أهوار العراق تواجه الانقراض.. العطش يلاحق الطبيعة وسكانها.. النفط يبتلع جنة الأهوار
حويزة من فردوس مائي إلى أرض عطشى بسبب الصناعة النفطية
مع انبلاج الفجر فوق أهوار الحويزة، يتشكل مشهد ساحر يغلفه الضباب، حيث تمتزج السماء بالماء في لوحة طبيعية نادرة، لكن خلف هذا الجمال الهش تكمن مأساة بيئية تتفاقم يومًا بعد يوم.
يقف مصطفى هاشم، الشاب البالغ من العمر 23 عامًا، على مؤخرة قاربه الخشبي الضيق، يطفئ محركه ويتحول إلى التجديف بعصا تقليدية، متفاديًا الجذور الغازية والطين الكثيف الذي بات يغلق المسارات المائية الضحلة.
بعد نصف ساعة من الدفع بالعصا عبر المساحات المائية المنكمشة، يصل إلى بحيرة “أم النياع” التي كانت في الماضي القريب مركزًا نابضًا بالحياة؛ قوارب الصيادين تملأ المكان، وأصوات الطيور تزين الأفق، والأسر تقضي أوقاتها على الضفاف.
أما اليوم، فلم يبقَ سوى نصف متر من المياه، ولا أثر للحياة التي كانت. وعلى بعد كيلومترات، تشتعل ألسنة اللهب في حقل “الحلفاية” النفطي، معلنة عن وجه آخر للواقع.

جنة عدن التي تتلاشى
تُعد أهوار جنوب العراق، التي تُعرف مجتمعة باسم أهوار بلاد الرافدين، من بين أكثر النظم البيئية المهددة في العالم. ويرجح أن هذه المسطحات المائية الواسعة، التي تمتد لمسافة 200 كيلومتر تقريبًا من الناصرية إلى البصرة، احتضنت ما يُعرف في التراث الديني بـ”جنة عدن”.
في عام 2016، أدرجتها منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي، كما حظيت منذ عام 2007 بحماية دولية وفق اتفاقية “رامسار” للأراضي الرطبة.
هذه الأهوار كانت موطنًا لتنوع بيولوجي غني يشمل أنواعًا نادرة من الطيور والأسماك، إضافة إلى آلاف العائلات التي اعتمدت على صيد الأسماك وتربية الجاموس كمصدر رزق.
لكن تحت هذه المياه يختبئ كنز استراتيجي آخر: النفط. إذ تتداخل ثلاثة امتيازات نفطية كبرى مع حدود المنطقة المحمية: الحلفاية، الحويزة، ومجنون، الأخير يُصنّف كأحد أكبر الحقول في العالم باحتياطي يصل إلى 38 مليار برميل.

النفط يستهلك الماء
تُعد صناعة النفط في العراق شريان الاقتصاد، إذ تشكل 95% من إجمالي صادرات البلاد و69% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعل أي صدام بين حماية البيئة واستمرار الإنتاج معقدًا وحساسًا. ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، زادت أهمية العراق كمصدر بديل للنفط بالنسبة لأوروبا.
لكن عمليات استخراج النفط تحتاج إلى كميات ضخمة من المياه، حيث يُحقن الماء في الآبار لزيادة ضغط الخزان النفطي وتحفيز تدفق الخام، وهي تقنية شائعة تعرف باسم “الاستخلاص المعزز”.
في حقل الحلفاية، الذي تديره شركة “بتروتشاينا” بالشراكة مع “توتال إنرجيز”، تُضخ يوميًا نحو 60 ألف متر مكعب من مياه نهر دجلة عبر ست محطات ضخ بُنيت على النهر نفسه، وهي كمية تكفي لاستهلاك مدينة متوسطة الحجم ليوم كامل.
هذه المياه تُسحب من موارد مائية شحيحة أصلًا، بعد أن قلصت السدود التركية على نهر دجلة، والسدود الإيرانية على نهر الكرخة، تدفق المياه إلى جنوب العراق بأكثر من النصف منذ سبعينيات القرن الماضي، مما جعل الأهوار تفقد مساحاتها المائية تدريجيًا.

تحولات اجتماعية واقتصادية جذرية
يحكي قاصد وانيس، البالغ 87 عامًا، كيف كان في شبابه يبحر من الحويزة إلى البصرة باستخدام عصا التجديف فقط، مسترشدًا بخبرته في قراءة مسارات المياه. أما ابنه هاشم، البالغ 41 عامًا، فقد نشأ صيادًا لكنه اضطر قبل أربع سنوات إلى ترك الصيد بسبب شح المياه وتراجع أعداد الأسماك.
ولم يقتصر التأثير على سبل العيش فحسب، بل تحول المشهد الاجتماعي أيضًا.
فقد حوّلت السلطات أجزاء من الأهوار إلى مناطق عسكرية مغلقة، وأقامت نقاط تفتيش مسلحة تُقيّد حركة السكان المحليين، مبررة ذلك بمكافحة التهريب وحماية الحدود القريبة مع إيران. لكن الأهالي يرون في ذلك وسيلة لعزلهم عن أراضيهم ومنع الاحتجاجات.

من الصيد إلى الحفر
اضطر مصطفى نفسه، شأن كثير من شباب المنطقة، للعمل في قطاع النفط عام 2023 ضمن عقود فرعية مع “بتروتشاينا”، قبل أن يترك العمل بعد شهور قليلة، واصفًا ما رآه بأنه “تدمير مغلف بغطاء التنمية”. لاحقًا، انخرط في تنظيم احتجاجات وإغلاق طرق الإمداد للشركات النفطية.
التلوث: وجه آخر للأزمة
لا تقف الكارثة عند حد الجفاف، فالتلوث الناتج عن عمليات النفط يفاقم المأساة. تقرير سري أعدته دائرة الزراعة في ميسان عام 2024 كشف عن مستويات مرتفعة من الهيدروكربونات والمعادن الثقيلة في المياه، وتدهور التربة، وانهيار الزراعة المحلية، واعتبر أن ما يجري “مصادرة للحياة”.
ورغم أن وزارة البيئة العراقية أعلنت نيتها فتح حوار مع وزارة النفط حول الأمر، إلا أن الشكوك تحيط بأي خطوة عملية، خاصة مع استمرار توسع عمليات الحفر داخل مناطق الحماية البيئية.
صور أقمار صناعية ومقاطع فيديو مسربة أظهرت أعمال إنشاء بنية تحتية لحقل “الحويزة” الجديد في قلب المنطقة المحمية، في خرق واضح لاتفاقية رامسار التي تعتمد على التزام الدول الطوعي.

المعركة من أجل الحياة
اليونسكو أعربت عن “قلق بالغ” إزاء استمرار تعرض الأهوار للتوسع النفطي، في حين هجر مئات السكان قراهم بعد فقدان سبل العيش.
ومع دخول صيف شديد الحرارة، حذر مسؤولون حقوقيون من كارثة إنسانية وشيكة بسبب شح المياه وتلوثها وارتفاع مستويات السمية.
يختصر مصطفى الموقف قائلًا: “بالنسبة للحكومة والشركات، هذه المياه فرصة استثمارية، أما بالنسبة لنا فهي الحياة”. المعركة التي يخوضها سكان الأهوار اليوم ليست فقط من أجل مياههم، بل من أجل إرث حضاري وبيئي عمره آلاف السنين.






