تكشف دراسة علمية حديثة من معهد كارلسروه للتكنولوجيا (KIT)، أن أنهار العالم تشهد تحولًا بيئيًا عميقًا لم يُحسب بدقة في ميزانيات الانبعاثات العالمية لسنوات طويلة، حيث أصبحت هذه الأنهار أكثر دفئًا، وأقل أكسجينًا، وفي الوقت نفسه أكثر إطلاقًا لغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروس.
وتشير الدراسة، المنشورة في مجلة Global Change Biology، إلى أن هذا التحول مرتبط مباشرة بالنشاط البشري، خصوصًا الزراعة المكثفة والتوسع الحضري والصرف الصناعي، ما يجعل الأنهار لاعبًا غير متوقع لكنه متزايد الأهمية في أزمة المناخ.
الأنهار لم تعد مجرد مجاري مياه
لطالما كانت الأنهار:
- مصادر مياه رئيسية
- نظمًا بيئية غنية
- محاور لتشكيل الحضارات والأنشطة الاقتصادية
لكن الدراسة تؤكد أنها أصبحت أيضًا:
- مصادر متزايدة لغازات الاحتباس الحراري
- أنظمة بيئية مضغوطة بشدة بسبب الإنسان
ويقول الباحثون، إن الضغط الزراعي والصناعي حوّل كثيرًا من الأنهار إلى “نقاط انبعاث كربوني” نشطة.
كيف تتحول الأنهار إلى مصدر للغازات الدفيئة؟
تحدث العملية عبر تفاعلات بيولوجية وكيميائية داخل المياه، حيث تقوم الكائنات الدقيقة بتحليل المواد العضوية القادمة من:
- الأسمدة الزراعية
- مياه الصرف الصحي
- المخلفات الصناعية
وينتج عن ذلك:
- ثاني أكسيد الكربون (CO₂)
- الميثان (CH₄)
- أكسيد النيتروس (N₂O)
وهي غازات تمتلك تأثيرًا قويًا على الاحتباس الحراري.
منهج علمي غير مسبوق لرصد الظاهرة عالميًا
لأول مرة، قام الباحثون بتكوين صورة عالمية متكاملة لهذه التغيرات باستخدام مزيج من:
- بيانات من أكثر من 1000 محطة رصد أنهار
- صور أقمار صناعية تغطي الغطاء النباتي والإشعاع والتضاريس
- نماذج تعلم آلي (Machine Learning)
ثم تم تطبيق النموذج على أكثر من 5000 حوض نهري حول العالم لإعادة بناء بيانات تمتد من 2002 إلى 2022، حتى في المناطق التي لا تتوفر فيها قياسات مباشرة.
نتائج صادمة حول التغيرات العالمية
أظهرت التحليلات اتجاهات واضحة ومقلقة:
1) ارتفاع حرارة الأنهار: الأنهار تشهد زيادة مستمرة في درجات الحرارة نتيجة تغير المناخ.
2) انخفاض الأكسجين: ينخفض تركيز الأكسجين بمعدل:
0.058 ملليجرام لكل لتر كل عقد، هو معدل أسرع من المحيطات والبحيرات.
3) زيادة الانبعاثات
ارتفعت انبعاثات:
- ثاني أكسيد الكربون
- الميثان
- أكسيد النيتروس
بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين.
حجم الانبعاثات “المخفية” عالميًا
قدرت الدراسة، أن الانبعاثات الإضافية الناتجة عن الأنهار بين عامي 2002 و2022 بلغت نحو: 1.5 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون
وهو رقم لم يكن محسوبًا ضمن ميزانيات الانبعاثات العالمية السابقة، ما يعني وجود “فجوة مناخية” كبيرة في التقديرات الدولية.
أين يشتد التأثير؟
تظهر أعلى مستويات الانبعاثات في المناطق التي تشهد:
- – توسعًا زراعيًا مكثفًا
- – نموًا حضريًا سريعًا
- – تصريفًا عاليًا للمياه العادمة
في هذه البيئات، تتراكم:
- المغذيات
- المواد العضوية
- الحرارة
ما يخلق “نقاط ساخنة” للنشاط الميكروبي، ويزيد من إنتاج الغازات الدفيئة داخل المياه.
دور الإنسان في تسريع الظاهرة
تشير الدراسة بوضوح إلى أن السبب الأساسي هو النشاط البشري، وخاصة:
- الاستخدام المكثف للأسمدة
- التلوث الصناعي
- تصريف مياه الصرف غير المعالجة
- إزالة الغطاء النباتي حول الأنهار
هذه العوامل تخلق بيئة مثالية لزيادة الانبعاثات داخل الأنظمة المائية.
هل يمكن عكس الاتجاه؟
رغم خطورة النتائج، تؤكد الدراسة أن الوضع ليس غير قابل للإصلاح.
الحلول الممكنة: تقليل التلوث الزراعي والصناعي، تحسين إدارة مياه الصرف، حماية النظم البيئية النهرية، استعادة الغطاء النباتي على ضفاف الأنهار.
ويؤكد الباحثون أن تقليل المدخلات الضارة يمكن أن:
- يخفض الانبعاثات
- يعيد توازن الأنهار
- يحولها مرة أخرى إلى أنظمة أقل تأثيرًا على المناخ
خاتمة
تقدم الدراسة تحولًا مهمًا في فهم دور الأنهار في أزمة المناخ، إذ لم تعد مجرد عناصر بيئية محلية، بل أصبحت جزءًا من النظام المناخي العالمي.
وتشير النتائج إلى أن تجاهل هذه الانبعاثات لعقود قد أدى إلى نقص كبير في تقدير حجم الغازات الدفيئة عالميًا، ما يفرض إعادة النظر في سياسات المناخ وإدارة المياه بشكل عاجل.
