التكنولوجيا ليست الحل.. التحذير من الاعتماد على إزالة الكربون وهندسة المناخ
لماذا سياسات الشركات الكبرى تغلق الطريق أمام مواجهة تغير المناخ بشكل جذري
في كتابهما الحرارة الطويلة: سياسات المناخ حين يكون الوقت قد فات، يوجه أندرياس مالم وويم كارتون نقدًا لاذعًا لما يسمونه “المتفائلين العقلانيين”، أولئك الذين يعتقدون بأن السوق والابتكار التكنولوجي وحدهما قادران على حل أزمة المناخ، هذا النقد لا يستهدف منكري المناخ التقليديين، بل فئة أكثر خطورة، تؤمن بأن الأزمة موجودة لكن حجمها والتحديات المرتبطة بها مبالغ فيه، ما يسمح باستمرار استهلاك الوقود الأحفوري دون مساءلة.
المتفائلون العقلانيون وأيديولوجية الإفراط في التفاؤل
يشرح المؤلفان أن هؤلاء المتفائلين يعتمدون على فرضية أن التكنولوجيا ستنقذ الكوكب، من إزالة الكربون من الغلاف الجوي (CDR) إلى هندسة المناخ الشمسي (SRM) هذه الفكرة، التي يسميها مالم “أيديولوجية الإفراط في التفاؤل”، تفترض أن جميع التقنيات الجديدة ستُدار بعقلانية، بعيدًا عن مصالح الشركات أو الدول التي قد تستغلها لتحقيق أرباح أو نفوذ سياسي.
يقدم الكتاب نقدًا علميًا لهذه النظرة: الأرض ليست ترموستات يمكن ضبطه، بل نظام ديناميكي معقد، حيث يمكن لارتفاع درجات الحرارة أن يؤدي إلى تغييرات مفاجئة وربما لا رجعة فيها، مثل ذوبان الأنهار الجليدية أو موت الغابات المطيرة، هذه “التحولات الطفيفة المفاجئة” تتحدى افتراضات التدخل التكنولوجي السلس، ما يجعل فكرة الاعتماد على الحلول التقنية وحدها مجرد وهم خطير.

إزالة الكربون: الإمكانيات والقيود
يتناول مالم وكارتون واقع تقنيات إزالة الكربون الحالية، التي تمثل اليوم أقل من 0.01% من الانبعاثات المخفضة، تقنيات مثل الطاقة الحيوية مع احتجاز الكربون (BECCS) تتطلب مساحات هائلة من الأراضي الزراعية، وهو ما يطرح سؤالًا عن إمكانية تعويض هذا الطلب على حساب الغذاء أو التنوع البيولوجي.
أما التسريع الصخري الطبيعي، الذي يهدف إلى تثبيت الكربون في الصخور، فيتطلب استخراج كميات هائلة من المواد المعدنية تفوق حجم صناعة الأسمنت العالمية الحالية.
الاعتماد على هذه التقنيات لا يمكن أن يستفيد من نفس القوى السوقية التي ساعدت على انتشار الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية بسرعة مفاجئة خلال العقد الماضي، وبدون تدخل الدولة والاستثمار العام، فإن CDR ستظل أداة ضعيفة في مواجهة الأزمة.

هندسة المناخ الشمسي: حل سريع أم كارثة محتملة؟
تشير الدراسة إلى أن SRM ، نشر الكبريت في الستراتوسفير لخفض الإشعاع الشمسي، قد يوفر تبريدًا سريعًا، لكنه يفتح صندوق باندورا من المخاطر:
– تأثيرات مناخية غير متوقعة، مثل ضعف الرياح الموسمية في الهند وتهديد المياه لأكثر من مليار شخص.
– عدم المساواة الجغرافية في التبريد، حيث قد تتأثر المناطق الاستوائية أكثر من الأخرى.
– توترات سياسية وجيوستراتيجية بين الدول، إذ يمكن لأي دولة تنفيذ SRM بما يخدم مصالحها دون اعتبار للآخرين.
المؤلفان يركزان على نقطة أساسية: ليس التكنولوجيا هي المشكلة، بل البشر الذين يتحكمون بها، غالبًا لأهداف سياسية واقتصادية ضيقة، دعم مشاريع SRM من قِبل شركات مثل Occidental Petroleum يعكس محاولة لاستمرار تراخيص العمل الاجتماعي والسياسي لصناعة النفط، وهو مثال صارخ على “الإفراط في التفاؤل العقلاني” الذي يغطي على مصالح رأس المال.
لماذا المواجهة السياسية أهم من الحلول التقنية
يؤكد مالم وكارتون أن التكنولوجيا وحدها لن تحقق صافي صفر انبعاثات دون تغييرات سياسية واجتماعية عميقة:
– انخفاض تكلفة الطاقة المتجددة لا يعني أن شركات النفط ستغلق آبارها طواعية قبل استهلاك أصولها.
– عند توفر تقنيات CDR جديدة، لن تكون الشركات ملتزمة تلقائيًا بإزالة الكربون، بل قد تستخدمها لتعويض الانبعاثات أو تعزيز استخراج النفط.
– الحل الوحيد هو مواجهة “رأس المال النفطي” مباشرة، مع فرض قيود صارمة على الانبعاثات والاستثمار العام الضخم في إزالة الكربون كمنفعة عامة، وإدارة هذه العملية بجدية وشفافية، بعيدًا عن السوق الافتراضية أو التعويضات الكربونية المشكوك فيها.
المؤلفان يسلطان الضوء على أن الطريق إلى صافي صفر انبعاثات لن يكون سلسًا، بل يتطلب التضحية بالثروات والمصالح، مع تحفيز السياسات العامة للحد من الانبعاثات قبل أي تركيز على الحلول التقنية.

أهمية الكتاب وأثره على النقاش العالمي
الحرارة الطويلة يقدم وصفًا دقيقًا للتحديات الراهنة، محذرًا من الأوهام التقنية والسياسية، ومطالبًا بفهم علمي وسياسي واقعي: الحلول السريعة أو الاعتماد على الابتكار التكنولوجي وحده لن يكون كافيًا، وما لم نواجه رأس المال النفطي ونتخذ إجراءات صارمة على المستوى العالمي، فإن احتمالات تجاوز 3 درجات مئوية من الاحترار تبقى مرتفعة.





