أحداث مناخية بحرية مركبة تتكرر 4 مرات أكثر من المتوقع.. ما القصة؟
موجات الحر البحرية وتحمّض المحيطات.. تهديدان يضربان معًا ويضاعفان الخطر
لم تعد المحيطات تواجه خطر ارتفاع درجات الحرارة أو زيادة الحموضة كلٌّ على حدة، إذ تكشف دراسة جديدة أن موجات الحر البحرية والأحداث الشديدة المرتبطة بتحمّض المحيطات يمكن أن تحدث في الوقت نفسه بصورة أكثر تكرارًا مما كان متوقعًا، ما يضاعف الضغوط التي تتعرض لها النظم البيئية والحياة البحرية.
وتشير النتائج إلى أن اجتماع هذين العاملين قد يكون أكثر ضررًا من تأثير كل منهما منفردًا، خصوصًا في المناطق الواقعة عند خطوط العرض المنخفضة والمتوسطة، حيث تحدث هذه الأحداث المركبة بنحو أربعة أضعاف المعدل المتوقع بالصدفة.
وتأتي أهمية هذه النتائج في ظل استمرار ارتفاع حرارة المحيطات وتزايد ظواهر الحرارة البحرية الشديدة حول العالم، بما في ذلك موجة حر بحرية قوية شهدها المحيط الأطلسي والبحر المتوسط في أغسطس 2026.
خطر مزدوج على الحياة البحرية

تُعد موجات الحر البحرية من أخطر الظواهر المناخية التي تواجه المحيطات، إذ يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة المياه لفترات طويلة، وتدفع الكائنات البحرية إلى تغيير نطاق انتشارها أو البحث عن مناطق أكثر ملاءمة للبقاء.
وفي الوقت نفسه، يمثل تحمّض المحيطات تهديدًا مستقلًا للكائنات البحرية، خصوصًا الأنواع التي تعتمد على كربونات الكالسيوم في بناء أصدافها وهياكلها.
لكن عندما تتزامن موجة حر بحرية مع حدث شديد من تحمّض المحيط، يمكن أن تتفاقم التأثيرات الناجمة عن كل عامل، لتتعرض النظم البيئية البحرية لضغط مزدوج.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما عُرف باسم «Blob»، وهي موجة الحر البحرية التي ضربت شمال شرق المحيط الهادئ خلال الفترة من 2013 إلى 2015، بالتزامن مع حدث شديد من تحمّض المحيطات.
وتسببت تلك الظاهرة في اضطرابات واسعة، شملت إغلاق مصايد الأسماك، وجنوح الثدييات البحرية، ونفوق الطيور البحرية، إلى جانب تغير نطاق انتشار العديد من الكائنات البحرية أو نفوقها.
43 عامًا من بيانات المحيطات
لفهم هذه الظاهرة المركبة بصورة أفضل، حلل الباحثان لوك جريجور وجروبر بيانات شهرية امتدت على مدار 43 عامًا، من 1982 إلى 2024.
وشملت البيانات درجات حرارة سطح المحيط ومستويات الحموضة، بهدف تحديد الأماكن والأوقات التي وقعت فيها الأحداث المركبة، إلى جانب فهم العوامل التي ساعدت على حدوثها.
واعتبر الباحثان أن الحدث المتطرف يحدث عندما تتجاوز قيم درجة الحرارة والحموضة، بعد إزالة الاتجاهات طويلة الأجل، المئين الخامس والتسعين.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية AGU Advances، وكشفت النتائج أن الأحداث التي تجمع بين موجات الحر البحرية والتغيرات الشديدة في حموضة المحيطات تحدث بصورة متكررة أكثر مما يمكن تفسيره بمجرد المصادفة.
لماذا تجتمع الحرارة مع زيادة الحموضة؟

