لطالما كانت القمة العالمية للمناخ مسرحًا للوعود الوردية؛ حيث تعهدت الدول الصناعية بتقديم مليارات الدولارات لمساعدة البلدان النامية على التكيف مع آثار تغيّر المناخ والتحول إلى الطاقة النظيفة، لكن الواقع على الأرض يحكي قصة مختلفة فمنذ قمة ريو عام 1992، والدول الغنية تتعهد بتقديم الدعم المالي والتكنولوجي للدول النامية لمواجهة آثار تغيّر المناخ.
وقد بلغت هذه الوعود ذروتها في اتفاق باريس 2015، حيث التزمت الدول المتقدمة بتقديم 100 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2020، ومع ذلك تشير التقارير إلى أن هذه الوعود لم تتحقق بالكامل، وأن الفجوة التمويلية لا تزال كبيرة.
أحد أبرز مظاهر عدم الالتزام هو استمرار الدول الغنية في دعم مشاريع الوقود الأحفوري، سواء داخل بلادها أو في الخارج. فبينما تدعو هذه الدول نظيراتها النامية إلى التحول للطاقة المتجددة، نجدها في الوقت نفسه تستثمر في صناعات تزيد من الانبعاثات الكربونية.
هذا التناقض الصارخ لا يقوّض مصداقية الدول المانحة فحسب، بل يضع الدول النامية في مأزق؛ إذ تضطر للاختيار بين التنمية الاقتصادية السريعة عبر مصادر الطاقة التقليدية أو الاستثمار في حلول مكلفة وصعبة التحقيق.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الدعم المقدم غالبًا ما يكون في صورة قروض وليس منحًا، مما يزيد من أعباء الديون على الدول الفقيرة. هذا النهج يلقي بظلاله على قدرة هذه الدول على تنفيذ مشاريع التكيّف والتخفيف من آثار تغيّر المناخ. فبدلاً من أن يكون الدعم طوق نجاة، يصبح عبئًا إضافيًا يثقل كاهلها.
يمثل مسار مؤتمرات الأطراف (COP) من COP27 إلى COP30 محطة مهمة في العمل المناخي العالمي، حيث شهد كل مؤتمر تحديات فريدة، وإنجازات ملموسة، وإخفاقات تستدعي التفكير العميق.
وفيما يلي استعراض لأهم ما يميز هذه المؤتمرات من منظور المناخ والدول المانحة، مع توصيات “خارج الصندوق” لتعزيز فعاليتها:
(COP27) – شرم الشيخ، مصر
-
التحديات: انعقد المؤتمر تحت شعار “التحول من الوعود إلى التنفيذ”، وواجهت مصر تحديات تنظيمية كبيرة بسبب ضيق الوقت، كما ظل التمويل المناخي عقبة رئيسية، خاصة مع عدم وفاء الدول المتقدمة بالتزاماتها بتقديم 100 مليار دولار سنويًا.
-
الإنجازات:
-
صندوق الخسائر والأضرار: الإنجاز الأبرز تمثل في الاتفاق على إنشاء صندوق لتعويض الدول النامية الأكثر تضررًا من تغيّر المناخ، وهو مطلب قديم.
-
برنامج عمل التخفيف: إطلاق برنامج لتعزيز الطموح المناخي وتنفيذ استراتيجيات تخفيف الانبعاثات بشكل عاجل.
-
-
الإخفاقات: غياب التقدم الكافي في خفض الانبعاثات والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، وعدم حسم مصادر تمويل صندوق الخسائر والأضرار ومعايير الاستحقاق.
-
الدول المانحة: شهدت المناقشات حول التمويل جدلاً واسعًا، إذ ترددت الدول المتقدمة في تقديم التزامات مالية واضحة.
(COP28) – دبي، الإمارات العربية المتحدة
-
التحديات:
تمثل التحدي في تحقيق توافق حول مستقبل الوقود الأحفوري، مع أهداف إماراتية طموحة تتطلب جهودًا دبلوماسية مكثفة.
