أخبارالاقتصاد الأخضرالتنوع البيولوجي

91 % من الشركات الكبرى لا تقيس تأثيرها على التنوع البيولوجي

مؤشر بيئي واحد قد يخدع الشركات.. دراسة تكشف فجوة في حماية التنوع البيولوجي

دراسة من جامعة لوند تكشف أن 8 شركات فقط من بين 89 شركة عالمية كبرى شملها التحليل تستخدم مؤشرات لقياس تأثيرها على التنوع البيولوجي، وأن شركتين فقط تجمعان بين أكثر من مؤشر، ما يهدد بإغفال أنواع وموائل طبيعية مهمة رغم الإفصاح عن الأداء البيئي.

في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط على الشركات العالمية للإفصاح عن آثار أنشطتها على البيئة، لا تزال معظم الشركات الكبرى تقيس تأثيرها على التنوع البيولوجي بصورة محدودة، بينما قد تقود المؤشرات التي تستخدمها بعض الشركات إلى استنتاجات غير دقيقة بشأن المناطق والأنواع الأكثر احتياجًا للحماية.

وكشفت دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة لوند السويدية أن 8 شركات فقط، من أصل 89 شركة عالمية كبرى شملها التحليل، أفصحت عن استخدام مؤشرات للتنوع البيولوجي في اتخاذ القرارات، بنسبة لا تتجاوز 9%. ولم تستخدم أكثر من مؤشر في الوقت نفسه سوى شركتين.

والأكثر إثارة للقلق، وفقًا للدراسة المنشورة في دورية Journal of Cleaner Production، أن المشكلة لا تتوقف عند غياب القياس، بل تمتد إلى الاعتماد على مؤشر واحد قد يعطي صورة ناقصة عن قيمة الطبيعة، ويجعل الشركات تتجاهل مخاطر بيئية مهمة عند اختيار مواقع المشروعات أو مصادر المواد الخام.
قطاعات اقتصادية كبرى تحت المجهر
راجع الباحثون تقارير الاستدامة الخاصة بـ89 شركة من الشركات المدرجة ضمن قائمة «فورتشن جلوبال 500»، مع التركيز على قطاعات يُحتمل أن تكون آثارها على التنوع البيولوجي كبيرة.

وشملت القطاعات الأغذية والمشروبات والتبغ، والطاقة والتعدين، والملابس، والكيماويات، والتشييد والبناء، وهي أنشطة يمكن أن تؤثر في الطبيعة عبر تغيير استخدام الأراضي، وتدمير الموائل، وتراجع أعداد الأنواع الحية، فضلًا عن الآثار المرتبطة بسلاسل التوريد.

وتكتسب هذه القطاعات أهمية خاصة لأن تأثيراتها لا تقتصر على مواقع الإنتاج المباشرة؛ فقد يمتد الأثر البيئي إلى مناطق استخراج الموارد أو زراعة المحاصيل أو إنتاج المواد التي تعتمد عليها الشركات.

وأظهرت مراجعة التقارير أن استخدام مؤشرات التنوع البيولوجي كان محدودًا للغاية، رغم تزايد الاهتمام العالمي بقياس المخاطر المرتبطة بالطبيعة والإفصاح عنها.

وسجلت التقارير المنشورة لعام 2025 أعلى نسبة لاستخدام هذه المؤشرات، بلغت 18%، مقارنة بـ4% في تقارير 2024، وعدم تسجيل أي استخدام في تقارير 2023 ضمن البيانات التي حللتها الدراسة.
ورغم أن هذا الاتجاه يشير إلى تقدم في الاهتمام بالقياس، فإن الباحثين يحذرون من أن زيادة الإفصاح لا تعني بالضرورة أن الشركات أصبحت تقيس آثارها بدقة.

