لا يعني عودة الكائنات الحية إلى الأنهار والجداول المائية بعد مشروعات إعادة التأهيل أن هذه النظم البيئية استعادت وظائفها الطبيعية بالكامل؛ إذ كشفت دراسة عالمية أن تحسن التنوع الحيوي لا يصاحبه بالضرورة تعافٍ مماثل في العمليات التي تحافظ على صحة المياه، مثل نمو الطحالب والنباتات المائية وتحلل المواد العضوية وإزالة مركبات النيتروجين من المياه.
وحلّل الباحثون بيانات 281 مجرى مائيًا أو قطاعًا من المجاري المائية في قارات مختلفة، ووجدوا أن معظم العمليات البيئية التي درسوها لم تُظهر اختلافات واضحة بين المجاري التي خضعت لإعادة التأهيل وتلك المتضررة التي لم تُعالج.
وتسلط النتائج الضوء على تحدٍ أساسي أمام مشروعات استعادة الأنهار، خصوصًا في أوروبا، حيث تستهدف السياسات البيئية استعادة الوظائف الطبيعية للنظم النهرية، وليس مجرد تحسين شكل المجرى أو زيادة عدد الأنواع التي تعيش فيه.
وأُجريت الدراسة بقيادة أولريكه هازه، الباحثة بمرحلة الدكتوراه في جامعة دريسدن التقنية بألمانيا، فيما نسّق عالم بيئة الأنهار ماريو براونز العمل من مركز هلمهولتز للأبحاث البيئية، بمشاركة علماء من 13 مؤسسة بحثية.
ونُشرت النتائج في دورية Global Change Biology.
وقالت هازه إن إعادة التأهيل الهيدرومورفولوجي، التي تستهدف تحسين شكل المجرى المائي وتدفق المياه، يمكن أن تحسن البنية البيولوجية للنهر، لكن وظائف النظام البيئي لا تتعافى تلقائيًا نتيجة هذه التدخلات.
وأضافت أن تحسن بنية المجرى أو تعافي الكائنات الحية لا يُعد دليلًا كافيًا على استعادة الوظائف البيئية.
تدهور الأنهار يضعف قدرتها على تنقية المياه
تعرضت أنهار وجداول كثيرة في أوروبا لتعديلات واسعة، شملت استقامة المجاري المائية، وبناء السدود والحواجز، وتدعيم الضفاف والقاع بمواد صلبة، وهي تدخلات غيّرت التدفق الطبيعي للمياه والموائل التي تعتمد عليها الكائنات الحية.
وفي ألمانيا، لا تحصل سوى نسبة تقل عن 10% من الأنهار والجداول على تصنيف جيد على الأقل من حيث الصحة البيئية، وفقًا للوكالة الاتحادية الألمانية للبيئة. ويعتمد هذا التقييم بدرجة كبيرة على الأنواع الموجودة في المياه.
ولا يقتصر أثر التعديلات والتلوث على تقليص التنوع الحيوي؛ إذ يمكن أن يضعف أيضًا قدرة الأنهار الطبيعية على معالجة بعض الملوثات والتخلص منها عبر العمليات البيولوجية والكيميائية.
وتسعى مشروعات إعادة التأهيل إلى معالجة هذه الأضرار من خلال إعادة تشكيل المجاري المائية، وإزالة السدود والحواجز، وإعادة ربط الأنهار بالسهول الفيضية، واستعادة الغطاء النباتي على الضفاف، وإضافة قطع كبيرة من الأخشاب إلى المياه لتوفير موائل للكائنات الحية وتحسين بنية المجرى.
لكن الدراسة تشير إلى أن تنفيذ هذه الإجراءات لا يضمن وحده استعادة جميع الوظائف التي يؤديها النهر في حالته الطبيعية.
كيف قاس العلماء تعافي الأنهار؟
قيّم الباحثون صحة المجاري المائية من خلال تسع عمليات بيئية، تشمل وظائف أساسية تساعد على استمرار عمل النظام البيئي.
ومن بين هذه العمليات الإنتاج الأولي الإجمالي، وهو مقياس لمعدل إنتاج الطحالب والنباتات المائية للمادة العضوية باستخدام ضوء الشمس، إلى جانب تحلل الأوراق المتساقطة والمواد العضوية الميتة الأخرى.
كما درس الفريق عملية نزع النتروجين، التي تحدث بفعل الكائنات الدقيقة في قاع المجرى المائي، حيث تحول النترات، وهي أحد أشكال النيتروجين الشائعة في المياه المتأثرة بالتلوث، إلى غازات نيتروجينية.
