هانتا فيروس في أفريقيا: لماذا يثير تغير المناخ والقوارض وضعف أنظمة الترصد قلق العلماء؟
ليست فيروسات هانتا جديدة؛ فهي تنتشر منذ عقود داخل تجمعات القوارض، خصوصًا الفئران والجرذان، ويمكن أن يُصاب الإنسان بها عبر العض أو الخدش من حيوان مصاب، أو عبر استنشاق جزيئات دقيقة محمولة في الهواء من بول أو براز أو لعاب القوارض الملوثة بالفيروس.
توجد أنواع متعددة من فيروسات هانتا، لكن هناك نوعًا واحدًا فقط معروف بقدرته على الانتقال بين البشر، وهو فيروس «أنديز» في أمريكا الجنوبية، وقد ارتبط مؤخرًا بوفاة عدد من ركاب السفن السياحية.
ويمكن الحد من انتقال العدوى بين البشر عبر مراقبة المخالطين للحالات المصابة بعناية، وعزل الحالات المؤكدة، بما يقلل من احتمالات الانتشار الواسع.
يرى مجموعة من العلماء المتخصصين في الأمراض المعدية الناشئة أن فيروسات هانتا قد تشكل تهديدًا أكبر للدول الأفريقية مما هو معروف حاليًا، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية.
أولًا: محدودية قدرات التشخيص في العديد من الدول الأفريقية، خاصة في المناطق الريفية، حيث قد لا يتم اكتشاف الحالات المتفرقة بسبب ضعف الإمكانيات المخبرية، مما يؤدي إلى تأخر اكتشاف التفشيات.
ثانيًا: ضعف أنظمة المراقبة الوبائية، ما قد يؤدي إلى عدم رصد العدوى سواء في الحيوانات البرية أو في البشر.
ثالثًا: تغير المناخ والتغيرات في استخدامات الأراضي، والتي تزيد من احتمالات انتقال العدوى من الحيوانات إلى الإنسان، عبر زيادة أعداد القوارض وتقريبها من التجمعات البشرية.
وتشير نماذج علمية أُجريت في الأمريكيتين إلى أن القوارض قادرة على العيش في بيئات متنوعة يتشارك فيها الإنسان، ما يزيد فرص الاحتكاك وانتقال العدوى.
كما أن بعض الأنواع تتكيف مع البيئات التي يغيرها الإنسان، بل وتعيش داخل المباني، وهو ما يرفع مستوى الخطر.
لذلك يجب النظر إلى فيروسات هانتا باعتبارها قضية «صحة واحدة» التي تربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة، ولا يمكن التعامل معها كمسألة طبية فقط.
وتُعد مراقبة الحياة البرية وتعزيز أنظمة الترصد ضرورية لاكتشاف أي انتقال محتمل للفيروس من الحيوانات إلى البشر مبكرًا، ومنع تفشيه.
وقد رُصدت بالفعل عدة أنواع من فيروسات هانتا في أفريقيا، من بينها فيروس «سانجاسو» في غينيا داخل بعض الثدييات الصغيرة مثل القوارض. كما تم مؤخرًا اكتشاف فيروسات مشابهة في الزبابات والخفافيش، وليس فقط في الفئران والجرذان، ما يشير إلى اتساع نطاق العوائل الحاضنة.
هذا التنوع في العوائل يجعل فهم بيئة الفيروس أكثر تعقيدًا، بينما لا تزال الأبحاث الجينية والوبائية محدودة في القارة، ما يخلق فجوة كبيرة في الرصد.
وتزيد التغيرات المناخية وتغير استخدامات الأراضي من حجم المخاطر. ففي الولايات المتحدة، ارتبط تفشي هانتا في تسعينيات القرن الماضي بظاهرة «النينيو»، التي أدت إلى زيادة الغذاء المتاح للقوارض، وبالتالي تضاعف أعدادها.
ومع زيادة أعداد القوارض، تزداد احتمالات احتكاكها بالبشر، خاصة مع بحثها عن الغذاء والمأوى داخل المناطق السكنية. كما قد تؤدي المنافسة بين القوارض إلى سلوكيات عدوانية تعزز انتقال العدوى فيما بينها.
وفي أفريقيا، تؤدي عمليات إزالة الغابات، والتوسع الزراعي، والتعدين، وبناء الطرق، والنمو العمراني إلى تغيير كبير في النظم البيئية، ما يدفع الحيوانات إلى الاقتراب من البشر.
وعندما يدخل الإنسان إلى موائل طبيعية لم تُمس سابقًا، تنشأ «واجهات بيئية» جديدة تسمح بانتقال الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.
ورغم أن خطر انتقال فيروس «أنديز» بين البشر خارج المخالطين المباشرين لا يزال منخفضًا، فإن تجارب سابقة مثل فيروس «سارس» و«إمبوكس» تُظهر أن بعض الفيروسات الحيوانية يمكن أن تنتشر بسرعة واسعة بين البشر.
وتؤكد الدراسات الحاجة إلى أبحاث فيروساتية وبيئية أوسع، إلى جانب تحسين أدوات التشخيص، وإجراء تسلسل جيني، وتبادل البيانات بين الدول لفهم مسارات الخطر.
ويظل التحدي الأكبر هو تحديد أماكن وشروط حدوث انتقال العدوى قبل وقوع التفشيات.
لذلك فإن تعزيز أنظمة الترصد البيئي والصحي يُعد خطوة أساسية لتجنب تفشي فيروسات محتملة قد تشكل تهديدًا صحيًا في المستقبل.