لماذا لا يكفي مؤشر واحد لقياس التنوع البيولوجي؟

حماية التنوع البيولوجي
حماية التنوع البيولوجي

التنوع البيولوجي ليس قيمة واحدة يمكن اختزالها في رقم؛ فهو يشمل التنوع داخل الأنواع الحية وبينها، إلى جانب تنوع النظم البيئية والموائل التي تعيش فيها.
ولذلك، فإن المؤشر الذي يوضح سلامة النظام البيئي قد لا يعطي النتيجة نفسها التي يقدمها مؤشر يرصد الأنواع المهددة بالانقراض أو يقيس عدد الأنواع الموجودة في منطقة معينة.

وفي الدراسة، حلل الباحثون أربعة مؤشرات مستخدمة أو مطروحة للاستخدام في تقييم التنوع البيولوجي على اليابسة في العالم.
وتناول اثنان منها سلامة النظم البيئية ومدى احتفاظ الموائل بخصائصها الطبيعية، بينما ركز مؤشر ثالث على الأنواع المهددة، وقاس الرابع غنى الأنواع، أي عدد الأنواع المختلفة الموجودة في منطقة ما.
وعند مقارنة الخرائط الناتجة عن هذه المؤشرات، وجد الفريق أن العلاقات بينها كانت ضعيفة في كثير من الحالات، بل كانت عكسية أحيانًا.

بمعنى آخر، قد تحصل منطقة على تقييم مرتفع من حيث سلامة النظام البيئي، لكنها لا تحظى بالتقييم نفسه عندما يتعلق الأمر بأهمية الأنواع المهددة التي تعيش فيها. وقد يحدث العكس أيضًا.

وهنا تكمن المشكلة العملية: إذا اختارت شركة موقعًا لمشروع أو حددت منطقة لتوريد المواد الخام استنادًا إلى مؤشر واحد، فقد تصنف المنطقة على أنها منخفضة الأهمية البيئية، بينما يكشف مؤشر آخر أنها تؤوي أنواعًا مهددة أو تتمتع بقيمة كبيرة للتنوع البيولوجي.

وبذلك، قد تتخذ الشركة قرارًا يضر بالطبيعة من دون أن يظهر الضرر بوضوح في أداة القياس التي تعتمد عليها.

مخاطر القياس الخاطئ تتركز في مناطق فقدان الموائل

حماية التنوع البيولوجي
حماية التنوع البيولوجي

لم تقتصر نتائج الدراسة على الاختلافات النظرية بين المؤشرات، بل أظهرت أن هذه الاختلافات تظهر أيضًا في المناطق المتوقع أن تتعرض لتغيرات كبيرة في استخدام الأراضي وفقدان الموائل بحلول عام 2050.

ووفقًا لتحليل الباحثين، يواجه نحو 3% من مساحة اليابسة عالميًا معدلات مرتفعة من فقدان الموائل بسبب التوسع الزراعي، ونحو 5% بسبب قطع الغابات الأولية، بينما تبلغ النسبة نحو 0.5% في المناطق المعرضة لفقدان الموائل بسبب التوسع العمراني.

وفي هذه المناطق، ظلت المؤشرات المختلفة تقدم تقييمات متباينة للأهمية البيئية، ما يعني أن الاعتماد على مقياس واحد قد يؤدي إلى تجاهل مخاطر حقيقية في المناطق التي تتعرض أصلًا لضغوط متزايدة.

وتشير هذه النتيجة إلى أهمية دمج تقييم التنوع البيولوجي في قرارات التوسع الزراعي والتعدين والتصنيع والتشييد، بدلًا من التعامل معه باعتباره عنصرًا منفصلًا عن التخطيط الاقتصادي.

الغابات الشمالية تكشف تناقض المؤشرات

حماية التنوع البيولوجي
حماية التنوع البيولوجي

تقدم الدراسة مثالًا على الغابات الشمالية، أو الغابات البوريالية، التي تمتد عبر مناطق واسعة من نصف الكرة الشمالي.
ففي بعض هذه النظم البيئية، أعطت مؤشرات سلامة النظام البيئي أولوية للغابات الأولية، التي لم تتعرض لتدخلات بشرية كبيرة، مقارنة بالغابات الثانوية التي تعافت أو نمت بعد اضطرابات سابقة.

لكن مؤشرات الأنواع المهددة وغنى الأنواع أظهرت اتجاهًا مختلفًا، إذ قيّمت بعض الغابات الثانوية بدرجة أعلى وفق الأبعاد التي تقيسها.
ويحمل هذا الاختلاف دلالات مباشرة على قرارات شركات الغابات والأخشاب؛ فالشركة التي تعتمد فقط على سلامة النظام البيئي قد تركز على حماية الغابات الأولية، لكنها لا تنتبه بالقدر الكافي إلى القيمة البيئية للغابات الثانوية.

وفي المقابل، قد يكشف استخدام مؤشرات أخرى أن هذه الغابات تضم أنواعًا مهمة أو تؤدي دورًا في الحفاظ على التنوع البيولوجي المحلي.

ولا يعني ذلك أن الغابات الثانوية أكثر قيمة بصورة مطلقة من الغابات الأولية، أو العكس، بل إن كل مؤشر يقيس بُعدًا مختلفًا، ولا يمكن استخدام نتيجة أحدها وحدها للحكم على القيمة البيئية الكاملة للمنطقة.

مناطق استوائية تواجه مخاطر مرتفعة

حدد الباحثون أيضًا المناطق التي تتقاطع فيها القيمة المرتفعة لمؤشرات التنوع البيولوجي مع مخاطر فقدان الموائل مستقبلًا.
ففي 33 منطقة بيئية من أصل 846 منطقة برية حللها الفريق، تتركز أكثر من نصف القيمة الإجمالية للمؤشرات المدروسة في مناطق يُتوقع أن تواجه فقدانًا مرتفعًا للموائل بحلول عام 2050.

وفي 10 مناطق بيئية، ترتفع النسبة إلى 80% على الأقل.
وتوجد معظم هذه المناطق في النظم البيئية الاستوائية، حيث يمثل التوسع الزراعي وإزالة الغابات من أبرز العوامل المحركة لفقدان الموائل المتوقع.

وتزداد أهمية هذه النتائج بالنسبة إلى الشركات التي تعتمد سلاسل توريدها على السلع الزراعية أو الموارد المستخرجة من هذه المناطق؛ إذ يمكن أن يؤدي سوء تقييم التنوع البيولوجي إلى قرارات تزيد الضغط على موائل مهمة، حتى إذا بدت بعض المؤشرات المستخدمة مطمئنة.

سبع توصيات لتحسين قياس الأثر البيئي للشركات

يدعو الباحثون إلى تحسين الطريقة التي تستخدم بها الشركات مؤشرات التنوع البيولوجي، من خلال مجموعة من التوصيات، أبرزها عدم الاكتفاء بمؤشر واحد، بل استخدام مؤشرات متعددة تكشف جوانب مختلفة من الطبيعة.

وتشمل التوصيات الأساسية:

– الجمع بين عدة مؤشرات: لتقليل احتمالات إغفال الأنواع المهددة أو الموائل المهمة أو الأبعاد الأخرى للتنوع البيولوجي.

– عدم التعامل مع المؤشرات المركبة باعتبارها بديلًا كاملًا: فدمج عدة مؤشرات في درجة واحدة قد يكون مفيدًا للفحص الأولي، لكنه قد يخفي الاختلافات والتعارضات بين القيم البيئية.

– تقييم الطبيعة على المستوى المحلي: من خلال دراسة المناطق البيئية بدلًا من الاكتفاء بالمقارنات العالمية الواسعة.
– إدماج البيانات البيئية في القرارات التشغيلية: بما يشمل تحديد مواقع المشروعات واختيار الموردين وتخطيط سلاسل التوريد.

