هل يصبح إنتاج الغذاء ممكنًا دون مزارع أو حيوانات؟ علماء يعيدون برمجة الميكروبات
هل تنتقل صناعة الغذاء من المزارع إلى المختبرات؟ ميكروبات مهندسة تنتج البروتينات والنكهات
قد لا يعتمد مستقبل صناعة الغذاء بالكامل على زراعة المحاصيل وتربية الحيوانات، إذ يعمل العلماء على إعادة برمجة الكائنات الحية الدقيقة لإنتاج مكونات غذائية متنوعة، من مركبات النكهة والألوان إلى البروتينات المستخدمة في بياض البيض والمنتجات الغذائية.
وتُعرف هذه التقنية باسم التخمير الدقيق (Precision Fermentation)، وهي تعتمد على تعديل الكائنات الدقيقة وراثيًا لتوجيه عملياتها الحيوية نحو إنتاج مادة محددة، بدلًا من الاكتفاء بالمنتجات التي تنتجها طبيعيًا.
وتشير مراجعة علمية حديثة إلى أن التقنية حققت تقدمًا في إنتاج مكونات غذائية مرتفعة القيمة، لكنها لا تزال تواجه تحديات اقتصادية وتنظيمية وتسويقية تحول دون استخدامها على نطاق واسع في إنتاج الأغذية الأساسية منخفضة التكلفة.
وقاد البحث يونغ-سو جين، أستاذ علوم الأغذية والتغذية البشرية بجامعة إلينوي في أوربانا شامبين بالولايات المتحدة، ونُشرت الدراسة في مجلة Current Opinion in Biotechnology.
مصانع مجهرية داخل خزانات التخمير
يختلف التخمير الدقيق عن التخمير التقليدي الذي يستفيد من الأنشطة الطبيعية للكائنات الدقيقة؛ فالخميرة، على سبيل المثال، تنتج الكحول، بينما تنتج بعض البكتيريا حمض اللاكتيك، وتسهم الفطريات في تكوين خصائص بعض أنواع الجبن.
أما التخمير الدقيق، فيعتمد على إعادة برمجة الكائن الحي الدقيق وراثيًا، بحيث يتحول أيضه الخلوي إلى إنتاج مركب محدد، قد يكون بروتينًا أو صبغة أو مادة مسؤولة عن النكهة، حتى لو لم يكن الكائن ينتجها بطبيعته.
وعلى الرغم من أن هذه التكنولوجيا موجودة منذ عقود في مجال التكنولوجيا الحيوية الصناعية، فإن تطبيقاتها الغذائية تتوسع بوتيرة متزايدة.
وتشير المراجعة إلى أن المنشورات البحثية المتعلقة بالتخمير الدقيق قاربت ثلاثة أمثالها خلال العام السابق، مع تصدر البروتينات فئات المنتجات الأكثر دراسة، واستخدام البكتيريا على نطاق واسع بوصفها كائنات إنتاج.
ولتوضيح فرص التقنية وحدودها، طرح الباحثون إطارًا أطلقوا عليه اسم «هرم مكونات التخمير الدقيق»، يصنف المنتجات إلى ثلاث فئات وفق حجم الإنتاج السنوي، وسعر الكيلوجرام، ونسبة المكون المستخدمة في المنتج النهائي.

مكونات مرتفعة القيمة.. السوق الأكثر جاهزية
تقع المكونات مرتفعة القيمة في قمة الهرم، وتشمل مواد تُنتج بكميات تتراوح بين 100 و10 آلاف طن سنويًا، ويزيد سعر الكيلوجرام منها على 50 دولارًا، بينما تتراوح نسبتها في المنتج النهائي بين 0.01% و1%.
ومن أمثلتها الفانيلين، وهو المركب المسؤول عن جانب أساسي من نكهة الفانيليا، والنوتكاتون، وهو مركب عطري يرتبط برائحة الجريب فروت، وبيتا كاروتين، المستخدم في التلوين الغذائي.
وتكمن ميزة هذه الفئة في أن الشركات تحتاج إلى كميات صغيرة نسبيًا من هذه المواد لتحقيق تأثير واضح في النكهة أو اللون.
وقد يتيح إنتاجها داخل خزانات التخمير تجاوز بعض صعوبات استخلاصها من المصادر الطبيعية، مثل ارتفاع التكلفة أو انخفاض كفاءة الاستخلاص.