تحدث غالبية هذه الظواهر المركبة في المناطق الواقعة عند خطوط العرض المنخفضة والمتوسطة، خصوصًا في المناطق التي تتميز بطبقات مائية مستقرة ولا تختلط بسهولة.
وفي هذه المناطق، يمكن لموجات الحر البحرية أن تؤدي إلى تغيرات في كيمياء المياه تجعلها أكثر حموضة.
ويشير الباحثون إلى أن طبيعة الطبقات المائية تلعب دورًا مهمًا في تحديد العلاقة بين الحرارة والحموضة، إذ يمكن لارتفاع حرارة المياه السطحية أن يؤثر في حركة المياه وفي العمليات الكيميائية والبيولوجية التي تتحكم في مستويات الحموضة.
وتظهر الظاهرة بصورة مختلفة في المناطق التي تشهد صعود المياه العميقة إلى السطح، والمعروفة باسم التيارات الصاعدة أو الرفع المائي.
المحيط الهادئ والقطبان.. نمط مختلف
كانت الأحداث المركبة الأقل شيوعًا في شرق المحيط الهادئ الاستوائي وحول المناطق القطبية، حيث تصعد المياه العميقة إلى السطح.
وعندما تضرب موجة حر بحرية هذه المناطق، يمكن لطبقة دافئة تتشكل بالقرب من السطح أن تمنع وصول المياه العميقة الأكثر حموضة إلى الأعلى.
ونتيجة لذلك، قد يؤدي ارتفاع حرارة سطح المياه في هذه المناطق إلى انخفاض غير معتاد في الحموضة بدلًا من حدوث موجة حرارة مصحوبة بزيادة شديدة في الحموضة.
وهذا يوضح أن العلاقة بين حرارة المحيط وحموضته ليست متطابقة في جميع أنحاء العالم، وإنما تعتمد بدرجة كبيرة على حركة المياه وبنية الطبقات البحرية والظروف المناخية المحلية.
معظم الأحداث تستمر شهرًا

وجدت الدراسة أن 73% من الأحداث المركبة التي وقعت خلال فترة الدراسة كانت مساحتها أقل من 500 ألف كيلومتر مربع، أي ما يقارب مساحة إسبانيا، واستمرت في المتوسط نحو شهر.
لكن بعض الأحداث كانت أكبر وأكثر استمرارًا، إذ امتدت لفترات تجاوزت عامًا كاملًا.
ويُعد «Blob» الذي ضرب شمال شرق المحيط الهادئ مثالًا بارزًا على هذه الأحداث طويلة الأمد، إذ خلف آثارًا بيئية استمرت لفترة طويلة وأثرت في الحياة البحرية ومصايد الأسماك.
«النينيو» و«النينيا» محركان رئيسيان
تلعب ظاهرتا النينيو والنينيا دورًا مهمًا في حدوث هذه الأحداث المركبة، وخلال ظاهرة النينيو، تؤدي المياه الأكثر دفئًا إلى تشكيل طبقة دافئة تحد من صعود المياه العميقة إلى السطح، وهو ما يخفض عادةً مستوى الحموضة في المنطقة الاستوائية المتأثرة.
أما خلال ظاهرة النينيا، فتصعد المياه الباردة والعميقة، التي تتميز بمستويات أعلى من الحموضة، إلى السطح، ما يؤدي إلى حدوث حالة متطرفة من التحموض.
لكن الأحداث المركبة لا تحدث غالبًا في مركز ظاهرة النينيو أو النينيا في المحيط الهادئ الاستوائي نفسه.
وبدلًا من ذلك، يمكن أن تظهر في المناطق المجاورة نتيجة التأثيرات الممتدة للتغيرات في درجات الحرارة والحموضة، وهو ما يطلق عليه الباحثون التأثيرات المتسلسلة أو غير المباشرة لهذه الظواهر المناخية.
تهديد متزايد للنظم البيئية والمصايد

تكشف الدراسة أن فهم مخاطر المحيطات لم يعد ممكنًا من خلال دراسة كل ظاهرة متطرفة بصورة منفصلة.
فارتفاع درجات الحرارة وتحمّض المحيطات يمكن أن يتفاعلا بطرق تجعل التأثير النهائي أكثر تعقيدًا، خصوصًا على الأنظمة البيئية التي تعاني أصلًا من ضغوط الصيد والتلوث وفقدان الموائل والتغيرات المناخية طويلة الأمد.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بالنسبة إلى مصايد الأسماك والمجتمعات الساحلية التي تعتمد اقتصاديًا وغذائيًا على الموارد البحرية.
كما أن استمرار هذه الأحداث أو تكرارها قد يؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في توزيع الأنواع البحرية، وقد يفرض ضغوطًا إضافية على النظم البيئية وقدرتها على التعافي.
وتشير الدراسة إلى أن فهم العلاقة بين موجات الحر البحرية وتحمّض المحيطات يمكن أن يساعد العلماء على تحديد المناطق الأكثر عرضة لهذه الأحداث المركبة، وتحسين القدرة على تقييم المخاطر المستقبلية التي تواجه المحيطات في ظل تغير المناخ.
وتتوافق النتائج الجديدة مع عدد من الاستنتاجات الرئيسية التي توصلت إليها دراسات سابقة، لكنها تقدم صورة أكثر تفصيلًا عن متى وأين ولماذا تحدث هذه الظواهر المركبة، وتوضح الدور الذي تؤديه حركة المحيطات والنينيو والنينيا في تشكيلها.