– تقييم مخاطر تغير استخدام الأراضي: مع الاهتمام بالمناطق المتوقع أن تتعرض لفقدان الموائل خلال العقود المقبلة.
– تحسين جودة الإفصاح عن الأثر على الطبيعة: بحيث يوضح التقرير المؤشرات المستخدمة وما تقيسه وحدودها، بدلًا من تقديم أرقام منفردة يصعب تفسيرها.

– مواصلة تطوير أدوات القياس: لضمان أن تعكس التقييمات الأبعاد المختلفة للتنوع البيولوجي، وألا تتحول إلى إجراء شكلي لا ينعكس على القرارات الفعلية.

ويحذر الباحثون خصوصًا من الاعتماد المفرط على المؤشرات المركبة التي تجمع عدة قياسات في درجة واحدة؛ إذ يمكن أن تخفي هذه الطريقة اختلافات مهمة بين مكونات التنوع البيولوجي، حتى عندما تبدو النتيجة النهائية واضحة وسهلة المقارنة.

الإفصاح عن الاستدامة لا يضمن حماية الطبيعة

تأتي الدراسة في وقت تتزايد فيه متطلبات الإفصاح عن الآثار البيئية للشركات، بما في ذلك التوجيه الأوروبي لإعداد تقارير استدامة الشركات، والمعايير الصادرة عن المبادرة العالمية لإعداد التقارير.

وتدفع هذه الأطر الشركات إلى تقديم معلومات أكثر تفصيلًا وقابلية للقياس عن آثار أنشطتها ومخاطرها البيئية، لكن الدراسة تبرز فجوة بين وجود تقارير الاستدامة وبين القدرة الفعلية على فهم الأثر على التنوع البيولوجي.

فالإفصاح عن رقم لا يضمن أن الرقم يقيس الجانب الصحيح، كما أن استخدام مؤشر واحد قد يسمح بإظهار تحسن في بُعد بيئي معين، في حين تتراجع أبعاد أخرى لا يرصدها المؤشر.
ويقول ويليام سيديمو-هولم، الباحث بجامعة لوند، إن المؤشرات المختلفة تقيس جوانب مختلفة من الطبيعة، وإن النتائج تؤكد أن أي مؤشر منفرد لا يقدم صورة كاملة عن التنوع البيولوجي.
ويحذر من أن الشركات التي تعتمد على مؤشر واحد قد تتخذ قرارات تحمي قيمة بيئية معينة، لكنها تضر بقيمة أخرى في الوقت نفسه.

من تقارير الاستدامة إلى قرارات تحمي النظم البيئية

تؤكد الدراسة أن قياس الأثر على التنوع البيولوجي يجب أن يكون جزءًا فعليًا من عملية اتخاذ القرار داخل الشركات، لا مجرد بند في تقارير الاستدامة.

فالتقييم الأكثر دقة يتطلب فهم طبيعة النظام البيئي المحلي، والأنواع التي يعتمد عليها، والضغوط التي يتعرض لها، والآثار المتوقعة للأنشطة الاقتصادية على المدى الطويل.
وقد تبدو منطقة ما محدودة الأهمية عند مقارنتها عالميًا، لكنها قد تمثل موئلًا لا غنى عنه لأنواع معينة أو تؤدي دورًا حاسمًا في استمرار النظام البيئي المحلي.
وتخلص الدراسة إلى أن التقدم في الإفصاح البيئي لن يكون كافيًا ما لم يصاحبه تحسن في جودة القياس. فحماية التنوع البيولوجي تتطلب مؤشرات متعددة وبيانات مكانية دقيقة، إلى جانب استخدام نتائج التقييم في قرارات الاستثمار والإنتاج والتوريد.
وفي ظل استمرار التوسع الزراعي والعمراني والضغط على الغابات والموارد الطبيعية، قد يكون الفرق بين قياس واحد وتقييم متكامل هو الفرق بين حماية موئل مهم وإغفاله تمامًا.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة