تشهد أستراليا شتاءً استثنائيًا قد يكون الأدفأ في تاريخها المسجل، بعدما سجلت عدة مدن درجات حرارة قياسية خلال الأسابيع الأولى من الموسم، في ظل استمرار تأثيرات الاحترار العالمي وتطور ظاهرة “إل نينيو” المناخية.
وأظهرت البيانات المناخية أن العديد من المناطق الأسترالية حطمت بالفعل أرقامًا قياسية لدرجات الحرارة العظمى والصغرى خلال بداية الشتاء.
ففي جنوب البلاد، سجلت مدينتا سيدني وملبورن أدفأ بداية شتاء على الإطلاق، حيث ظلت درجات الحرارة أعلى من معدلاتها الطبيعية خلال معظم أيام شهر يونيو.
كما شهدت أديلايد درجات حرارة تفوق المتوسط الموسمي طوال الأسابيع الثلاثة الأولى من يونيو، في حين سجلت هوبارت وكانبيرا بدايات شتوية معتدلة بشكل ملحوظ.
وتبقى مدينة بيرث العاصمة الجنوبية الوحيدة التي حافظت حتى الآن على درجات حرارة قريبة من المعدلات المعتادة لهذا الوقت من العام.
استمرار الدفء خلال الأشهر المقبلة
بحسب التوقعات الموسمية الصادرة عن مكتب الأرصاد الجوية الأسترالي، من المرجح أن تستمر الظروف الدافئة غير الاعتيادية خلال الأسابيع المقبلة، مع توقع فترات طويلة من الطقس الجاف، خاصة خلال أواخر الشتاء وفصل الربيع، بالتزامن مع تطور ظاهرة إل نينيو في المحيط الهادئ.
ورغم ذلك، لا يستبعد العلماء حدوث موجات برد قطبية متفرقة في جنوب أستراليا نتيجة التعرجات التي تصيب التيار النفاث جنوب القارة. وتؤدي هذه التعرجات أحيانًا إلى اندفاع كتل هوائية باردة نحو الشمال، ما يسمح بحدوث فترات قصيرة من الطقس البارد أو تساقط الثلوج.
لكن آفاق موسم التزلج الأسترالي لعام 2026 تبدو ضعيفة حتى الآن، بسبب محدودية تراكمات الثلوج المتوقعة. ومع ذلك، يشير الخبراء إلى أن عاصفة ثلجية قوية أو اثنتين قد تغيران المشهد بالكامل خلال الموسم.
جزء من ظاهرة عالمية أوسع
لا تُعد أستراليا حالة استثنائية، إذ تأتي هذه التطورات ضمن اتجاه عالمي متزايد نحو تسجيل درجات حرارة أعلى من المعتاد في مختلف أنحاء العالم.
ففي أوروبا الغربية، شهدت بداية صيف مبكرة مصحوبة بموجة حر شديدة وغير مسبوقة. وسجلت المملكة المتحدة في 26 يونيو أعلى درجة حرارة لشهر يونيو في تاريخها بلغت 37.3 درجة مئوية، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل عام 1976.
كما تجاوزت درجات الحرارة حاجز 40 درجة مئوية في مناطق واسعة من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا، وسط مستويات مرتفعة من الرطوبة، ما جعل موجة الحر أكثر قسوة وخطورة.
ويرى الباحثون أن هذه الأحداث تؤكد أن الظواهر المناخية المتطرفة أصبحت جزءًا متكررًا من الواقع الجديد الذي يفرضه تغير المناخ العالمي.
لماذا ترتفع حرارة الشتاء الأسترالي؟
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الاحترار غير المعتاد في أستراليا يرتبط بشكل مباشر بارتفاع حرارة الغلاف الجوي والمحيطات نتيجة النشاط البشري والانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
كما أدت التغيرات المناخية إلى تحولات واسعة في أنماط دوران الغلاف الجوي في نصف الكرة الجنوبي، بما في ذلك انتقال مسارات التيارات النفاثة والعواصف نحو القطب الجنوبي.
وأدى ذلك إلى مرور العديد من الأنظمة المطرية جنوب أستراليا بدلًا من عبورها فوق القارة، ما تسبب في تراجع الأمطار الشتوية والربيعية وزيادة سيطرة أنظمة الضغط الجوي المرتفع.
وتسهم هذه الأنظمة في خلق أجواء مستقرة وسماء صافية، ما يسمح بارتفاع درجات الحرارة خلال النهار بشكل أكبر من المعتاد.
كما أن ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ قبالة الساحل الشرقي لأستراليا يدفع بكتل هوائية دافئة ورطبة نحو جنوب شرق البلاد، الأمر الذي يرفع درجات الحرارة الليلية أيضًا.
هل ينتظر أستراليا صيف قياسي جديد؟
يرى العلماء أن الإجابة ما زالت غير محسومة، لكن المؤشرات الحالية تدعو إلى القلق.
فمع استمرار الاحترار العالمي وعودة إل نينيو، تزداد احتمالات تعرض جنوب شرق أستراليا لصيف أكثر حرارة وجفافًا، وهو مزيج يرتبط عادة بارتفاع خطر موجات الحر والجفاف وحرائق الغابات واسعة النطاق.
وتُعد مدينة ملبورن من أكثر المناطق عرضة للمخاطر، إذ تعاني خزانات المياه فيها من انخفاض ملحوظ، حيث تراجعت مستويات التخزين إلى نحو 64%، وهو أدنى مستوى منذ فترة الجفاف الحاد بين عامي 2017 و2019.
ورغم هذه المؤشرات، يؤكد الباحثون أن ظاهرة إل نينيو لا تؤدي دائمًا إلى صيف شديد الحرارة، كما أن بعض الأنماط المناخية الأخرى، مثل التذبذب الحلقي الجنوبي، قد تجلب جبهات هوائية باردة وأمطارًا إضافية خلال الأشهر المقبلة.
ومع ذلك، فإن الاتجاه العام للمؤشرات المناخية الحالية يشير إلى أن أستراليا قد تكون مقبلة على موسم صيفي أكثر حرارة وجفافًا من المعتاد، مع تزايد احتمالات تسجيل أرقام قياسية جديدة في درجات الحرارة.