-
الإنجازات:
-
اتفاق الإمارات التاريخي: للمرة الأولى يذكر “الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري” في وثيقة ختامية، خطوة مهمة نحو إنهاء عصره.
-
تفعيل صندوق الخسائر والأضرار: مع تعهدات مالية فورية من بعض الدول.
-
تعهدات طموحة: زيادة إنتاج الطاقة المتجددة ثلاث مرات ومضاعفة كفاءة الطاقة.
-
-
الإخفاقات:
غياب جدول زمني واضح للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، مما ترك المجال لتفسيرات مختلفة.
-
الدول المانحة: ارتفاع التعهدات المالية، خاصةً لصندوق الخسائر والأضرار، بمساهمات من ألمانيا والإمارات والولايات المتحدة واليابان.
(COP29) – باكو، أذربيجان
-
التحديات:
التمويل المناخي محور المؤتمر، مع صعوبة الاتفاق على هدف تمويل جماعي جديد (NCQG).
-
الإنجازات:
-
هدف التمويل الجديد: الاتفاق على رفع التمويل المناخي للدول النامية إلى 300 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2035.
-
زيادة التمويل من القطاع الخاص: التعاون لرفع التمويل إلى 1.3 تريليون دولار سنويًا بحلول 2035.
-
-
الإخفاقات: بقاء بعض تفاصيل التمويل دون حسم، ما يفتح الباب لنقاشات لاحقة.
-
الدول المانحة: في الصدارة الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا واليابان ونيوزيلندا.
(COP30) – بيليم، البرازيل
-
التحديات: التركيز على حماية الطبيعة وخاصة غابات الأمازون كمصارف كربون أساسية، مع تحدي تحقيق التوازن بين البيئة والتنمية الاقتصادية.
-
الإنجازات: من المتوقع التركيز على “الحلول القائمة على الطبيعة” وربطها بالتمويل المناخي وإيجاد آليات فعالة لحماية الغابات والتنوع البيولوجي.
-
الإخفاقات: قد يصعب تحقيق توافق حول آليات التمويل المبتكرة وقد تظهر خلافات بين الدول المتقدمة والنامية.
-
الدول المانحة: من المنتظر زيادة الالتزامات المالية لدعم برامج مكافحة إزالة الغابات وإعادة تأهيل النظم البيئية.
التوصيات “خارج الصندوق”:
-
ربط التمويل المناخي بالمساءلة والشفافية عبر منصة رقمية عالمية لمتابعة تدفق الأموال وأثرها.
-
إنشاء صناديق تمويل دوارة بدلاً من المنح التقليدية لضمان استدامة التمويل.
-
فرض ضريبة مناخية عالمية على انبعاثات الكربون أو أرباح شركات الوقود الأحفوري لصالح صندوق الخسائر والأضرار ومشاريع الطاقة المتجددة.
-
تشجيع شراكات مباشرة بين القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني في الدول النامية لتمويل مشاريع مبتكرة.
-
إنشاء “بنك مناخي عالمي” مستقل عن المؤسسات المالية التقليدية لتمويل العمل المناخي بكفاءة.
-
إطلاق “معرض تكنولوجيا المناخ” العالمي بالتوازي مع مؤتمرات المناخ لربط المطورين بالدول النامية والشركات.
ختامًا، يمكن القول إن الدول المانحة لم تفِ بوعودها بالكامل، وتتحرك ببطء نحو الوفاء بها.
فالأهداف المعلنة كثيرًا ما تظل حبرًا على ورق، بينما تستمر المصالح السياسية والاقتصادية في السيطرة على القرارات، مما يزيد من أزمة المناخ وحالة عدم الثقة بين الدول ويقضي على آمال الملايين من أبناء الدول النامية في مستقبل أكثر عدلاً واستدامة.
