الحرب على إيران وإعادة رسم الشرق الأوسط.. من يربح ومن يخسر؟ هل تحقق أمريكا نصرا عسكريا بدون مكاسب استراتيجية؟

إطالة أمد الحرب.. رهان إيراني يربك الحسابات الأميركية.. الشرق الأوسط أمام مخططات جديدة

في مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، تناول المحلل فريد زكريا تعقيدات الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، مشيرًا إلى أن أبرز هذه التعقيدات يتمثل في اختلاف، بل وتضارب، المخططات الإستراتيجية للبلدين.

فإسرائيل لا ترى بأسًا في أن تسود الفوضى داخل إيران، أو أن يتحول الوضع فيها إلى سيناريو شبيه بما حدث في سوريا خلال حكم بشار الأسد، من دون اكتراث كبير بالتداعيات المحتملة على المنطقة.

أما الولايات المتحدة، فلا ترغب في أن تتحول المنطقة إلى ساحة فوضى قد تكون أشد قسوة من تلك التي أعقبت سقوط نظام صدام حسين في العراق، وهو موقف يتقاطع مع مخاوف دول الخليج المجاورة. فواشنطن تسعى إلى ما يشبه «عملية جراحية» تستأصل الخطر، في حين تبدو إسرائيل أكثر ميلاً إلى بتر جذري، حتى لو أدى ذلك إلى تعقيدات لاحقة.

ولا يمكن لهذا التباين بين الحليفين الإستراتيجيين إلا أن ينعكس سلبًا على الغموض الإستراتيجي الذي يلف الحرب. ولم تعد كبريات الصحف الأميركية ومراكز البحث تتجاهل هذا التباين أو تتغاضى عنه.

اضطرابات الشحن في الخليج تربك أسواق الأسمدة وتهدد الإنتاج الزراعي

اختلاف الأهداف من الحرب بين أمريكا وإسرائيل

بدايةً، يمكن القول إن السيناريو الذي دخلت به الولايات المتحدة الحرب، والذي استحضر سابقة الإطاحة برئيس فنزويلا نيكولاس مادورو – أو إسقاط رأس النظام مع الإبقاء على بنيته – لم يعد قائمًا.

كما أن استراتيجية «الصدمة والترويع» لم تحقق النتائج المتوقعة، رغم اغتيال المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي وعدد من القيادات العسكرية والاستخباراتية في الحرس الثوري.

ورغم الضربة القاسية، استطاعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية امتصاص الصدمة، مستندة إلى جاهزية تنظيمية للحرس الثوري تقوم على ما يسمى «تنظيم الفسيفساء»، أي استقلالية الوحدات في اتخاذ القرار والمبادرة استنادًا إلى مرجعية أيديولوجية مشتركة.

كما تم اختيار مرشد أعلى جديد سريعًا، بتعيين نجل المرشد الراحل، آية الله مجتبى خامنئي.

في هذه المرحلة، تلعب الرمزية دورًا مهمًا؛ إذ قد لا يستطيع مجتبى أن يملأ مكانة والده أو أن يرث كاريزمته، لكن تعيينه يوفر غطاءً سياسيًا للحرس الثوري ليظل الفاعل الأساسي في مركز القرار، ويضمن استمرار التوجه الراديكالي للنظام.

كما يحمل هذا التعيين رسالة إلى الولايات المتحدة التي تستحضر سابقة الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق في خمسينيات القرن الماضي وإعادة الشاه محمد رضا بهلوي. غير أن مثل هذا السيناريو لن يقبله الإيرانيون، حتى من داخل صفوف المعارضة، إذ يرفضون أن تحدد واشنطن أو تل أبيب من يتولى الحكم في بلادهم.

تعطل شحن الأسمدة عبر مضيق هرمز يهدد الأمن الغذائي العالمي

فشل مخطط دفع الناس إلى التظاهر

وكان المخطط الرديف لسياسة «الصدمة والترويع» يتمثل في دفع الشارع الإيراني إلى التظاهر. غير أن ما حدث كان عكس ذلك، إذ ساد نوع من السكون داخل المعارضة بعد استهداف المدنيين، كما حدث في ضربة استهدفت مدرسة بمدينة ميناب وأسفرت عن مقتل عشرات الفتيات، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية، ومنها مصافي النفط، وما ينجم عن ذلك من أضرار بيئية واقتصادية.

