دخلت أبحاث تغير المناخ مرحلة جديدة مع إطلاق سيناريوهات الانبعاثات المعتمدة للجيل السابع من مشروع المقارنة بين النماذج المناخية CMIP7، في خطوة ستشكل جانبًا مهمًا من الأدلة العلمية التي ستستند إليها الدورة السابعة من تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC.
وتقدم السيناريوهات الجديدة، التي طورها مشروع ScenarioMIP، تصورًا أكثر حداثة لمسارات الانبعاثات المحتملة خلال القرن الحادي والعشرين، بعدما أصبحت السيناريوهات السابقة المعروفة باسم SSPs أقل ملاءمة لعالم تغيرت فيه اتجاهات الطاقة والتكنولوجيا والسياسات المناخية بصورة كبيرة منذ تطويرها قبل نحو عقد.
واللافت أن CMIP7 لا يرفع سقف الاحترار المتوقع كما حدث في بعض الأجيال السابقة من النماذج، بل يخفض الحد الأعلى للسيناريوهات مقارنة بالمسارات شديدة الانبعاثات المستخدمة في الأجيال السابقة، في انعكاس للتوسع الكبير في الطاقة المتجددة وتغير اتجاهات استخدام الفحم والسياسات المناخية.
لكن هذا التطور الإيجابي لا يعني أن العالم أصبح قريبًا من المسار الآمن؛ فالسيناريو الذي يعكس استمرار السياسات الحالية يقود إلى ارتفاع حرارة يقترب من 2.9 درجة مئوية بحلول عام 2100، بينما يصل السيناريو الأعلى إلى نحو 3.3 درجة مئوية.
سبعة مسارات جديدة بدلًا من سيناريوهات SSP
يعتمد CMIP7 على سبعة سيناريوهات رئيسية تتراوح بين مسار انبعاثات مرتفع ومسارات تستهدف خفض الانبعاثات والوصول إلى انبعاثات سالبة في نهاية القرن.
وتختلف هذه المنهجية عن الجيل السابق؛ إذ كانت سيناريوهات SSP تُعرف من خلال مزيج بين مسارات اجتماعية واقتصادية ومستويات مختلفة من التأثير الإشعاعي، مثل SSP1-1.9 وSSP2-4.5 وSSP5-8.5.
أما في CMIP7، فأصبحت السيناريوهات تحمل أسماء تعكس مسار الانبعاثات بصورة مباشرة، بدءًا من High وHigh-to-Low، مرورًا بـMedium وMedium-Low وLow وVery-Low، وصولًا إلى Low-to-Negative.
وتغطي هذه السيناريوهات مجموعة من الاحتمالات، من استمرار السياسات الحالية أو تراجعها، إلى تشديد السياسات المناخية بصورة كبيرة، مع سيناريوهات تفترض خفضًا متأخرًا للانبعاثات يعقبه تحول سريع نحو الحياد الكربوني ثم الانبعاثات السالبة.
من 1.6 إلى 3.3 درجة مئوية.. أين يتجه الاحترار العالمي؟
تكشف التحليلات الأولية للسيناريوهات السبعة نطاقًا أضيق للاحترار المتوقع في عام 2100 مقارنة بالجيل السابق.
ويتراوح الاحترار العالمي في السيناريوهات الجديدة بين 1.6 درجة مئوية و3.3 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وفق تقديرات نموذج المناخ المبسط المستخدم لمقارنة السيناريوهات بصورة موحدة.
ويصل السيناريو الأعلى High إلى نحو 3.3 درجة مئوية في 2100، مع نطاق احتمالي بين 2.6 و4.4 درجة مئوية.
أما السيناريو المتوسط Medium، الذي يعكس استمرار السياسات المناخية المطبقة حتى عام 2025، فيقود إلى نحو 2.9 درجة مئوية بحلول نهاية القرن.
وفي المقابل، يصل السيناريو منخفض الانبعاثات Low إلى نحو 1.8 درجة مئوية، بينما يبلغ السيناريو شديد الانخفاض Very-Low نحو 1.6 درجة مئوية في 2100.
