دعت وزيرة الاقتصاد الألمانية، كاثرين رايش، إلى إعادة النظر في استخدام الطاقة النووية، محذرة من أن الاعتماد على الغاز يعرّض البلاد لصدمات حادة في أسواق الطاقة.
وقالت رايش إن قرارات إغلاق المحطات النووية في السنوات الماضية جعلت ألمانيا تفتقر إلى بدائل موثوقة، مؤكدة: “نحن بحاجة إلى الغاز لتأمين إمداداتنا، وهذا هو مصدر الطاقة الأساسي الوحيد المتبقي لدينا”، مضيفة أنه “ليس لدينا أي بديل” من الناحية السياسية.
وأشارت إلى ضرورة انخراط ألمانيا في جهود إعادة إحياء الطاقة النووية في أوروبا، في ظل تصاعد الضغوط على أسواق الطاقة.
ومن المتوقع أن ترتفع أسعار الكهرباء في ألمانيا بحلول مايو/أيار إلى نحو أربعة أضعاف مستوياتها في فرنسا، التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة النووية.
تحذيرات دولية من تفاقم أزمة الإمدادات
حذر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، من أن تعطل إمدادات النفط من الشرق الأوسط سيتفاقم خلال أبريل/نيسان، مع بدء ظهور التأثيرات في الاقتصاد الأوروبي، نتيجة استمرار إغلاق مضيق هرمز وتقلص الصادرات.
وأشار إلى أن خسائر الإمدادات النفطية في أبريل قد تصل إلى ضعف خسائر مارس/آذار، إضافة إلى تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال، موضحًا أن أكثر من 12 مليون برميل نفط فُقدت منذ اندلاع الحرب.
وأضاف أن جزءًا من الشحنات التي وصلت في مارس كان متعاقدًا عليه قبل الحرب، ما يعني أن فجوة الإمدادات ستتسع بشكل أوضح خلال أبريل.
وأكد أن الأزمة الأبرز حاليًا تتمثل في نقص وقود الطائرات والديزل، والتي بدأت بالفعل في آسيا، ومن المتوقع أن تمتد إلى أوروبا خلال أبريل أو مايو/أيار.
كما أشار إلى تضرر نحو 40 منشأة طاقة رئيسية في الشرق الأوسط منذ بداية الحرب، مؤكدًا أن إعادة تشغيلها ستستغرق وقتًا، واصفًا الوضع بأنه اضطراب “كبير جدًا” في أسواق الطاقة.
ضبابية الأسواق وتذبذب أسعار النفط
تراجعت أسعار النفط بعد مكاسب سابقة، حيث انخفض خام برنت بنسبة 2.08% إلى 101.81 دولارًا للبرميل، كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 1.83% إلى 99.52 دولارًا.
وجاء هذا التراجع مع إشارات سياسية حول احتمال قرب انتهاء الحرب، إلا أن حالة عدم اليقين لا تزال تسيطر على الأسواق، خاصة مع استمرار المخاطر المرتبطة بالإمدادات.
وحذرت تقارير تحليلية من أن إعادة فتح مضيق هرمز، إن حدثت، لن تعني عودة فورية للإمدادات، بسبب تكدس السفن وتعطل الإنتاج وتباطؤ تدفقات الغاز الطبيعي المسال.
كما أظهر استطلاع أن إنتاج النفط في منظمة «أوبك» انخفض بنحو 7.5 ملايين برميل يوميًا خلال مارس، في مؤشر على حجم التأثير الناتج عن اضطرابات التصدير.
وقود الطائرات في دائرة الخطر
حذر الرئيس التنفيذي لشركة «رايان إير»، مايكل أوليري، من احتمال تعرض إمدادات وقود الطائرات في أوروبا لاضطرابات بداية من مايو/أيار، إذا استمرت الحرب.
وأشار إلى أن الخطر قد يطال ما بين 10% و25% من إمدادات الشركة خلال مايو ويونيو، رغم أن الشركة قامت بالتحوط لتأمين 80% من احتياجاتها.
وأوضح أن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار، بل بتوافر الوقود نفسه، في ظل تعطل الإمدادات العالمية.
ويُعد مضيق هرمز شريانًا حيويًا للطاقة، حيث يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، إلا أن حركة الناقلات تراجعت بنسبة تتراوح بين 70% و80%، ما تسبب في ضغوط مباشرة على المنتجات المكررة، خاصة وقود الطائرات.
وتعتمد أوروبا على الخليج العربي في نحو 25% إلى 30% من احتياجاتها من وقود الطائرات، ما يجعلها أكثر عرضة لأي اضطرابات طويلة الأمد.
كما يمثل وقود الطائرات نحو 30% من تكاليف تشغيل شركات الطيران عالميًا، وهو ما يعزز من تأثير الأزمة على أسعار التذاكر مستقبلًا.
ألمانيا في قلب صدمة طاقة جديدة
تعكس دعوات العودة للطاقة النووية تحوّلًا في النقاش داخل ألمانيا، بعد سنوات من إغلاق المحطات النووية منذ عام 2011، في إطار التحول نحو الطاقة النظيفة.
غير أن هذه السياسات أدت إلى زيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي، ما جعل الاقتصاد الألماني أكثر عرضة للصدمات، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا، والآن مع أزمة الشرق الأوسط.
وتواجه أوروبا حاليًا صدمة طاقة ثانية، مع ارتفاع أسعار الغاز بأكثر من 70% نتيجة تراجع الإمدادات العالمية.
تأثيرات اقتصادية متزايدة
امتدت تداعيات الأزمة إلى الاقتصاد الألماني، حيث ارتفعت تكاليف الإنتاج، خاصة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مع تزايد المنافسة العالمية.
وخفضت معاهد اقتصادية ألمانية توقعات النمو إلى 0.6% في 2026، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 1.3%، مع توقع ارتفاع التضخم إلى 2.8%.
وأكد خبراء أن أزمة أسعار الطاقة الناتجة عن الحرب تؤثر بشكل مباشر على التعافي الاقتصادي، رغم أن زيادة الإنفاق الحكومي قد تحدّ من تدهور أكبر.