كما اعتُبر تحريك الورقة الكردية خطأً إستراتيجيًا آخر، إذ أدى إلى إحجام المعارضة عن التحرك، سواء داخل إيران أو خارجها. فثمة فرق بين معارضة نظام سياسي، وبين أن تُستغل هذه المعارضة في مشروع لتفكيك وحدة الدولة.

وزاد من حدة المخاوف تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب حول إمكانية إعادة النظر في «الهندسة الترابية» لإيران، أي وحدة أراضيها. وفي ظل هذه الظروف، يظهر النظام – بمؤسساته العسكرية والأمنية – بوصفه الحامي لوحدة البلاد، ما جعل المعارضة تتجنب أي تحركات قد تُفسَّر على أنها دعم لمشاريع تقسيم.

على الصعيد العسكري، ورغم الضربات القاسية التي تلقاها النظام الإيراني في بنيته العسكرية ومنصات الصواريخ ومخزونها ومصانع الأسلحة ومنظومات الدفاع الجوي، فإنه تمكن من توجيه ضربات دقيقة إلى أهداف أميركية وإسرائيلية، الأمر الذي أثار دهشة المراقبين.

وسعى الجناح المتشدد داخل النظام إلى توسيع نطاق المواجهة، عبر استهداف دول في الخليج والعراق والأردن، بل والتلميح إلى إمكانية توسيعها لتشمل أذربيجان وتركيا وقبرص.

ويحمل هذا الخيار مخاطر كبيرة، وقد يعكس حالة من اليأس أو المغامرة غير المحسوبة، إذ قد يرهن مستقبل إيران وعلاقاتها الإقليمية، خصوصًا مع دول الخليج وتركيا.

مجتبي خامنئ المرشد الأعلى الجديد لإيران

المواجهة الاقتصادية

في المقابل، نقل الحرس الثوري جزءًا من المواجهة إلى المجال الاقتصادي عبر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز واستهداف سلاسل إمدادات النفط والغاز بهدف إحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية.

كما تحرك حزب الله على الجبهة اللبنانية فيما سمي «معركة الإسناد»، غير أن ذلك لا يكفي لتحقيق توازن عسكري، لأن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تبقى حربًا غير متكافئة.

والحروب غير المتكافئة لا تُحسم دائمًا بالعامل العسكري وحده. ولذلك تسعى الولايات المتحدة إلى تسريع حسم الصراع، في حين تراهن إيران على إطالة أمد المواجهة، لأن استمرار الحرب يضاعف آثارها الاقتصادية والجيوسياسية على العالم.

لكن هذه الإستراتيجية قد ترتد أيضًا على الولايات المتحدة داخليًا، إذ بدأت قاعدة ترامب الانتخابية، المعروفة بحركة «ماغا» (أمريكا أولًا)، تعبر عن رفضها للحرب، كما ظهرت تصدعات داخل الحزب الجمهوري قد يستثمرها الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية المقبلة.

تصعيد الحرب يضع مضيق هرمز في قلب العاصفة الاقتصادية العالمية

وفي خضم هذه التطورات، أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طرح فكرة «إعادة هندسة الشرق الأوسط»، والتي تقوم على ثلاثة عناصر رئيسية:

أولًا: إسقاط النظام في إيران باعتباره مدخلًا لإعادة تشكيل خريطة المنطقة.
ثانيًا: تكريس مفهوم «إسرائيل الكبرى».
ثالثًا: إعادة رسم الخرائط داخل دول الشرق الأوسط، بما في ذلك ضم الضفة الغربية بالكامل وتحويل غزة إلى كيان معزول يشبه «البانتوستان» الذي عرفته جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري.

وفي ظل هذه السيناريوهات، يطرح سؤال جوهري: هل يمكن أن يتحول النصر العسكري الأميركي – الذي لا يشكك أحد في قدراته – إلى نصر على طريقة القائد الإغريقي بيروس، الذي انتصر في المعركة لكنه خسر جيشه؟ وهو ما أصبح يُعرف تاريخيًا بـ«النصر البيروسي»؛ أي نصر عسكري يقود في النهاية إلى هزيمة إستراتيجية.

Exit mobile version