وتعمل غالبية شركات الأغذية التي تستخدم التخمير الدقيق حاليًا ضمن هذه الفئة، لأن ارتفاع قيمة المكونات يساعد على تحمل تكاليف الإنتاج والتطوير مقارنة بالمكونات الغذائية الأساسية منخفضة السعر.
إنتاج بروتين بياض البيض دون الدجاج

تضم الفئة الوسطى المكونات الوظيفية، التي يتراوح سعر الكيلوجرام منها بين 5 و50 دولارًا، وتُستخدم بنسب تتراوح بين 0.1% و5% في المنتجات الغذائية.
ومن أبرز الأمثلة بروتين الأوفالبومين، وهو البروتين الرئيسي في بياض البيض، والمسؤول عن خصائص مهمة في الطهي والتصنيع الغذائي، منها تكوين الرغوة والمساعدة على ارتفاع بعض المخبوزات ومنحها قوامها المميز.
ورغم إمكانية استبدال هذا البروتين بمكونات نباتية، فإن البدائل لا تحقق دائمًا الخصائص الوظيفية نفسها. ويتيح التخمير الدقيق إنتاج نسخة مطابقة للبروتين الطبيعي من خلال كائنات دقيقة معدلة وراثيًا.
وقد أظهرت تجارب معملية قدرة أنواع مختلفة من الكائنات الدقيقة على إنتاج الأوفالبومين، لكن النجاح في المختبر لا يعني أن إنتاجه أصبح اقتصاديًا على نطاق صناعي؛ فما زالت هناك حاجة إلى تحليلات اقتصادية وتقنية أكثر تفصيلًا لتحديد تكلفة التصنيع، ومدى القدرة على منافسة إمدادات البيض التقليدية عند زيادة الإنتاج.
وبالتالي، يتمثل التحدي في الانتقال من إثبات إمكانية إنتاج البروتين إلى تصنيعه بكميات كبيرة وبسعر يسمح باستخدامه في الأسواق الغذائية.
هل تصل التكنولوجيا إلى الغذاء منخفض التكلفة؟
في قاعدة الهرم تقع المكونات السلعية، وهي المواد التي تُستخدم بكميات كبيرة في الغذاء، ويزيد إنتاجها السنوي على 100 ألف طن، بينما يقل سعر الكيلوجرام منها عن 5 دولارات. وقد تشكل هذه المواد ما بين 5% و100% من وزن المنتج الغذائي.
وتشمل أمثلتها اللحوم والقمح والزيوت النباتية. ووفقًا للمراجعة، لا تستطيع تقنيات التخمير الدقيق حاليًا منافسة هذه المكونات على نطاق واسع من حيث التكلفة.
لكن الباحثين يرون أن البروتين أحادي الخلية قد يمثل مسارًا للانتقال نحو إنتاج كميات أكبر من البروتينات منخفضة التكلفة.
ويُنتج هذا البروتين من الكتلة الحيوية للكائنات الدقيقة التي تنمو داخل خزانات التخمير، بدلًا من استخلاص البروتين من الحيوانات أو المحاصيل الزراعية.
ومن أمثلته البروتين الفطري المستخدم في منتجات «كورن» (Quorn)، الذي تبلغ تكلفة إنتاجه التقديرية نحو 3.55 دولار للكيلوجرام، وفق الأرقام التي أوردتها الدراسة.
وفي المقابل، ذكرت المراجعة تكلفة تقديرية للحوم البقر تبلغ 6.56 دولار للكيلوجرام، مع التنبيه إلى أن الرقمين لا يعكسان بالضرورة تكاليف قابلة للمقارنة المباشرة، لاختلاف طرق الإنتاج والافتراضات المستخدمة في حسابها.
وتوضح هذه المقارنة أن بعض المنتجات الميكروبية قد تقترب من المنافسة الاقتصادية في ظروف معينة، لكنها لا تثبت أن جميع المكونات المنتجة بالتخمير الدقيق أصبحت أرخص من نظيراتها التقليدية.

من إثبات الفكرة إلى منتج قابل للتسويق
تستعير المراجعة مفهوم «الحد الأدنى من المنتج القابل للتطبيق» من عالم الشركات الناشئة، وتطبقه على تطوير المكونات الغذائية بالتخمير الدقيق.
ووفق هذا التصور، ينبغي أن يقدم المكون الغذائي قيمة واضحة لفئة محددة من المستهلكين، وأن يكون من الممكن إنتاجه بأمان وبتكلفة اقتصادية باستخدام كائن دقيق معدل وراثيًا.
لكن المسافة بين نجاح تجربة معملية ووصول المنتج إلى الأسواق لا تزال تمثل عقبة رئيسية أمام عدد من المشروعات.
وتشمل هذه المرحلة تطوير خطوط إنتاج قابلة للتوسع، وإثبات السلامة، والحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة، إلى جانب كسب ثقة المستهلكين.
ويؤكد ذلك أن النجاح العلمي وحده لا يكفي لتطوير صناعة غذائية جديدة؛ بل يتطلب الأمر دمج البحث العلمي مع دراسات الجدوى الاقتصادية وفهم احتياجات السوق منذ المراحل الأولى للتطوير.
وقال جين إن العلماء يركزون عادة على التكنولوجيا الأساسية، بينما ينتظر المستهلكون منتجات ناضجة وجاهزة للاستخدام.
وأضاف أن إشراك المستهلكين مبكرًا يساعد على زيادة تقبل المنتجات، بالتوازي مع إجراء تحليلات تقنية واقتصادية لتقييم جدواها التجارية.
اختلاف القواعد التنظيمية بين الولايات المتحدة وأوروبا
تختلف متطلبات طرح الأغذية المنتجة بالتخمير الدقيق باختلاف الأسواق.
في الولايات المتحدة، يمكن للشركات تحديد أن أحد المكونات يندرج ضمن فئة المواد المعترف بها عمومًا بأنها آمنة، المعروفة اختصارًا باسم GRAS، وفق المتطلبات المعمول بها. ويمكنها تقديم استنتاجاتها المتعلقة بالسلامة طوعًا إلى إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لمراجعتها.
أما في الاتحاد الأوروبي، فتتطلب المكونات التي لم يثبت وجود تاريخ لاستهلاكها البشري بدرجة كبيرة قبل 15 مايو 1997، عمومًا، الحصول على تصريح للأغذية الجديدة.
وتتولى الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية تقييم السلامة، بينما تتخذ المفوضية الأوروبية قرارات الترخيص.
ويعني اختلاف هذه الأطر أن المدة اللازمة لوصول المنتج إلى المستهلك قد تتباين بين الأسواق، حتى عندما يتعلق الأمر بالمكون نفسه.

سنغافورة تختبر دور التخمير الدقيق في الأمن الغذائي
تبرز أهمية التكنولوجيا بصورة خاصة في الدول محدودة الأراضي الزراعية. وتُعد سنغافورة مثالًا واضحًا، إذ تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها الغذائية.
وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يوفر إنتاج بعض المكونات الغذائية محليًا داخل خزانات التخمير خيارًا إضافيًا لتعزيز الأمن الغذائي، بدلًا من الاعتماد الكامل على الأراضي الزراعية أو الواردات.
لكن الباحثين يشيرون إلى أن معظم المنتجات الحالية تتركز في فئة المكونات مرتفعة القيمة، التي تمثل سوقًا محدودة مقارنة بسوق الغذاء الأساسي.
ويطمح جين إلى توسيع نطاق التكنولوجيا ليشمل الفئات الثلاث في الهرم، بما فيها المكونات السلعية، خلال السنوات العشر إلى العشرين المقبلة، بهدف تحقيق أثر بيئي أكبر.
ومع ذلك، فإن الوصول إلى إنتاج البروتينات والمكونات الغذائية الأساسية بكميات ضخمة وأسعار تنافسية لا يزال هدفًا مستقبليًا، وليس واقعًا صناعيًا متحققًا حتى الآن.
وتخلص المراجعة إلى أن التخمير الدقيق يمتلك فرصًا واعدة لتغيير طريقة إنتاج بعض مكونات الغذاء، لكن اتساع أثره سيعتمد على القدرة على خفض التكاليف، وتوسيع الإنتاج، واستيفاء متطلبات السلامة والتنظيم، وتطوير منتجات تستجيب لاحتياجات المستهلكين.
وقد تكون الخطوة الحاسمة التالية هي الانتقال من تصنيع مكونات مرتفعة القيمة بكميات محدودة إلى إنتاج مكونات غذائية واسعة الاستخدام بأسعار تنافسية.