وهذه الأرقام لا تمثل توقعًا واحدًا مؤكدًا للمستقبل، بل نطاقًا من المسارات المحتملة التي تعتمد على قرارات الدول واتجاهات الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والسياسات المناخية.
لماذا تراجع الحد الأعلى للسيناريوهات؟
يمثل انخفاض سقف الانبعاثات في CMIP7 أحد أبرز التحولات مقارنة بالأجيال السابقة.
ففي السيناريو الأعلى من الجيل السابق، SSP5-8.5، وصلت الانبعاثات العالمية الصافية من ثاني أكسيد الكربون إلى مستويات أعلى بكثير من تلك التي يفترضها سيناريو CMIP7 الأعلى.
وبحسب تحليل Carbon Brief، يصل السيناريو الأعلى في CMIP7 إلى نحو 55 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا في 2100، مقابل نحو 126 مليار طن سنويًا في SSP5-8.5.
وعلى أساس الانبعاثات التراكمية بين 2024 و2100، يبلغ السيناريو الأعلى الجديد نحو 3,820 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، أي قرابة نصف المستوى الذي كان يفترضه SSP5-8.5.
ويرتبط هذا التحول بالتغيرات التي شهدها نظام الطاقة العالمي خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا الانخفاض الكبير في تكاليف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات، إلى جانب استمرار انتشار سياسات المناخ والاستثمارات في الطاقة النظيفة.
وتشير الورقة العلمية التي وضعت إطار سيناريوهات CMIP7 إلى أن مستويات الانبعاثات المرتفعة جدًا المستخدمة في CMIP6 أصبحت أقل plausibility في ضوء تطورات تكلفة الطاقة المتجددة والسياسات المناخية واتجاهات الانبعاثات الحديثة.
لكن تراجع السيناريو الأسوأ لا يعني انتهاء الخطر
قد يبدو انخفاض الحد الأعلى للاحترار خبرًا إيجابيًا، لكنه لا يعني أن العالم دخل مسارًا آمنًا.
فالسيناريو المتوسط، الذي يمثل استمرار السياسات القائمة حتى عام 2025، يصل إلى نحو 2.9 درجة مئوية من الاحترار في نهاية القرن.
وبحسب التحليل، قد يتجاوز العالم مستوى درجتين مئويتين حول منتصف القرن في هذا السيناريو، بينما يصل إلى 3 درجات مئوية في حدود عام 2110.
كما أن استمرار الانبعاثات بعد عام 2100 يرفع مخاطر الاحترار بدرجة أكبر على المدى الطويل.
وتؤكد هذه النتائج أن انخفاض احتمالات السيناريوهات شديدة السوء لا يساوي بالضرورة الوصول إلى الهدف المناخي المتفق عليه دوليًا.
1.5 درجة مئوية أصبحت أكثر صعوبة
في الجانب الآخر من الطيف، لم تعد السيناريوهات منخفضة الانبعاثات كما كانت في الجيل السابق.
فالسيناريو Very-Low، الذي يهدف إلى إبقاء الاحترار قريبًا من 1.5 درجة مئوية، يفترض حدوث تجاوز مؤقت لهذا المستوى خلال منتصف القرن قبل انخفاض درجات الحرارة لاحقًا.
ويعكس ذلك واقعًا تغير منذ تصميم السيناريوهات السابقة، إذ لم تبدأ الانبعاثات العالمية في الانخفاض السريع خلال عشرينيات القرن الحالي بالمعدل الذي افترضته بعض السيناريوهات شديدة الانخفاض.
ولهذا خلص مصممو سيناريوهات CMIP7 إلى أن حدوث قدر من تجاوز حاجز 1.5 درجة مئوية أصبح، في الوقت الراهن، أمرًا يصعب تجنبه.
السيناريو المتوسط ليس «التوقع الأكثر احتمالًا»
من الأخطاء الشائعة التعامل مع السيناريو المتوسط باعتباره توقعًا لما سيحدث بالفعل.
