67 % من سكان العالم سيواجهون فجوة حادة في المياه النظيفة.. وأفريقيا والشرق الأوسط الأكثر تضررًا

ثلثا سكان العالم مهددون بنقص المياه أو تدهور جودتها بحلول نهاية القرن

لا يرتبط نقص المياه دائمًا بغيابها، فقد يكون النهر أو الخزان المائي ممتلئًا، لكن المياه الموجودة قد تصبح غير صالحة للشرب أو الري أو الاستخدام الصناعي وتبريد محطات توليد الكهرباء، بسبب ارتفاع درجات الحرارة أو زيادة الملوحة أو التلوث.

وتوصل تحليل عالمي حديث إلى أن نحو 67% من سكان العالم قد يواجهون فجوة حادة في المياه النظيفة بحلول نهاية القرن، في ظل تداخل ثلاثة عوامل رئيسية هي كمية المياه المتاحة، وجودتها، والمنافسة المتزايدة بين القطاعات المختلفة على الموارد المائية.

جودة المياه تعمّق أزمة الندرة

عرّف الباحثون «فجوة المياه» بأنها حجم الطلب الذي يظل غير مُلبى بعد تخصيص إمدادات المياه المستدامة، بينما تشمل «فجوة المياه النظيفة» أيضًا المياه المتاحة بالفعل، لكنها لا تستوفي متطلبات الجودة اللازمة لاستخدام معين.

وقال غابرييل إيه. كارديناس بيليزا، الباحث الرئيسي في الدراسة من جامعة أوترخت، إن ندرة المياه تتجاوز بكثير مجرد نقص الكمية المتاحة، موضحًا أن القضية لا تتعلق فقط بحجم المياه الموجودة، وإنما أيضًا بمدى ملاءمة جودتها للاستخدام المطلوب.

المياه ليست متساوية بالنسبة لجميع الاستخدامات

درس الباحثون خمسة قطاعات رئيسية لاستخدام المياه، هي الاستهلاك المنزلي، والري، والثروة الحيوانية، والتصنيع، وتوليد الكهرباء من المحطات الحرارية.

وتختلف احتياجات كل قطاع من حيث جودة المياه المطلوبة؛ فالمياه المناسبة للري، على سبيل المثال، قد لا تكون مناسبة للشرب، كما أن ارتفاع درجة حرارة المياه قد يجعلها أقل ملاءمة لتبريد المعدات في المصانع ومحطات توليد الكهرباء.

وتتبعت النماذج المستخدمة في الدراسة الظروف المائية شهريًا خلال الفترة من عام 2005 وحتى عام 2100، بالاعتماد على بيانات تتعلق بإمدادات المياه واستخداماتها وجودة المياه السطحية، بما في ذلك درجة الحرارة والملوحة والتلوث العضوي والبكتيريا البرازية.

67% من سكان العالم أمام فجوة خطيرة في المياه النظيفة بحلول 2100

67 % من سكان العالم أمام فجوة حادة في المياه النظيفة

اعتمد الباحثون سيناريو مستقبليًا يتسم بارتفاع معدلات النمو السكاني، والمنافسة الإقليمية، ومستويات مرتفعة نسبيًا من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، إلى جانب محدودية القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.

وأكدت الدراسة أن هذا السيناريو يمثل مسارًا مستقبليًا شديد التحدي، وليس توقعًا حتميًا لما سيحدث في العالم.

وبحسب النتائج، قد يواجه نحو 67% من سكان العالم فجوة حادة في المياه النظيفة بحلول نهاية القرن، وتُعرَّف شدة التعرض في هذا السياق بأنها عدم تلبية ما لا يقل عن 30% من الطلب على المياه لمدة شهر واحد على الأقل خلال العام.

وقال كارديناس بيليزا إن العالم قد يصل، إذا لم تتغير الاتجاهات الحالية، إلى مرحلة يضطر فيها ما يقرب من ثلثي سكانه إلى التعامل مع نقص المياه أو تدني جودتها.

ارتفاع حرارة المياه يهدد الصناعة والكهرباء

برزت درجة حرارة المياه باعتبارها أحد أبرز العوامل التي يمكن أن تزيد من فجوات المياه في قطاعي التصنيع وتوليد الكهرباء من المحطات الحرارية.

وأظهرت الدراسة أن إدخال متطلبات جودة المياه في الحسابات أدى إلى زيادة فجوات المياه النسبية في كلا القطاعين بنحو 20%، ويرجع ذلك بصورة أساسية إلى أن ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية يجعلها أقل ملاءمة لعمليات التبريد.

وتحذر النتائج من أن تراجع إمدادات المياه العذبة قد يتزامن مع موجات حر أكثر تكرارًا وشدة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة مياه الأنهار إلى مستويات لا تسمح باستخدامها بكفاءة في عمليات التبريد.

وفي هذه الحالة، قد تضطر بعض محطات توليد الكهرباء والمنشآت الصناعية إلى تقليص عملياتها أو إيقافها مؤقتًا، حتى إذا كانت كميات المياه المتاحة تبدو كافية من الناحية النظرية.

ثلثا سكان العالم مهددون بأزمة مياه حادة بحلول نهاية القرن.. والسبب ليس نقص الكمية فقط

أفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط في دائرة الخطر

تظهر أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والشرق الأوسط باعتبارهما من أكثر المناطق تعرضًا لضغوط المياه المستقبلية وفق السيناريو الذي درسته النماذج.

وفي أفريقيا جنوب الصحراء، ارتفع الطلب على المياه للاستخدامات المنزلية في السيناريو محل الدراسة بنسبة تصل إلى 1,225%، بينما زادت فجوة المياه النظيفة الإجمالية بنحو 2,000%.

ويرجع ذلك إلى اجتماع عدة عوامل، أبرزها النمو السكاني القوي، ومحدودية الموارد المائية النظيفة المتاحة أصلًا، إلى جانب الضغوط الإضافية الناجمة عن تغير المناخ وزيادة الطلب على المياه.

وأشار الباحثون إلى أن أفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط يتمتعان بآفاق أقل ملاءمة مقارنة بمناطق أخرى، في ظل محدودية المياه النظيفة والنمو السكاني المتسارع.

زيادة الطلب على المياه قد تضر بجودتها

لا تتوقف المشكلة عند زيادة الطلب، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع استخدام المياه نفسه إلى تدهور جودتها.

وأوضح الباحثون أن زيادة استهلاك المياه وانخفاض حجم المياه المتبقية قد يؤديان إلى ارتفاع تركيز الملوثات فيها، ما يفاقم فجوة المياه النظيفة ويزيد المنافسة بين القطاعات المختلفة.

وتصبح هذه المشكلة أكثر حدة بالنسبة إلى الاستهلاك البشري والزراعة، إذ قد تكون المياه التي لم تعد مناسبة لتبريد المصانع أو محطات الكهرباء صالحة لبعض الاستخدامات الأخرى، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة توزيع الموارد المائية، لكنه في الوقت نفسه يزيد التنافس على المياه ذات الجودة الأعلى.

كما أظهرت النماذج أن الأشهر الأكثر دفئًا شهدت فجوات أكبر في المياه النظيفة في العديد من المناطق، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة والملوحة والتلوث العضوي وتلوث مسببات الأمراض.

المياه موجودة.. لكنها قد لا تصلح للاستخدام! دراسة تحذر من أزمة تهدد ثلثي سكان العالم

نقص المياه لن يكون متساويًا بين القطاعات

تؤكد الدراسة أن آثار ندرة المياه لن تكون متشابهة في جميع أنحاء العالم أو بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.

فالمياه التي تصبح دافئة بدرجة تحول دون استخدامها بكفاءة في عمليات تبريد المصانع ومحطات الكهرباء قد تظل مناسبة للري أو لبعض الاستخدامات الأخرى.

كما أن المناطق التي تشهد استقرارًا أو تباطؤًا في نمو السكان، مثل الولايات المتحدة وأوروبا على المدى الطويل، قد تشهد تغيرات مختلفة في الطلب مقارنة بالمناطق التي تستمر فيها معدلات النمو السكاني في الارتفاع.

وهذا يعني أن التعامل مع أزمة المياه لن يعتمد فقط على زيادة الإمدادات، وإنما سيتطلب أيضًا إدارة أكثر كفاءة للطلب وإعادة توزيع المياه بين الاستخدامات، وتحسين جودة الموارد المتاحة.

الدراسة تضع حدودًا مهمة للنتائج

رغم أهمية النتائج، أوضح الباحثون أن الدراسة لها عدد من القيود التي يجب أخذها في الاعتبار عند تفسير التوقعات المستقبلية.

فالنماذج اعتمدت على سيناريو اجتماعي ومناخي مستقبلي واحد، وبالتالي قد تختلف النتائج إذا تغيرت مسارات النمو السكاني أو التنمية الاقتصادية أو الانبعاثات أو سياسات التكيف.

كما افترضت الحسابات أن جميع القطاعات تحظى بالأولوية نفسها في الحصول على المياه، بينما تمنح السياسات الفعلية في العديد من الدول أولوية للاستخدامات المنزلية أو الزراعية.

وافترضت الدراسة كذلك أن المياه الجوفية تستوفي معايير الجودة، وهو افتراض قد يؤدي إلى تقليل تقدير بعض فجوات المياه في المناطق التي تعاني من تلوث المياه الجوفية.

وشملت النماذج أربعة عوامل رئيسية لجودة المياه، ولم تتضمن عوامل أخرى مثل الاحتياجات البيئية للمياه، والمعادن الثقيلة، والمواد الكيميائية المعروفة باسم PFAS، والمبيدات الحشرية.

كما يمكن أن يؤثر نقص البيانات العالمية المستقبلية بشأن محطات معالجة المياه، وأنظمة تحلية المياه، ونقل المياه، ومواقع محطات توليد الكهرباء، في دقة تقدير بعض الفجوات.

من ندرة المياه إلى «أزمة الجودة».. 67% من سكان العالم في دائرة الخطر

من إدارة كمية المياه إلى إدارة «المياه الصالحة للاستخدام»

تدفع نتائج الدراسة باتجاه إعادة التفكير في الطريقة التي تُقاس بها ندرة المياه.

فوجود المياه في نهر أو بحيرة أو خزان جوفي لا يعني بالضرورة أنها متاحة فعليًا لكل الاستخدامات، إذ يمكن أن تحد درجة حرارتها أو ملوحتها أو مستوى تلوثها من إمكانية استخدامها.

ويرى الباحثون أن التخطيط المائي في المستقبل يجب أن يجمع بين كمية المياه وجودتها واحتياجات القطاعات المختلفة، مع تطوير سياسات تتعامل مع تغير المناخ والتلوث والنمو السكاني باعتبارها عناصر مترابطة في أزمة واحدة.

كما تطرح النتائج ضرورة إعادة النظر في بعض عمليات الإنتاج، وتسريع التحول في قطاع الطاقة، وتبني سياسات قوية ومنسقة تتجاوز الحدود الوطنية، لأن الأزمات المائية والبيئية لا تتوقف عند الحدود السياسية.

وفي ظل ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار وزيادة الضغوط على الموارد المائية، تصبح حماية جودة المياه جزءًا أساسيًا من مواجهة ندرتها، وليس قضية منفصلة عنها.

ونُشرت الدراسة في مجلة npj Clean Water، وتقدم إطارًا لقياس ندرة المياه لا يعتمد على كمية المياه المتاحة فقط، وإنما على مدى صلاحيتها الفعلية لتلبية احتياجات الإنسان والزراعة والصناعة والطاقة.

Exit mobile version