شهدت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر توقيع 25 اتفاقية ووثيقة تعاون بين القاهرة وبكين، شملت مجالات الاقتصاد والاستثمار والصناعة والتكنولوجيا والتمويل والاقتصاد الرقمي والنقل والإعلام، في خطوة تعكس اتساع نطاق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتحولها إلى مجالات أكثر ارتباطًا بالتنمية المستدامة والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.
وجاء توقيع الاتفاقيات خلال زيارة رسمية للرئيس الصيني إلى القاهرة، حيث شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني مراسم التوقيع، بالتزامن مع تأكيد البلدين مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة وتعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي بينهما.
25 اتفاقية ووثيقة للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي
شملت الاتفاقيات الموقعة مذكرة تفاهم بشأن قائمة أولويات التعاون في إطار رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق، بما يستهدف تعزيز التكامل بين خطط التنمية المصرية والمبادرة الصينية.
كما وقع الجانبان اتفاقية للتعاون الاقتصادي والفني، إلى جانب مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الاقتصادي في مجال سلاسل الصناعة والإمداد، ومذكرة تفاهم أخرى للتعاون في مجالات تكنولوجيا المعلومات.
وشملت الوثائق كذلك مذكرة تفاهم بين الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ووزارة التجارة الصينية، بما يدعم توسيع التعاون والاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية.
وعلى هامش الزيارة، جرى توقيع أكثر من 20 وثيقة أخرى للتعاون في مجالات التكنولوجيا والتمويل والاقتصاد الرقمي والمواصلات والإعلام وغيرها.
شراكة تتجاوز البنية التحتية إلى الصناعة الخضراء
أكد البيان المصري الصيني المشترك أن التعاون بين البلدين لم يعد يقتصر على المشروعات الكبرى في البنية التحتية والنقل، وإنما يتجه بصورة متزايدة إلى التصنيع المحلي والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
واتفق الجانبان على تعميق مواءمة رؤية مصر 2030 مع مبادرة الحزام والطريق، بما يدعم تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، ويربط بين أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها إحدى أهم منصات التعاون، في ظل ما توفره من موقع استراتيجي وبنية تحتية وقدرة على خدمة الأسواق الإقليمية والدولية.
السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وتحلية المياه
ومن أبرز الملفات الجديدة التي تضمنها البيان المشترك توطين الصناعات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر، إذ اتفق البلدان على بحث سبل التعاون في صناعة السيارات الكهربائية وبناء السفن والطاقة المتجددة.
وتشمل مجالات التعاون المقترحة إنتاج الألواح الشمسية وأبراج توربينات الرياح، إلى جانب التوسع في مشروعات تحلية مياه البحر، بما يربط التعاون الصناعي بين البلدين بملفات الطاقة والمياه والأمن الغذائي.
كما يستهدف التعاون نقل الخبرات والتكنولوجيا وبناء القدرات البشرية، بما يدعم توطين الصناعة المصرية وتقليل الاعتماد على استيراد التكنولوجيا والمكونات الأساسية.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في قلب الشراكة
وضعت القاهرة وبكين التكنولوجيا المتقدمة ضمن أولويات المرحلة المقبلة، مع بحث التعاون في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والاقتصاد القائم على البيانات وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بعد.
ويمثل هذا المسار تحولًا مهمًا في طبيعة التعاون، إذ يتجاوز مشروعات البنية الأساسية التقليدية إلى قطاعات الاقتصاد الرقمي والصناعات التكنولوجية ذات القيمة المضافة المرتفعة.
كما شملت مجالات التعاون سلاسل إمداد المعادن الحرجة والزراعة وصناعة السيارات، إلى جانب التدريب وتبادل الخبرات والتكنولوجيات.
تمويل واستثمارات.. والعمل بالعملات المحلية
تضمن البيان المشترك أيضًا تعزيز التعاون المالي، بما في ذلك إصدار سندات الباندا الصينية وتوسيع ترتيبات تبادل العملات المحلية.
ورحب الرئيسان بتجديد اتفاقية تبادل العملات بين البلدين وزيادة قيمتها، مع تشجيع المؤسسات المالية في مصر والصين على دعم الاستثمارات الصناعية والتنموية ومشروعات البنية التحتية والتحول الأخضر والرقمي.
واتفق الجانبان كذلك على زيادة استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار وتشجيع تسوية المزيد من المعاملات التجارية والاستثمارية بهذه العملات، بما قد يسهم في تنويع آليات تمويل التجارة وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية في جانب من التعاملات الثنائية.
زيادة الصادرات المصرية إلى الصين
ركزت الشراكة الجديدة أيضًا على معالجة اختلال الميزان التجاري بين البلدين، إذ اتفق الرئيسان على تحقيق مزيد من التوازن في التجارة وتشجيع دخول المزيد من المنتجات المصرية إلى السوق الصينية وفقًا للمعايير الصينية.
