
في نموذج يعكس قدرة البحث العلمي على تحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية واعدة، نجح فريق من طلاب قسم التكنولوجيا الحيوية الزراعية بكلية الزراعة بجامعة دمياط في تنفيذ مشروع تخرج مبتكر يجمع بين الاستدامة البيئية والتطبيقات الصحية والاقتصاد الحيوي، وذلك من خلال إنتاج إنزيم حيوي عالي القيمة باستخدام أحد أهم المخلفات الناتجة عن صناعة الألبان.
ويأتي المشروع متوافقًا مع مستهدفات رؤية مصر 2030 التي تركز على دعم الابتكار والاقتصاد الأخضر وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية وتحويل المخلفات إلى منتجات ذات قيمة مضافة، بما يسهم في تعزيز التنمية المستدامة وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية.
وحمل المشروع عنوان: «From Waste to Enzyme: Enhanced β-Galactosidase Production by an EMS-Induced Mutant of Bacillus subtilis KL88 Using Cheese Whey»، حيث استهدف الاستفادة من شرش الجبن (Cheese Whey)، أحد أكثر المخلفات شيوعًا في صناعة الألبان والأجبان، وتحويله من عبء بيئي إلى مادة خام تدخل في إنتاج إنزيم اللاكتيز الضروري لملايين الأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز.
وتُعد محافظة دمياط من المحافظات الرائدة في صناعة الألبان والأجبان، وهو ما ينتج عنه كميات كبيرة من شرش الجبن الذي غالبًا ما يمثل تحديًا بيئيًا عند التخلص منه بطرق غير مستدامة، نظرًا لاحتوائه على نسب مرتفعة من المواد العضوية التي قد تسهم في تلوث المياه والتربة.
ومن هنا جاءت فكرة المشروع لاستثمار هذا المورد المهدر وتحويله إلى منتج حيوي ذي قيمة اقتصادية وصحية.
واعتمد الفريق البحثي على استخدام بكتيريا Bacillus subtilis KL88 لتنمية وإنتاج إنزيم β-Galactosidase المعروف تجاريًا باسم إنزيم اللاكتيز، وهو الإنزيم المسؤول عن تكسير سكر اللاكتوز الموجود في الحليب ومنتجات الألبان إلى سكريات أبسط يسهل هضمها وامتصاصها داخل الجهاز الهضمي.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في ظل الانتشار الواسع لمشكلة عدم تحمل اللاكتوز، وهي حالة تنتج عن انخفاض أو غياب إنتاج إنزيم اللاكتيز الطبيعي في الأمعاء، ما يؤدي إلى صعوبات هضمية وأعراض مزعجة مثل الانتفاخ وآلام البطن واضطرابات الجهاز الهضمي عقب تناول منتجات الألبان.
ويُعد توفير مصادر فعالة ومنخفضة التكلفة لهذا الإنزيم أحد الحلول المهمة لتحسين جودة الحياة لدى المصابين بهذه الحالة.
أفضل معدلات إنتاج ممكنة
ولتحقيق أعلى كفاءة إنتاجية، طبق الفريق تقنيات متقدمة في مجال التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية الميكروبية، حيث تم إحداث طفرة كيميائية باستخدام مادة Ethyl Methanesulfonate (EMS) بهدف تطوير سلالة بكتيرية محسنة تمتلك قدرة أكبر على إنتاج الإنزيم مقارنة بالسلالة الأصلية.
كما أجرى الطلاب سلسلة من الدراسات المعملية لتحسين ظروف التخمير المختلفة، بما يشمل تركيزات المغذيات ودرجات الحرارة وفترات التحضين، للوصول إلى أفضل معدلات إنتاج ممكنة مع تقليل التكلفة الاقتصادية.
ولم يتوقف المشروع عند الجانب البحثي فقط، بل امتد إلى التفكير في التطبيق العملي والتسويق المستقبلي للمنتج، حيث قدم الفريق تصورًا لمنتج يحمل اسم «Lactura»، يعتمد على إنزيم اللاكتيز المنتج حيويًا، ويهدف إلى مساعدة الأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز على الاستفادة من منتجات الألبان دون التعرض للمشكلات الهضمية المصاحبة.
دعم الصناعات الحيوية والغذائية
ويعكس هذا التوجه رؤية متكاملة لربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع والسوق، وتحويل نتائج المشروعات الطلابية إلى أفكار قابلة للتطوير والاستثمار مستقبلاً، بما يسهم في دعم الصناعات الحيوية والغذائية ويعزز من فرص الاقتصاد القائم على المعرفة.
ويتميز المشروع بقدرته على تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية في وقت واحد، تتمثل في الحد من التأثيرات البيئية لمخلفات صناعة الألبان، وتقديم حل حيوي مبتكر لمشكلة صحية تؤثر في ملايين الأشخاص، والاستفادة من التقنيات الحيوية الحديثة في إنتاج منتجات ذات قيمة مضافة عالية.
كما يبرز المشروع أهمية التكامل بين الجامعات والقطاعات الإنتاجية المختلفة، خاصة في المحافظات ذات الطابع الصناعي والغذائي مثل محافظة دمياط، التي تمتلك بنية قوية في مجال تصنيع الألبان ومنتجاتها، ما يجعلها بيئة مثالية لتطبيق مثل هذه المشروعات وتحويلها إلى نماذج إنتاجية حقيقية تدعم الاقتصاد المحلي.
دعم الابتكار
ويؤكد هذا الإنجاز الدور المتنامي الذي تلعبه الجامعات المصرية في دعم الابتكار وإعداد كوادر قادرة على تقديم حلول علمية للتحديات البيئية والصحية والاقتصادية، من خلال مشروعات بحثية تطبيقية تواكب التوجهات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة.
وقد نُفذ المشروع تحت إشراف د.محمد سعد إبراهيم حمادة، أستاذ الوراثة بقسم التكنولوجيا الحيوية الزراعية بكلية الزراعة جامعة دمياط، ود.منال محمد السيد زعتر، مدرس الوراثة بالقسم ذاته.
وضم فريق العمل الطلاب: سارة أسامة بسيوني، ريم السعيد بصلة، خلود وليد البيلي، محمد ناجي التابعي، محمد محمد السعيد جلال، محمود مجدي محمد بدوي، عمر محمد عوض حجاج، ومحمود مجدي فتحي جادو، الذين قدموا نموذجًا مشرفًا لقدرة الشباب المصري على توظيف العلم والابتكار في خدمة المجتمع وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
