الزراعة الحديثة.. لا خيار واحد.. مزيج استراتيجيات الأرض يضمن الغذاء والطبيعة
الزراعة والبيئة.. كيف يمكن للمزارع إطعام العالم وحماية الحياة البرية في الوقت نفسه؟
إطعام سكان العالم المتزايدين مع الحفاظ على مساحة للحياة البرية يعد أحد أصعب التحديات التي تواجه الزراعة الحديثة.
غالبًا ما تم تقديم هذا الجدل على أنه خيار صارم بين مسارين: إما تكثيف الإنتاج الزراعي لتقليل مساحة الأرض المستخدمة وتوفيرها للطبيعة، أو توزيع الإنتاج على مناطق أوسع باستخدام ممارسات صديقة للبيئة.
لكن هذا الإطار ثنائي الخيارات لم يعكس تعقيدات الواقع، وترك صانعي السياسات بلا وضوح حول أفضل السبل لتحقيق التوازن بين الغذاء والحياة البرية.
دراسة جديدة تبحث عن الإجابة الواقعية
دراسة حديثة نشرت في مجلة PNAS Nexus تناولت السؤال الأساسي: أي أسلوب زراعي يعمل بشكل أفضل لدعم التنوع البيولوجي مع الحفاظ على إنتاج الغذاء بشكل مستدام؟ النتائج تظهر أن الإجابة أكثر تعقيدًا بكثير من الشعارات البسيطة أو المناقشات النظرية.
قاد الدراسة الباحثة إيفا أوجستيني من معهد أبحاث الزراعة العضوية في سويسرا (FiBL) وفريقها، الذين راجعوا بيانات من العديد من المناظر الطبيعية وأنظمة الإنتاج المختلفة.
تحدي الخيارين التقليديين: مشاركة الأرض مقابل حفظ الأرض
قام الفريق بتحليل 57 دراسة سابقة، وتبين أن 17 دراسة فقط توفر المعايير الصحيحة لمقارنة استراتيجيات الزراعة بشكل مباشر، ما أدى إلى 27 حالة مقارنة فعلية يمكن الاعتماد عليها.
– في 52٪ من الحالات، أظهرت النتائج أن مزيجًا من الاستراتيجيات كان الأكثر فعالية
– 41٪ أظهرت أن حفظ الأرض (Land Sparing) أفضل
– 7٪ أظهرت أن مشاركة الأرض (Land Sharing) كانت الأكثر ملاءمة
وأكدت أوجستيني أن البيانات التجريبية لا تدعم القول بأن إحدى الاستراتيجيات أفضل بشكل مطلق في كل الحالات.
التنوع البيولوجي يعقد الصورة
أظهرت المراجعة أن معظم الدراسات ركزت على مجموعة محددة من الكائنات، وخاصة الطيور، مع التركيز على طيور الغابات الاستوائية، في حين غابت الكائنات الدقيقة والتربة والأسماك والميكروبات عن معظم الدراسات.
كما أن معظم الدراسات قيّمت الأداء الزراعي فقط من حيث الغلة، دون النظر إلى الربحية أو استقرار الإنتاج على مدى السنوات أو الخدمات الحيوية المقدمة مثل التلقيح الطبيعي ومكافحة الآفات.
كيف تستخدم المزارع الأرض؟
– مشاركة الأرض (Land Sharing) : تعني ممارسة الزراعة منخفضة الكثافة على مساحات أوسع مع إدخال عناصر بيئية في الحقول والمراعي.
يمكن للمزارعين الحفاظ على أسوار حية، برك، أحزمة شجرية، أو شرائط زهرية، واستخدام ممارسات صديقة للبيئة لدعم الحياة البرية.
– حفظ الأرض (Land Sparing) : يعني تركيز الإنتاج على مناطق صغيرة ذات غلة عالية، مع تخصيص مساحات أكبر دون زراعة لتكون محمية للطبيعة.
الفكرة الأساسية هي تلبية الطلب على الغذاء باستخدام أقل مساحة ممكنة، مع الحفاظ على مساحات طبيعية كبيرة.
النموذج النظري الذي طور عام 2005 ربط استجابة الأنواع بالغلة الزراعية واحتياجات المساحة، وساعد على تنظيم الدراسات الميدانية لاحقًا، لكنه simplified الواقع المعقد على الأرض.
اختلاف احتياجات الأنواع
الأنواع تختلف في احتياجاتها. الطيور التي تعتمد على الغابات غالبًا تحتاج إلى مساحات كبيرة مستمرة، ولا تتكيف جيدًا مع المشهد المبعثر أو الموزايكي.

أظهرت دراسة على مستوى السكان في أوروبا أن الاستراتيجية المبسطة لحفظ الأرض غالبًا تتفوق على المشاركة للأرض للعديد من الأنواع.
بينما نموذج ثلاثي الأبعاد يقترن فيه habitat المحفوظ ببعض الأراضي الزراعية منخفضة الغلة يحسن النتائج أكثر.
المناخ، حجم المزارع، وقدرة الكائنات على الحركة يؤثرون أيضًا على النتائج. فالملقحات المفصلية والمفترسات المتحركة يمكنها التكيف في المناظر الزراعية المختلطة، بينما البرمائيات والزواحف والثدييات التي تعتمد على تجاويف الأشجار تحتاج إلى مناطق محمية ومستقرة.
الاقتصاد والتربة لهما دور كبير
العوامل الاقتصادية والسياسات الزراعية تؤثر بشكل كبير على النتائج. أظهرت تحليلات عبر عدة دول أن زيادة الغلة لا تضمن بالضرورة توفير مساحة للطبيعة، خصوصًا في مناطق تحفز فيها الدعم الحكومي أو السوق على التوسع الزراعي.
جودة التربة تحدد حدود ما يمكن تحقيقه من زيادة الغلة قصيرة الأمد. فمراجعات عالمية وثقت كيف يؤدي التآكل، الانضغاط، وأشكال أخرى من تدهور التربة إلى تقليل الإنتاجية على المدى الطويل، وزيادة مخاطر تحويل مساحات جديدة للزراعة.
كما أشار عالم البيئة ريس غرين عام 2005 إلى أن زيادة الغلة قد تقلل الحاجة إلى الأراضي الزراعية، لكن النمو في الطلب وتأثيرات الاسترجاع (rebound effects) يمكن أن تلغي هذه المكاسب. حتى النظرية التي تدعم حفظ الأرض حذرت من التبسيط المفرط.
المزارع المزدهرة هي المزارع المتنوعة
إدخال شرائط زهرية، أسوار حية، وتناوب محاصيل متنوع يعزز التنوع البيولوجي ويزيد من استقرار الخدمات الزراعية على المزارع.
أظهرت تحليلات شاملة أن التنوع الزراعي يدعم التلقيح الطبيعي، مكافحة الآفات، دورة المغذيات، خصوبة التربة، وتنظيم المياه، دون التضحية بالغلة الإجمالية.
المناطق المحمية لا تزال مهمة، إذ بعض الأنواع لا يمكنها البقاء في الأراضي الزراعية مهما كانت الممارسات صديقة للبيئة، وبالتالي تبقى الأراضي المحمية جزءًا لا غنى عنه.
الاتصال بين المساحات مهم أيضًا، الممرات الطبيعية وعناصر الحقول تساعد على تقليل عزلة المناطق المحمية، وتسمح للكائنات المفيدة بالتنقل بين الأراضي الزراعية.
الحلول المحلية تقلل الضغط على الطبيعة
اختيارات نظم الغذاء المحلية يمكن أن تخفف الضغط على الأراضي، فخفض الفاقد واستخدام المحاصيل بذكاء لتغذية الإنسان بدلًا من علف الحيوانات يقلل من المساحات المطلوبة للإنتاج، مما يعزز إمكانية الحفاظ على المزيد من الأراضي البرية.

السياسات المحلية يجب أن تكون محددة
بدلاً من التساؤل عن أي استراتيجية هي الأفضل بشكل عام، يجب السؤال: ما هو المزيج الأمثل بين الأراضي المحمية والمزارع المشتركة لكل منطقة؟ ذلك يعتمد على الأنواع الموجودة، التربة، المناخ، والأسواق المحلية.
يجب قياس أكثر من مجرد الغلة، بما في ذلك الربحية، الاستقرار على مدى السنوات، والخدمات البيئية الحيوية التي تدعم إنتاجية المزارع على المدى الطويل.
ويجب ربط أي تكثيف زراعي بالحماية الفعلية للأرض، إذ أن حفظ الأرض لا ينجح إلا إذا كانت الأراضي المخصصة للحماية محمية بالفعل، ومتصلة، ومعاد تأهيلها عند الحاجة.
الاستثمار في البيانات حيث تنقص المعلومات ضروري، خصوصًا حول الميكروبات والفطريات وأعضاء التربة الأخرى التي تدعم خصوبة الأرض ومرونتها، والتي غالبًا ما تُهمل في الدراسات الحالية.
الخلاصة
النموذج النظري المبكر كان تجربة فكرية مفيدة، لكن قرارات اليوم تحتاج إلى بيانات محلية دقيقة، أهداف واضحة، وسياسات تضمن تحقيق الفوائد البيئية والزراعية معًا.
من خلال المزيج المناسب بين حفظ الأرض ومشاركتها، يمكن للمزارع أن تلعب دورًا مزدوجًا: تلبية الاحتياجات الغذائية للبشر وحماية التنوع البيولوجي في نفس الوقت.





