أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

أقدم جليد في العالم يكشف أسرار مناخ الأرض قبل 6 ملايين عام.. “نافذة زمنية” إلى عالم أكثر دفئًا

اكتشاف جليد عمره 6 ملايين سنة في أنتاركتيكا يعيد كتابة تاريخ المناخ.. رحلة في ذاكرة الكوكب قبل أن يبرد

في إنجاز علمي غير مسبوق، تمكن فريق دولي من العلماء من استعادة أقدم جليد مؤرخ في تاريخ الأرض، يعود إلى نحو ستة ملايين عام، من منطقة تلال ألان (Allan Hills) الواقعة بشرق القارة القطبية الجنوبية.
هذا الجليد ليس مجرد كتلة متجمدة، بل أرشيف طبيعي يحتفظ في داخله بـ”هواء” من عصور سحيقة، وسجلٍّ دقيق لتقلبات المناخ عندما كان العالم أكثر دفئًا وارتفاعًا في مستوى البحار.

اكتشاف جليد في أنتاركتيكا عمره 6 ملايين سنة يكشف أسرار تبريد الأرض

رحلة إلى عمق الزمن

قاد الدراسة فريق من معهد وودز هول لعلوم المحيطات وجامعة برينستون، ضمن مشروع مركز استكشاف أقدم جليد على الأرض (COLDEX) الذي يضم 15 مؤسسة بحثية بقيادة جامعة ولاية أوريجون.
ويقول العلماء إن الاكتشاف يؤسس لحقبة جديدة في علم المناخ القديم، إذ لم يسبق أن وُجد جليد مؤرخ مباشرة بهذا العمر أو احتوى على هواءٍ محبوس من تلك الفترات المبكرة من تاريخ الأرض الحديث.

بعكس عمليات الحفر العميقة التقليدية التي تتطلب الوصول إلى عمق يتجاوز كيلومترين، اختار الفريق نهجًا ذكيًا يقوم على استهداف الجليد القديم القريب من السطح، والمكشوف جزئيًا بفعل تضاريس الجبال وتدفق الأنهار الجليدية.
تلك الاستراتيجية أتاحت الوصول إلى طبقات بالغة القدم دون الحاجة إلى معدات الحفر العميق، لكنها تطلبت دقة جيولوجية فائقة لتحديد المواضع التي يمكن أن تحافظ على الجليد دون أن يُعاد تشكيله عبر الزمن.

اكتشاف جليد في أنتاركتيكا عمره 6 ملايين سنة يكشف أسرار تبريد الأرض

الزمن المتجمد: كيف نقيس عمر الجليد؟

الاختراق العلمي الأبرز في هذا الاكتشاف كان تحديد العمر مباشرة عبر قياس نظير من غاز الأرجون المحبوس في فقاعات الهواء داخل الجليد، ما أتاح تأريخًا مستقلًا ودقيقًا دون الاعتماد على تسلسل الطبقات أو الترسيب.
تلك الطريقة جعلت الباحثين قادرين على تحويل “الفسيفساء الجليدية” إلى مكتبة زمنية متفرقة لكنها موثوقة، تقدّم لقطات دقيقة من مناخ الأرض قبل ملايين السنين.

اكتشاف جليد في أنتاركتيكا عمره 6 ملايين سنة يكشف أسرار تبريد الأرض

انخفاض حرارة القارة.. بمقدار 12 درجة مئوية

تحليل نظائر الأوكسجين داخل العينات كشف أن القارة القطبية الجنوبية شهدت خلال الستة ملايين سنة الماضية انخفاضًا تدريجيًا في درجات الحرارة بلغ نحو 12 درجة مئوية.
وهذا أول قياس مباشر لمقدار برودة القارة منذ العصور الدافئة التي سبقت العصر الجليدي الحديث، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تقييم حساسية الجليد القطبي تجاه تغيرات الكربون وحرارة المحيطات.

يقول البروفسور إد بروك، مدير مركز COLDEX:

“كنا نأمل في العثور على جليد يبلغ عمره ثلاثة ملايين سنة على الأكثر، لكننا تجاوزنا ضعف ذلك. هذه العينات تتيح لنا اختبار نماذج المناخ عبر نافذة زمنية لم نتمكن من فتحها من قبل.”

مختبر الطبيعة: الجليد كأداة لفهم المستقبل

تُعدّ هذه العينات القديمة أقرب ما يكون إلى “مختبر طبيعي” يتيح للعلماء مقارنة ماضي الأرض بمستقبلها.
فإذا تمكن الباحثون من الربط بين مؤشرات الحرارة ومستويات الغازات الدفيئة وحرارة المحيطات خلال تلك الفترات، فسيكون بوسعهم تحسين دقة النماذج المناخية التي تتنبأ بارتفاع البحار واستقرار الجليد في عالم اليوم الذي يعيد إنتاج ظروف الماضي الدافئ.

قساوة المكان.. وكرم الاكتشاف

توضح الدكتورة سارة شاكليتون أن بقاء الجليد القديم قريبًا من السطح يعود إلى “تفاعل نادر بين الرياح العاتية والبرودة القاسية”، إذ تمنع الرياح تراكم الثلوج الجديدة بينما يُبطئ البرد حركة الجليد، ما يجعل بعض الجيوب الجليدية تُحفظ لآلاف القرون دون أن تذوب.
لكنها تضيف أن العمل الميداني في “ألان هيلز” يُعد من الأصعب في العالم، حيث يواجه الفريق درجات حرارة شديدة الانخفاض ورياحًا تكاد تقتلع المعدات.

اكتشاف جليد في أنتاركتيكا عمره 6 ملايين سنة يكشف أسرار تبريد الأرض

خطط مستقبلية.. نحو أزمنة أعمق

من المقرر أن تعود فرق المشروع إلى المنطقة في الأعوام المقبلة ضمن خطة تمتد حتى عام 2031، بهدف توسيع مكتبة الجليد القديم وربما تجاوز الستة ملايين سنة.
وإذا نجح العلماء في الوصول إلى جليد أقدم، فسيكون ذلك أقرب خطوة علمية إلى “قراءة سجل الأرض قبل تشكل القطب الجنوبي الحديث”.

يقول أحد أعضاء الفريق:

“ما وجدناه في ألان هيلز ليس مجرد جليد، بل صفحات من تاريخ الكوكب ذاته، وكل فقاعة هواء فيها جملة من قصة مناخ الأرض.”

خاتمة تحليلية

هذا الاكتشاف لا يعيد رسم خريطة الماضي فحسب، بل يمنح العلماء مرآة لمستقبل المناخ.
فما حدث قبل ستة ملايين عام من دفءٍ وارتفاعٍ في مستوى البحر، يحدث اليوم بوتيرة أسرع بسبب النشاط البشري.
وبينما تتسابق المختبرات العالمية لفهم حساسية القطبين، يثبت هذا الجليد القديم أن الزمن المتجمد يمكن أن يهمس بالحقيقة التي نحتاجها لإنقاذ المستقبل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading