لم يعد تغير المناخ قضية بيئية مجردة، أو شأنًا يقتصر على ذوبان الجليد وارتفاع درجات الحرارة، بل أصبح عاملًا مباشرًا يعيد تشكيل أبسط تفاصيل الحياة اليومية، وعلى رأسها الغذاء الذي يصل إلى موائد البشر وجودته وقيمته الغذائية. ففي عالم يتزايد فيه الضغط البيئي، لم تعد الأسئلة تقتصر على “كم ننتج من الغذاء؟”، بل امتدت إلى سؤال أكثر خطورة: ما القيمة الغذائية لما نأكله؟ وهل ما زال الغذاء قادرًا على تلبية احتياجات الإنسان الصحية؟
دراسة حديثة لباحثين من جامعة كاليفورنيا – إيرفاين، نُشرت في دورية Advances in Nutrition، تفتح هذا الملف الشائك، وتسلط الضوء على العلاقة الخفية بين التغيرات البيئية، وتدهور جودة الغذاء، والجدل المتصاعد حول الدور المحتمل للمكملات الغذائية في عالم يتغير مناخيًا.
المناخ يغير ما بداخل الطعام لا شكله فقط
تؤكد الأدلة العلمية المتراكمة أن الضغوط المناخية لا تؤثر فقط على كميات المحاصيل، بل على تركيبتها الغذائية نفسها. موجات الحر الطويلة، والجفاف المتكرر، والفيضانات المفاجئة، والعواصف العنيفة، جميعها تضرب دورات الزراعة والحصاد، وتؤدي إلى تراجع جودة التربة والمياه، وتزيد من خسائر الإنتاج.
لكن الأخطر، بحسب الباحثين، هو التأثير غير المرئي لارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. فقد أظهرت دراسات متعددة أن زيادة تركيز هذا الغاز تؤدي إلى انخفاض محتوى محاصيل أساسية مثل القمح والأرز من الحديد والزنك والبروتين. وهكذا، تبقى السعرات الحرارية متوافرة، بينما تتراجع المغذيات الدقيقة الضرورية للصحة.
هذه المفارقة تشكل تهديدًا عالميًا، إذ يعتمد مئات الملايين من البشر، خاصة في الدول النامية، على هذه المحاصيل كغذاء رئيسي يومي، ما يفتح الباب أمام موجة صامتة من نقص المغذيات حتى في غياب المجاعات التقليدية.
النظم الحيوانية والبحرية ليست بمنأى عن الخطر
لا يقتصر التأثير المناخي على الزراعة النباتية فقط، بل يمتد إلى الثروة الحيوانية والمصايد البحرية. فارتفاع درجات الحرارة يضع الحيوانات تحت ضغط حراري يقلل من إنتاجيتها وجودة لحومها وألبانها، بينما تعاني النظم البحرية من تغيرات حادة في توزيع الأسماك وتوازن النظم البيئية.
كما يؤدي تراجع أعداد الملقحات، مثل النحل، إلى انخفاض إنتاج الفواكه والخضراوات والمكسرات والبذور، وهي مصادر أساسية لفيتامينات حيوية مثل فيتامين A وحمض الفوليك. وبهذا، يتآكل التنوع الغذائي الذي تعتمد عليه الأنظمة الغذائية الصحية.
من اضطراب الغذاء إلى تهديد الصحة العامة
يعرّف الباحثون الأمن التغذوي بأنه القدرة المستمرة على الوصول إلى غذاء آمن، ومغذٍ، وميسور التكلفة. لكن تغير المناخ يضرب هذا المفهوم في صميمه، عبر تعطيل سلاسل الإمداد، ورفع الأسعار، وتقليص إتاحة الغذاء الطازج، خاصة في المجتمعات الفقيرة والهشة.
ويؤدي سوء التغذية الناتج عن هذه الاضطرابات إلى زيادة مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب والسكري وضعف المناعة. وتُعد الفئات الأكثر هشاشة – الأطفال، وكبار السن، والحوامل، والمصابون بأمراض مزمنة – الأكثر تضررًا من هذا التحول.
وتحذر الباحثة مارغريت ناغاي سينغر من أن “التغير البيئي ليس أزمة بيئية فقط، بل أزمة تغذية وصحة عامة، يشعر بها الناس مباشرة في صحتهم وتكاليف علاجهم ونوعية حياتهم”.
الضغوط المناخية تتجاوز الغذاء
تشير الدراسة إلى أن آثار تغير المناخ لا تتوقف عند حدود الطعام، بل تشمل التعرض المتكرر للحر الشديد، وتلوث الهواء، ودخان حرائق الغابات، وانتشار أمراض حساسة للمناخ. هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى زيادة الالتهابات والإجهاد التأكسدي داخل الجسم، ما ينعكس سلبًا على صحة القلب والرئتين والكلى والصحة النفسية.
وتقترح بعض الأبحاث أن مغذيات معينة – مثل الفيتامينات A وC وD وE، والزنك، وأحماض أوميغا-3 – قد تدعم آليات الدفاع البيولوجي للجسم. إلا أن الأدلة لا تزال متباينة، ما يستدعي دراسات أكثر صرامة قبل تبني أي توصيات واسعة.
المكملات الغذائية.. حل جزئي أم وهم صحي؟
في ظل تراجع جودة الغذاء، تعود المكملات الغذائية إلى واجهة النقاش. فالدراسة لا تروج لها كبديل للنظام الغذائي الصحي، لكنها تطرحها كأداة محتملة، محدودة ومشروطة بالأدلة العلمية، لسد فجوات غذائية قد تتسع بفعل التغير المناخي.
غير أن الأسئلة الكبرى ما زالت مطروحة: ما الجرعات الآمنة؟ من المستفيد الحقيقي؟ ما الآثار طويلة المدى؟ وكيف تختلف النتائج باختلاف الأعمار والحالات الصحية؟ فإساءة استخدام المكملات قد تؤدي إلى أضرار صحية، خاصة مع تداخلها مع الأدوية.
ويؤكد الباحث جون وو أن “المكملات ليست بديلًا عن إصلاح نظم الغذاء المختلة، لكنها قد تلعب دورًا محدودًا ومدروسًا مع تفاقم التحديات البيئية”.
البعد البيئي لصناعة المكملات
تلفت الدراسة الانتباه إلى مفارقة أخرى: المكملات نفسها لها بصمة بيئية. فعمليات التصنيع، والتغليف، والنقل، واستخراج المكونات – خاصة تلك المعتمدة على الأسماك أو الموارد النباتية – قد تسهم في التلوث واستنزاف الموارد الطبيعية.
ومع تزايد وعي المستهلكين، تبرز الحاجة إلى تقييم شامل يوازن بين الفوائد الصحية للمكملات وتكلفتها البيئية، مع تشجيع ممارسات إنتاج أكثر استدامة.
إلى أين يتجه البحث العلمي؟
حدد الباحثون ثلاث أولويات بحثية رئيسية:
-
تحديد الفجوات الغذائية الناتجة مباشرة عن التغيرات البيئية.
-
اختبار فعالية المكملات في تعزيز قدرة الجسم على مقاومة الضغوط المناخية.
-
دراسة التأثير المتبادل بين الأنماط الغذائية وصناعة المكملات والبيئة.
ويخلص الباحثون إلى أن مواجهة هذا التحدي تتطلب تعاونًا متعدد التخصصات بين علوم التغذية والمناخ والصحة العامة وصناع القرار، لضمان حلول تحمي الإنسان والبيئة معًا.
في عالم يتغير مناخه بوتيرة متسارعة، لم يعد الغذاء مجرد مسألة إنتاج، بل قضية جودة وعدالة وصحة عامة. والرهان الحقيقي يبقى على العلم، والسياسات الذكية، وبناء نظم غذائية قادرة على الصمود في وجه مستقبل مناخي غير مستقر.