كما ثمن الجانب المصري الإجراءات الصينية الخاصة بإعفاء الدول الإفريقية من الرسوم الجمركية، واتفق الجانبان على مواصلة التشاور بشأن اتفاقية الحصاد المبكر.
ويمثل تعزيز وصول المنتجات المصرية إلى السوق الصينية أحد المسارات المهمة لزيادة الصادرات المصرية والاستفادة من ضخامة السوق الصينية.
السياحة والتعليم والبحث العلمي
امتدت الاتفاقات إلى قطاعات السياحة والثقافة والتعليم والبحث العلمي، حيث اتفق الجانبان على توسيع التعاون السياحي، مع ترحيب الجانب الصيني بزيادة أعداد السياح الصينيين القادمين إلى مصر.
كما يشمل التعاون إنشاء الفنادق وإدارة المنتجعات السياحية، إلى جانب تعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والتعليم العالي والبحث العلمي والتبادل الشبابي.
ووجه الرئيسان الجهات المعنية في البلدين بالعمل على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بما في ذلك عقد اجتماع اللجنة الحكومية المشتركة في أقرب وقت.
أمن مصر المائي.. موقف صيني بشأن نهر النيل
ومن أبرز الملفات الاستراتيجية التي حملها البيان المشترك تأكيد الصين إدراكها للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر باعتباره شريان الحياة الرئيسي، واعترافها بحق مصر المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي ومصالحها التنموية.
ودعا الجانبان دول حوض النيل إلى الالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك عدم التسبب في إحداث ضرر.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة بالنسبة لمصر، في ظل ارتباط الأمن المائي ارتباطًا مباشرًا بالأمن الغذائي والتنمية واستدامة الموارد الطبيعية.
70 عامًا من العلاقات.. وشراكة استراتيجية
تأتي الزيارة بالتزامن مع الاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، حيث أشاد الرئيسان بعمق العلاقات التاريخية بين البلدين.
وتعود العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين إلى عام 1956، بينما دشنت مصر والصين الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، التي شهدت خلال السنوات الماضية توسعًا في التعاون الاقتصادي والسياسي والاستثماري.
وأكد البلدان خلال الزيارة مواصلة التبادلات رفيعة المستوى والاستفادة من آليات الحوار الاستراتيجي، مع توسيع التعاون في مختلف المجالات.
تنسيق سياسي وأمني متزايد
لم تقتصر مخرجات الزيارة على الملفات الاقتصادية، إذ أكد الجانبان تعزيز التنسيق السياسي والأمني بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
كما جددا دعمهما لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ورفض الإجراءات الأحادية والمعايير المزدوجة، مع الدعوة إلى إصلاح النظام الدولي ومؤسسات التمويل الدولية بما يجعلها أكثر تمثيلًا للدول النامية وأكثر قدرة على التعامل مع التحديات العالمية.
واتفق البلدان على مواصلة التنسيق داخل الأمم المتحدة ومجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة العشرين، في ملفات تشمل تغير المناخ والأمن الغذائي والطاقة والاقتصاد الرقمي.
مصر والصين.. تنسيق بشأن قضايا المنطقة
أشاد الجانب الصيني بالدور المصري في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين، وجهود القاهرة للتوصل إلى تسويات سياسية لأزمات الشرق الأوسط.
وفي الملف الفلسطيني، أكد البلدان مجددًا مركزية القضية الفلسطينية وضرورة التوصل إلى حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
كما رفض الجانبان مخططات تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، ودعوا إلى تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية وعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع.
وفي البحر الأحمر والقرن الإفريقي، شدد البلدان على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وعلى أن تقع المسؤولية الرئيسية عن حوكمة البحر الأحمر وأمنه على الدول المشاطئة، مع ضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية.
كما أكد الجانبان ضرورة احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ومؤسساته الوطنية، ودعم وقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة بملكية سودانية.
شراكة مصرية صينية أمام اختبار التنفيذ
تكشف حصيلة زيارة الرئيس الصيني أن الشراكة بين القاهرة وبكين تدخل مرحلة جديدة تتجاوز التعاون التقليدي في البنية التحتية إلى توطين الصناعة والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وتحلية المياه والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي ومراكز البيانات والتمويل والتجارة.
ويبقى التحدي الرئيسي خلال المرحلة المقبلة هو تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى مشروعات واستثمارات فعلية، وزيادة التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل، إلى جانب رفع الصادرات المصرية إلى السوق الصينية.
وبذلك، فإن 25 اتفاقية ووثيقة تمثل إطارًا واسعًا لإعادة رسم خريطة التعاون المصري الصيني، ليس فقط باعتبار الصين شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا، وإنما كطرف يمكن أن يسهم في دعم تحول مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والطاقة النظيفة واللوجستيات والاقتصاد الرقمي.