وتساعد هذه العملية على إزالة النترات من المياه، وهو أمر مهم لأن زيادة المغذيات قد تسهم في نمو الطحالب بصورة مفرطة، وتؤدي إلى اختلال التوازن البيئي.
ولإجراء التحليل، راجع الباحثون أكثر من 5900 منشور علمي، واختاروا منها 66 دراسة تضمنت قياسات للعمليات البيئية في المجاري المائية التي خضعت لإعادة التأهيل.
وشملت المواقع التي جُمعت منها البيانات أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأوروبا وآسيا وأوقيانوسيا، وتراوحت ارتفاعاتها بين نحو 16 مترًا و2974 مترًا فوق مستوى سطح البحر.
وقارن الباحثون النتائج بين ثلاثة أنواع من المواقع: مجارٍ متضررة لم تخضع لإعادة التأهيل، ومجارٍ أعيد تأهيلها، ومواقع شبه طبيعية استُخدمت مرجعًا لتحديد خصائص الحالة البيئية الأفضل.
عملية بيئية واحدة أظهرت اختلافًا واضحًا
من بين العمليات التسع التي تناولتها الدراسة، كانت عملية نزع النتروجين الوحيدة التي أظهرت اختلافًا واضحًا بين المواقع المستعادة والمواقع المتضررة؛ إذ سجلت المواقع التي خضعت لإعادة التأهيل معدلات أقل لهذه العملية.
لكن الباحثين حذروا من تفسير هذا الانخفاض باعتباره دليلًا مباشرًا على تدهور الوظيفة البيئية.
وأوضح براونز، أن انخفاض معدلات نزع النتروجين قد يعكس أيضًا تراجع إثراء المياه بالمغذيات، أو زيادة مستويات الأكسجين، أو انخفاض تراكم المواد العضوية مثل الأوراق الميتة.
وتجعل هذه الاحتمالات تفسير النتائج أكثر تعقيدًا، خصوصًا أن المقارنة بين المواقع المتضررة والمواقع شبه الطبيعية لم تكشف اختلافًا واضحًا في هذه العملية.
أما العمليات الثماني الأخرى، فلم تظهر فروق واضحة بين المجاري المستعادة والمجاري المتضررة التي لم تخضع لإعادة التأهيل.
كما لم يتمكن الباحثون من تحديد أثر واضح لنوع التدخل المستخدم في استعادة الأنهار؛ إذ أشاروا إلى أن تصنيف أساليب إعادة التأهيل ضمن أربع مجموعات عامة ربما لم يكن دقيقًا بما يكفي لإظهار الاختلافات بين طرق المعالجة المختلفة.
وقال براونز إن النتائج توضح أن إجراءات إعادة التأهيل الشائعة حتى الآن لا تكفي عادةً، بمفردها، لضمان تعافٍ يمكن قياسه للوظائف البيئية التي تناولتها الدراسة.
زيادة نمو الطحالب لا تعني بالضرورة تحسن صحة النهر
كشفت الدراسة أيضًا أن زيادة نمو الطحالب والنباتات المائية ليست دائمًا مؤشرًا إيجابيًا على صحة النظام البيئي.
فقد سجلت المواقع المتضررة معدلات نمو أعلى من المواقع شبه الطبيعية، وهو ما قد يبدو ظاهريًا علامة على زيادة الإنتاجية، لكنه قد يعكس في الواقع وفرة المغذيات الناتجة عن التلوث.
ويمكن أن يؤدي وصول كميات زائدة من النيتروجين والفوسفور إلى المياه إلى تحفيز نمو الطحالب، حتى في النظم البيئية المتدهورة.
وسجلت المواقع المستعادة بدورها نموًا أعلى مقارنة بالمواقع شبه الطبيعية، لكن الفارق لم يكن واضحًا بما يكفي للوصول إلى استنتاج حاسم.
كما أظهرت النتائج أن المواقع المستعادة أزالت النترات من المياه بمعدلات أبطأ من المواقع شبه الطبيعية. وفي المواقع التي مضى وقت أطول على إعادة تأهيلها، انخفض نمو الطحالب ومعدل نزع النتروجين مقارنة بالمواقع المتضررة.
ومع ذلك، لم يجد الباحثون دليلًا واضحًا على أن الفجوات بين المواقع المستعادة والمواقع شبه الطبيعية تقلصت مع مرور الوقت على تنفيذ مشروعات إعادة التأهيل.
