بطاريات أقل تكلفة ومدى قيادة أطول؟ استراتيجية جديدة لتحسين مواد أقطاب البطاريات

التحكم في فقدان الأكسجين يحافظ على 98.4% من أداء مادة بطارية بعد أكثر من 200 دورة

فقدان الأكسجين قد يطيل عمر بطاريات السيارات الكهربائية.. دراسة تكشف الآلية

كشف باحثون في كوريا الجنوبية عن آلية جديدة لفهم تدهور مواد أقطاب بطاريات السيارات الكهربائية، موضحين أن فقدان الأكسجين، الذي يُعد عادةً أحد مؤشرات تراجع الأداء، يمكن أن يسهم في زيادة السعة القابلة للاستخدام عند التحكم في التغيرات البنيوية الناتجة عنه.

وحدد فريق بحثي بقيادة البروفيسور جيهيون هونغ، من قسم هندسة البطاريات بجامعة بوهانج للعلوم والتكنولوجيا (POSTECH)، بالتعاون مع فريق يقوده البروفيسور كيو يونج بارك، أسباب التغيرات البنيوية في مواد الكاثود الغنية بالليثيوم والمنغنيز، وهي من المواد المرشحة لتطوير جيل جديد من بطاريات السيارات الكهربائية.

واقترح الباحثون استراتيجية تستهدف تحويل إحدى نقاط الضعف المعروفة لهذه المواد إلى فرصة محتملة لتحسين الأداء، من خلال التحكم في فقدان الأكسجين ومدى اضطراب البنية الداخلية للكاثود.

ونُشرت الدراسة في دورية Energy & Environmental Science.

استراتيجية جديدة لتحسين مواد أقطاب البطاريات

مواد أقل تكلفة وسعة تخزين أعلى

تبحث صناعة السيارات الكهربائية عن مواد بطاريات تجمع بين انخفاض التكلفة والقدرة على منافسة بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP)، التي تُصنّع بكميات كبيرة في الصين وتتميز بانخفاض تكلفتها.

وتُعد الأكاسيد الطبقية الغنية بالليثيوم والمنجنيز (LMRO) من أبرز المواد المرشحة لهذا الغرض؛ إذ تعتمد بدرجة أقل على النيكل والكوبالت الأعلى تكلفة، ويمكنها تخزين طاقة تزيد بنحو 20% على ما تخزنه مواد الكاثود التقليدية القائمة على النيكل، وفقًا للدراسة.

وتجعل هذه الخصائص منها خيارًا واعدًا لتطوير بطاريات أقل تكلفة، مع إمكانية توفير مدى قيادة أطول للسيارات الكهربائية.

لكن هذه المواد تواجه مشكلة أساسية؛ إذ تتراجع سعتها تدريجيًا مع تكرار دورات الشحن والتفريغ، بالتزامن مع انخفاض جهد التشغيل.

ولم تتوصل الدراسات السابقة إلى تفسير موحد للآلية الأساسية المسؤولة عن هذه التغيرات، إذ رصدت أشكالًا مختلفة للبنية النهائية للكاثود.

كيف يؤدي فقدان الأكسجين إلى اضطراب البنية الداخلية؟

درس فريق جامعة POSTECH تطور البنية الداخلية للكاثود على مدار مئات دورات الشحن والتفريغ.

في البداية، تنتظم ذرات الليثيوم والمعادن الانتقالية في طبقات منفصلة ومرتبة، بما يشبه جدارًا من الطوب مرصوصًا بعناية، لكن مع استمرار الشحن، تتسرب تدريجيًا بعض ذرات الأكسجين التي تساعد على تثبيت هذه البنية.

ومع فقدان الأكسجين، تبدأ ذرات الليثيوم والمعادن الانتقالية في الانتقال بين طبقاتها الأصلية والاختلاط بعضها ببعض.

ومع تقدم هذه العملية، تتحول البنية الطبقية المنتظمة إلى بنية تُعرف باسم البنية الصخرية الملحية غير المنتظمة (Disordered Rocksalt Structure)، حيث تفقد الأيونات الموجبة ترتيبها طويل المدى الذي كان يميز البنية الأصلية.

ووجد الباحثون أن كمية الأكسجين المفقودة تمثل عاملًا أساسيًا في تحديد مدى اضطراب البنية الداخلية للمادة.

كما أظهروا أن فقدان الأكسجين يمكن التحكم فيه من خلال عمق الشحن، أي مستوى جهد الشحن الذي تصل إليه البطارية.

فكلما ارتفع جهد الشحن، زاد فقدان الأكسجين، وتراكمت الشواغر الناتجة عنه داخل المادة، ما دفع إلى إعادة ترتيب بنيتها البلورية.

وتُعرف هذه المواقع التي يغيب عنها الأكسجين باسم «شواغر الأكسجين»، وهي تؤدي دورًا في التغيرات البنيوية التي تحدث داخل الكاثود أثناء دورات التشغيل.

استراتيجية جديدة لتحسين مواد أقطاب البطاريات

عندما يتحول اضطراب البنية إلى ميزة

كانت النتيجة الأبرز أن فقدان الأكسجين، رغم ارتباطه عادةً بتدهور البطارية، قد يفتح مسارات إضافية لحركة أيونات الليثيوم عندما تصبح البنية الداخلية للكاثود أقل انتظامًا وتتحول إلى طور بنيوي جديد.

ويمكن لهذه المسارات الإضافية أن تسهم في زيادة السعة القابلة للاستخدام، ما يشير إلى أن التغيرات البنيوية لا تؤدي بالضرورة إلى نتائج سلبية في جميع الظروف، بل يعتمد تأثيرها على طبيعة التغيرات ومدى التحكم فيها.

وأوضح الباحثون أنهم تمكنوا من ضبط درجة فقدان الأكسجين والتطور البنيوي الناتج عنه، وأظهرت المادة احتفاظًا بنسبة 98.4% من أدائها الأولي بعد أكثر من 200 دورة شحن وتفريغ، وهو ما يشير إلى متانة واعدة في ظروف الاختبار التي تناولتها الدراسة.

ولا يعني ذلك أن أداء البطارية يتحسن تلقائيًا مع تقادمها، أو أن فقدان الأكسجين مفيد في جميع الحالات؛ فالنتائج تسلط الضوء على أهمية التحكم في هذه العملية بدلًا من التعامل مع جميع أشكال الاضطراب البنيوي باعتبارها ظاهرة ينبغي منعها بالكامل.

استراتيجية جديدة لتحسين مواد أقطاب البطاريات

التحكم في التدهور لتطوير بطاريات الجيل المقبل

اعتُبر اضطراب البنية الداخلية لمواد البطاريات تقليديًا أحد مظاهر التقادم غير المرغوب فيها، لكن الدراسة توضح أن التحكم الدقيق في هذا التطور قد يتيح استخدامه أداةً لتصميم مواد ذات أداء أفضل.

وقال هونغ إن النتائج تشير، من منظور صناعي، إلى إمكانية تأخير تدهور البطاريات وإطالة عمرها من خلال التحكم في عوامل تشغيلية، مثل درجة الحرارة وبيئة سطح المادة.

وأضاف أن تنظيم فقدان الأكسجين، ومن ثم تعزيز الاضطراب البنيوي أو الحد منه بحسب الحاجة، قد يتيح تصميم بطاريات للسيارات الكهربائية تتناسب خصائصها مع تطبيقات مختلفة.

من جانبه، قال البروفيسور كيو يونغ بارك، المشارك في المراسلة العلمية للدراسة، إن الجمع بين التوصيف الدقيق للمواد وعلوم المواد الحاسوبية أتاح للفريق معالجة مشكلة ظلت دون تفسير حاسم لما يقرب من عقدين.

استراتيجية جديدة لتحسين مواد أقطاب البطاريات

وأشار إلى أن بيئة البحث التعاونية داخل قسم هندسة البطاريات بجامعة POSTECH، التي تشجع التواصل والعمل المشترك بين الباحثين ضمن برنامج الدراسات العليا المتخصص، أسهمت بدور مهم في إنجاز الدراسة.

وتفتح النتائج مسارًا بحثيًا لتطوير مواد كاثود يمكن ضبط بنيتها الداخلية وخصائصها التشغيلية بصورة أكثر دقة، مع بقاء الحاجة إلى مزيد من الاختبارات لتقييم مدى ترجمة هذه النتائج إلى بطاريات عملية طويلة العمر وذات تكلفة تنافسية.

↑
Exit mobile version