخ والطبيعة. ونأمل في إقناع البنوك والمؤسسات المالية بإعادة التفكير قبل تمويل مشروعات النفط والفحم التي تسهم في تفاقم هذه الأزمة».
ومن المقرر أن يقوم مكتب السلوك المسؤول للأعمال، التابع لوزارة الأعمال والتجارة البريطانية، بتقييم الشكوى وتحديد ما إذا كان سيقبل النظر فيها.
ورفض بنك «باركليز» وشركة BIFPCL، وهي شركة «بنجلاديش-الهند للصداقة للطاقة» المالكة لمشروع «مايتري» للطاقة الحرارية العملاقة، التعليق على الشكوى.