وشدد براونز على أن تقييم تعافي أي وظيفة بيئية يتطلب معرفة مستواها في ظروف مرجعية مناسبة، حتى يمكن تحديد ما إذا كانت التغيرات المسجلة تعكس استعادة حقيقية للنظام البيئي.
عودة الأنواع لا تكفي للحكم على نجاح الاستعادة
تابعت بعض الدراسات التي شملها التحليل كلاً من العمليات البيئية ومجتمعات الكائنات الحية، بما في ذلك عدد الأنواع وأعداد الكائنات الموجودة في المواقع المدروسة.
وفي هذه الدراسات، تحسنت المجتمعات الحية عمومًا في المواقع التي خضعت لإعادة التأهيل مقارنة بالمواقع المتضررة، بينما لم تُظهر الوظائف البيئية تعافيًا بالدرجة نفسها من الاتساق.
لكن الباحثين أكدوا أن الأدلة لا تزال محدودة؛ إذ استندت المقارنات بين المجتمعات الحية والعمليات البيئية إلى ما بين ثلاث وثماني دراسات فقط لكل عملية، وهو عدد لا يسمح بتعميم النتيجة على جميع الأنهار.
وتوضح النتائج، مع ذلك، أن زيادة أعداد أنواع المياه العذبة أو عودة بعض الكائنات إلى المجرى المائي لا تكفي وحدها لإثبات استعادة وظائفه الطبيعية.
ويعني ذلك أن تقييم مشروعات إعادة التأهيل ينبغي ألا يقتصر على مؤشرات التنوع الحيوي أو التغيرات الشكلية في المجرى، بل يجب أن يشمل أيضًا قياس العمليات التي تحدد قدرة النهر على تدوير المغذيات وتحليل المواد العضوية والمساهمة في الحفاظ على جودة المياه.
نقص المعايير يعرقل تقييم مشروعات استعادة الأنهار
تكتسب هذه النتائج أهمية في ضوء أهداف الاتحاد الأوروبي لاستعادة الطبيعة، بما في ذلك لائحة استعادة الطبيعة واستراتيجية التنوع البيولوجي لعام 2030، اللتان تدعوان إلى استعادة الوظائف الطبيعية للأنهار والنظم البيئية.
كما يتضمن إطار كونمينج–مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي هدفًا لاستعادة وظائف النظم البيئية.
لكن قياس هذه الوظائف لا يزال يواجه تحديات علمية وعملية؛ فمؤشرات مثل الإنتاج الأولي الإجمالي ومعدل امتصاص المغذيات أو إزالتها من المياه تتطلب قياسات قد تكون مكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا.
وعلى خلاف بعض مؤشرات التنوع الحيوي، لا تتوافر حتى الآن طرق قياس موحدة وقيم مرجعية متفق عليها على نطاق واسع لتقييم كثير من الوظائف البيئية في الأنهار.
وتزداد الصعوبة لأن المعدلات الطبيعية لهذه العمليات تختلف باختلاف المناطق وأنواع المجاري المائية، ما يجعل وضع قيمة واحدة تصلح معيارًا لجميع الأنهار أمرًا غير واقعي.
ويرى براونز، أن الأولوية تتمثل في تطوير مؤشرات وظيفية موحدة وقابلة للاستخدام العملي، وإدراجها في عمليات الرصد والتقييم المستقبلية لمشروعات إعادة التأهيل.
وحتى تتوافر هذه المعايير، قد يتمكن الباحثون من قياس سرعة إزالة النهر للنترات، لكنهم لن يستطيعوا تحديد ما إذا كانت هذه السرعة تعني تعافي النظام البيئي بصورة موثوقة من دون مقارنتها بقيم مرجعية مناسبة.
الحاجة إلى متابعة الأنهار قبل إعادة تأهيلها وبعدها
دعا الباحثون إلى إجراء دراسات تتبع حالة المجاري المائية قبل تنفيذ مشروعات إعادة التأهيل وبعدها، مع مراقبة مواقع متضررة لم تخضع للتدخل ومواقع شبه طبيعية للمقارنة.
ومن شأن هذا النهج أن يساعد على التمييز بين التغيرات الناتجة عن مشروعات الاستعادة والتغيرات الطبيعية التي قد تحدث بسبب اختلاف الطقس أو تدفق المياه أو الظروف البيئية الأخرى.
وتشير الدراسة إلى أن استعادة الأنهار لا ينبغي أن تُقاس فقط بعودة الكائنات الحية أو تحسن شكل المجرى؛ بل يتطلب تقييم نجاحها فهمًا أوسع للعمليات التي تجعل النهر نظامًا بيئيًا قادرًا على أداء وظائفه الطبيعية.