لكن العلماء الذين طوروا سيناريوهات CMIP7 يؤكدون أن السيناريو المتوسط ليس سيناريو مرجحًا بالضرورة، وإنما معيار يمكن استخدامه لدراسة آثار استمرار السياسات الحالية ومقارنة النتائج بما قد يحدث إذا جرى تشديد السياسات أو إضعافها.
ويعكس هذا السيناريو السياسات التي كانت مطبقة رسميًا حتى عام 2025، دون افتراض أن الدول ستنفذ تلقائيًا جميع تعهداتها المناخية أو أهدافها للوصول إلى صافي الصفر التي لم تتحول بعد إلى تشريعات ملزمة.
لا مزيد من «سيناريو عدم وجود سياسات مناخية»
أحد التغييرات المهمة في CMIP7 هو التخلي عن سيناريوهات «خط الأساس» التي كانت تفترض عالمًا لا توجد فيه سياسات لمواجهة تغير المناخ.
وبدلًا من ذلك، تبدأ السيناريوهات الجديدة من العالم الذي نعيش فيه بالفعل، ثم تستكشف احتمالات استمرار السياسات أو تعزيزها أو التراجع عنها.
ويضم النظام الجديد سيناريو مرتفعًا يفترض تراجعًا محتملًا في سياسات خفض الانبعاثات، في حين يستكشف سيناريو متوسط استمرار السياسات الحالية، وتفترض السيناريوهات الأقل انبعاثًا تشديدًا متزايدًا للإجراءات المناخية.
وهذا يجعل السيناريوهات الجديدة أكثر ارتباطًا بالقرارات السياسية والاقتصادية الفعلية التي يمكن أن يتخذها العالم خلال العقود المقبلة.
CMIP7 يمد النظر إلى عام 2150
لا تتوقف النماذج الجديدة عند عام 2100.
فقد جرى تمديد عمليات المحاكاة الأساسية إلى 2150، مع امتدادات أبعد تصل إلى 2500، بهدف دراسة الآثار طويلة المدى لتغير المناخ على النظام الأرضي.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن كثيرًا من العمليات المناخية، مثل ذوبان الصفائح الجليدية وارتفاع مستوى سطح البحر، تستمر لقرون حتى بعد استقرار درجات الحرارة.
وبالتالي، فإن النظر إلى عام 2100 فقط قد يخفي جزءًا مهمًا من التأثيرات التي ستواجهها الأجيال المقبلة.
الكربون المسحوب من الغلاف الجوي.. فاتورة ضخمة للمستقبل
أحد أكثر جوانب سيناريوهات CMIP7 إثارة للانتباه هو الاعتماد الكبير على إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي في السيناريوهات التي تستهدف خفض الاحترار ثم عكس اتجاهه.
وتشمل هذه الإزالة تقنيات ووسائل متعددة، من التشجير وإدارة التربة إلى الطاقة الحيوية مع احتجاز الكربون وتخزينه BECCS، والتقاط ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الهواء DAC، والتجوية المحسنة، والفحم الحيوي.
وفي السيناريو Very-Low، تصل الإزالة التراكمية إلى نحو 655 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون بين 2024 و2150.
أما السيناريو Low-to-Negative فيحتاج إلى إزالة نحو 2,360 مليار طن خلال الفترة نفسها، وهو حجم هائل يعكس مدى اعتماد مسارات خفض الاحترار على قدرة العالم المستقبلية على سحب الكربون من الغلاف الجوي.
ويكشف ذلك عن مفارقة مهمة: كلما تأخر خفض الانبعاثات، ازدادت الحاجة إلى تقنيات إزالة الكربون على نطاق واسع، بما يحمله ذلك من تحديات اقتصادية وتقنية وبيئية.
العالم أمام سبعة مسارات.. وليس مستقبلًا واحدًا
تؤكد سيناريوهات CMIP7 أن مستقبل المناخ ليس مسارًا حتميًا.
فالسيناريوهات لا تتنبأ بما سيحدث، وإنما ترسم مجموعة من المسارات الممكنة بناءً على تطورات الانبعاثات والسياسات والتكنولوجيا والاقتصاد.
وتكمن أهمية ذلك في أن القرارات التي تتخذها الحكومات والشركات والمجتمعات خلال السنوات المقبلة يمكن أن تدفع العالم نحو مسار منخفض الانبعاثات أو تبقيه في مسار أكثر ارتفاعًا.
كما أن السيناريوهات الجديدة لا تغلق نطاق الاحتمالات بالكامل؛ إذ يشير مصمموها إلى إمكانية وجود مسارات مستقبلية خارج النطاق الذي تغطيه ScenarioMIP.
لماذا يمثل CMIP7 نقطة تحول في علم المناخ؟
لا تقتصر أهمية CMIP7 على تغيير أسماء السيناريوهات.
ففي الجيل الجديد، ستستخدم النماذج المناخية انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بدلًا من فرض تركيزات ثابتة له في الغلاف الجوي، بما يسمح للنماذج التي تحتوي على دورة كربون تفاعلية بحساب كيفية تطور تركيزات CO2 استنادًا إلى الانبعاثات نفسها.
ومن شأن ذلك أن يجعل عدم اليقين المرتبط بدورة الكربون أكثر حضورًا في توقعات الاحترار المستقبلية.
كما تتوافق الانبعاثات في السيناريوهات الجديدة مع الملاحظات الفعلية حتى عام 2023، بينما تبدأ الفروق الرئيسية بين السيناريوهات في الظهور بعد عام 2026، لتجنب مشكلة كانت موجودة في أجيال سابقة، حيث كانت بعض السيناريوهات تنحرف عن الواقع قبل بدء تشغيل النماذج.
ماذا يعني ذلك لمستقبل البشرية؟
الرسالة الأساسية التي تحملها سيناريوهات CMIP7 مزدوجة.
الجانب الأول إيجابي: أسوأ سيناريوهات الانبعاثات التي كانت تستخدم في الأجيال السابقة أصبحت أقل واقعية، نتيجة التحول العالمي في قطاع الطاقة والتقدم الكبير في تقنيات الطاقة النظيفة.
لكن الجانب الثاني أكثر إلحاحًا: المسار الحالي لا يزال يقود إلى احترار بعيد عن الحدود المناخية الآمنة.
فالسيناريو المتوسط، الذي يعكس استمرار السياسات الحالية، يضع العالم أمام احتمال احترار يقارب 2.9 درجة مئوية في 2100، بينما لا يزال الوصول إلى مسار قريب من 1.5 درجة مئوية يتطلب خفضًا سريعًا وعميقًا للانبعاثات، إلى جانب الاعتماد على كميات كبيرة من إزالة ثاني أكسيد الكربون.
وبذلك، لا تقدم CMIP7 شهادة بأن أزمة المناخ انتهت، وإنما تقدم صورة أكثر دقة عن المساحة التي لا يزال أمام العالم للتحرك داخلها.
الخلاصة
تأتي سيناريوهات CMIP7 في لحظة حاسمة من معركة العالم مع تغير المناخ. فهي تخفض سقف أسوأ مسارات الاحترار مقارنة بالأجيال السابقة، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن تحقيق المسار المناخي الأكثر طموحًا أصبح أكثر صعوبة ويتطلب تحولات سريعة في الطاقة والصناعة والنقل واستخدام الأراضي.
والفارق بين عالم ترتفع حرارته 1.6 درجة مئوية وآخر يقترب من 3.3 درجة مئوية ليس مجرد رقم على مقياس علمي، بل فارق هائل في حجم موجات الحر والجفاف والفيضانات وارتفاع مستوى البحار وخسائر النظم البيئية والاقتصادات والمجتمعات.
وبينما تستعد النماذج المناخية الجديدة لتقديم نتائج أكثر تفصيلًا خلال دورة IPCC AR7، فإن الرسالة الأوضح من CMIP7 هي أن المستقبل المناخي لم يُحسم بعد.
العالم لا يملك سيناريو واحدًا للمستقبل.. لكنه يملك اليوم فرصة أكبر لتحديد أي سيناريو سيصبح واقعًا.
