أخبارالمدن الذكيةالاقتصاد الأخضر

خمس دروس حاسمة من تجارب الشركات الكبرى في إزالة الكربون

لماذا لم تعد الاستدامة رفاهية؟ دروس من تحولات كبرى في عالم الشركات

على مدار السنوات الخمس الماضية، شهد خطاب الاستدامة تغيرًا بطيئًا لكنه ثابت؛ إذ لم يعد يُنظر إلى الاستدامة باعتبارها بندًا تنظيميًا أو التزامًا أخلاقيًا، بل أصبحت محركًا استراتيجيًا لنمو الأعمال.

تزايدت قناعة الشركات بأن إزالة الكربون ضرورة تجارية، رغم كونها عملية معقدة وطويلة تتطلب تنسيقًا بين عدة إدارات.

ومن خلال عملي مع شركات عالمية كبرى مثل Reckitt، وSymrise، وGeneral Mills في قطاعات مختلفة، شاهدتُ عن قرب كيف تتحول الطموحات المناخية إلى أفعال ملموسة… أو لا تتحول أبدًا.

فيما يلي خمس دروس مستخلصة من التحولات الاستراتيجية التي قدتها مع هذه الشركات، لعلها تفيد من يخوضون مسارًا مشابهًا:

الدرس الأول: ما يُقاس جيدًا، يُنجز جيدًا

لا يمكن تقليص ما لا يُقاس. القادة الذين يُحدثون فرقًا هم أولئك الذين انتقلوا من “القياس من أجل التقرير” إلى “القياس من أجل اتخاذ القرار”.

على سبيل المثال، ركّزت شركة Reckitt، الرائدة عالميًا في مجال الصحة والنظافة والتغذية، على جمع بيانات تفصيلية لانبعاثاتها لكل منتج.

ففي عام 2023، جمعت الشركة أكثر من 300 ألف نقطة بيانات، وانتقلت إحدى علاماتها التجارية من تحليل 18 منتجًا نموذجيًا إلى أكثر من 2,190 منتجًا فعليًا، مما أدى إلى زيادة عدد عوامل الانبعاث المستخدمة أربعة أضعاف، وهو ما مكّنها من اتخاذ إجراءات دقيقة بالتعاون مع الموردين أو في اختيار المكونات.

الخطوة الأولى لأي تغيير حقيقي تبدأ ببناء قاعدة بيانات قوية، وتطوير القدرات الداخلية لقياس الانبعاثات على أساس النشاط.

الدرس الثاني: الانتصارات السريعة تكسب المعارك، لكنها لا تحسم الحرب

قبل عامين، أخبرني مسؤول استدامة في شركة كيميائية كبرى بأنهم حققوا هدفهم الكربوني السنوي فقط عبر التحول إلى الكهرباء الخضراء في أوروبا. ورغم أن ذلك كان إنجازًا، إلا أنه لم يكن هناك خطة واضحة لما بعده.

اعتمدت الشركة على خطوات سهلة وسريعة لتحقيق نتائج آنية، دون استراتيجية شاملة تشمل الموردين، وقياس الأثر الكربوني لكل منتج، وخريطة طريق طويلة الأمد.

على النقيض، نجد شركة Symrise، المتخصصة في العطور والنكهات والمكونات الفعالة، تتبنى نهجًا استراتيجيًا واضحًا.

فهي تنقل حسابات البصمة الكربونية من الإجراءات اليدوية إلى منصة قابلة للتدقيق تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ما يُمكّنها من حساب آلاف البصمات سنويًا، ضمن رؤية مستدامة متكاملة.

الدرس الثالث: الذكاء الاصطناعي حليف لا غنى عنه في مواجهة التغير المناخي

تحويل الأنشطة إلى انبعاثات كربونية يتطلب ربطها بعوامل انبعاث دقيقة. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي، الذي يربط النشاط بأدق عامل انبعاث ممكن، بحسب الدولة أو العملية التصنيعية.

لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على الدقة، بل يتيح أيضًا تقليل التكاليف بشكل كبير. فحسب حساباتنا، انخفضت تكلفة حساب البصمة الكربونية من نحو 1,075 يورو لكل وحدة إلى 53 يورو فقط بفضل الحساب الآلي.

لقد أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في محاسبة الكربون، وسهّل على الشركات جمع وقياس البيانات بدقة وعلى نطاق واسع، وبكفاءة لم تكن ممكنة سابقًا.

الدرس الرابع: يجب أن يكون مسؤولو الاستدامة قادة أعمال أيضًا

لا يحقق مسؤولو الاستدامة (CSOs) النجاح المطلوب إن لم يكونوا قادرين على ربط مشاريعهم بالأداء المالي والاستراتيجي للشركة.

نشهد الآن تطورًا في دور CSO ليشمل الاستدامة، والمالية، والاستراتيجية، والشؤون العامة. خذ مثلًا نيل راسل، المدير الإداري السابق في شركة Sysco، والذي شغل أيضًا مناصب مالية وإدارية عالية في الشركة ذاتها.

لتحريك الميزانيات، يجب أن تُقدَّم مشاريع الاستدامة بلغة العائد على الاستثمار (ROI)، وهذا يتطلب توفر بيانات دقيقة تربط بين الأثر البيئي والعائد المالي (انظر الدرس الأول).

الدرس الخامس: الاستدامة لم تعد “رفاهية”… إنها جوهر العمل

أهم ما خرجت به من تجربتي هو أن إزالة الكربون لم تعد مجرد ضرورة بيئية أو أخلاقية، بل أصبحت ميزة تنافسية جوهرية.

في استطلاعنا السنوي مع مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG)، أبلغ 25% من الشركات عن تحقيق فوائد سنوية من إزالة الكربون تصل إلى 7% فأكثر من حجم مبيعاتها، أي ما يعادل نحو 200 مليون دولار كصافي أرباح بعد احتساب الاستثمارات.

ورغم أن بعض وسائل الإعلام تتحدث عن تراجع التزامات الشركات المناخية، إلا أن الواقع يُظهر عكس ذلك. و

فقًا لتقرير PwC الأخير:

• أكثر من 4,000 شركة قدمت تقاريرها عبر مشروع الإفصاح الكربوني (CDP) عام 2024، بزيادة تسعة أضعاف خلال خمس سنوات فقط.

• 37% من الشركات زادت أهدافها المناخية، بينما تراجعت 16% فقط.

• 83% من الشركات تستثمر في تصميم المنتجات البيئية والبحث والتطوير المستدام، مما يحقق لها عوائد إضافية تتراوح بين 6% و25% مقارنة بالمنتجات التقليدية.

لهذا، يجب عدم التعامل مع أداء شركتك البيئي كمجرد التزام تنظيمي، بل كمحرك فعلي للنمو والابتكار والتكيف مع متغيرات السوق والمناخ.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading