نواة الأرض الداخلية «طبقات داخل طبقات».. علماء يكشفون بنية تشبه البصلة
اكتشاف جديد.. عناصر خفيفة قد تُشكّل طبقات داخل نواة الأرض الصلبة
في أعماق سحيقة من كوكب الأرض، أبعد بكثير من متناول الحفر أو الرصد المباشر، قد لا تكون نواة الأرض الداخلية الصلبة كتلة معدنية واحدة متجانسة كما افترض العلماء طويلًا، بل بنية معقدة ومتدرجة كيميائيًا، أشبه بطبقات البصلة، تتراكم فوق بعضها عبر تاريخ جيولوجي يمتد لمليارات السنين.
هذا ما تشير إليه دراسة علمية جديدة اعتمدت على تجارب عالية الدقة أُجريت تحت ضغوط ودرجات حرارة تحاكي الظروف القاسية داخل نواة الأرض. فقد تمكن باحثون من رصد سلوك سبائك معدنية مماثلة لتلك الموجودة في عمق الكوكب، وربطوا نتائجهم بأنماط غامضة طالما حيّرت علماء الزلازل حول العالم.
تقع نواة الأرض الداخلية على عمق يقارب 3200 ميل أسفل السطح، وهي كرة صلبة من الحديد في معظمها، تحيط بها نواة خارجية من الحديد السائل. وعلى الرغم من صغر حجمها النسبي مقارنة بالكوكب، فإن هذه النواة تلعب دورًا محوريًا في توليد المجال المغناطيسي للأرض، وفي تنظيم تدفق الحرارة من الأعماق إلى الطبقات العليا.

التباين الزلزالي الاتجاهي
على مدى عقود، لاحظ علماء الزلازل أن الموجات الزلزالية الانضغاطية، المعروفة باسم موجات P، لا تنتقل بالسرعة نفسها في جميع الاتجاهات داخل النواة الداخلية. إذ تزداد سرعتها بنحو 3 إلى 4% عند انتقالها بمحاذاة محور دوران الأرض مقارنة بالمسارات الاستوائية. هذه الظاهرة، المعروفة بـ«التباين الزلزالي الاتجاهي»، أثارت تساؤلات حول طبيعة المادة العميقة وتركيبها البنيوي.
لفهم هذا اللغز، قاد فريق بحثي من جامعة مونستر الألمانية، برئاسة البروفيسورة كارمن سانشيز-فايي، سلسلة من التجارب المعملية المتقدمة على سبائك من الحديد ممزوجة بكميات صغيرة من عناصر خفيفة مثل السيليكون والكربون. ويُعتقد أن هذه العناصر موجودة داخل نواة الأرض لأن الحديد النقي وحده لا يفسر الكثافة الفعلية للكوكب كما تقيسها النماذج الجيوفيزيائية.
وضع الباحثون عيناتهم داخل جهاز يُعرف بـ«خلية السندان الماسي»، وهو أحد أكثر الأدوات تطورًا لدراسة المواد تحت ضغوط هائلة، حيث تُضغط العينات بين رأسين من الألماس لتصل إلى ضغوط تعادل ملايين المرات الضغط الجوي، وهي ظروف قريبة مما يسود في قلب الأرض. كما سُخنت العينات إلى درجات حرارة تقارب 820 درجة مئوية لتحفيز التشوه الداخلي في بنيتها البلورية.

طبقات كيميائية متداخلة
وباستخدام أشعة سينية عالية الطاقة في مسرّع «بيترا 3» بمدينة هامبورج، راقب العلماء كيفية تغيّر ترتيب البلورات المجهرية داخل السبائك أثناء تعرضها للضغط والحرارة.
وأظهرت النتائج أن البلورات لا تتشوّه عشوائيًا، بل تصطف في اتجاهات مفضلة، مكوّنة ما يُعرف بالاتجاه البلوري المفضل، وهو عامل حاسم في تحديد كيفية انتقال الموجات الصوتية والزلزالية عبر المعدن.
وعند مقارنة هذه النتائج بسلوك الحديد النقي، تبيّن أن وجود السيليكون والكربون يزيد بشكل ملحوظ من التباين في سرعة الموجات بين الاتجاهات المختلفة.
وبعبارة أخرى، فإن كميات محدودة من العناصر الخفيفة قادرة على إحداث فروق كبيرة في الخصائص الزلزالية للمادة، وهو ما يقدّم تفسيرًا واقعيًا للأنماط المرصودة داخل نواة الأرض.
وبناءً على هذه البيانات، طوّر الباحثون نموذجًا يفترض أن نواة الأرض الداخلية ليست موحدة التركيب، بل تتكون من طبقات كيميائية متداخلة، حيث تكون العناصر الخفيفة أكثر تركّزًا في الأجزاء العليا، بينما تزداد نسبة الحديد كلما اتجهنا نحو المركز. هذا التدرج الكيميائي يمكنه إعادة إنتاج الاختلافات الزلزالية المرصودة بين المناطق المختلفة من النواة.
وتحمل هذه الفرضية دلالات عميقة حول تاريخ تشكّل الأرض، فهي تشير إلى أن النواة الداخلية لم تتجمد دفعة واحدة، بل نمت تدريجيًا مع تبريد الكوكب عبر الزمن، بحيث تحتفظ الطبقات العليا بسجل أقدم لمراحل التصلّب الأولى، بينما تمثل الطبقات الأعمق مراحل أحدث من تطور الكوكب.

النواة الطبقية
كما أن وجود نواة داخلية ذات طبقات كيميائية قد يؤثر في كيفية انتقال الحرارة من النواة الخارجية السائلة إلى الوشاح، وهو عامل أساسي في استمرار عمل الدينامو الأرضي المسؤول عن توليد المجال المغناطيسي، وأي تغيّر في هذا التوازن الحراري قد ينعكس على قوة المجال المغناطيسي واستقراره عبر العصور الجيولوجية.

ورغم أهمية هذه النتائج، يؤكد الباحثون أن الصورة لا تزال غير مكتملة. فالنواة الحقيقية قد تحتوي على عناصر إضافية مثل الأكسجين أو الكبريت أو الهيدروجين، وهي عناصر قد تغيّر بدورها البنية البلورية وسلوك الموجات الزلزالية، لذا، يدعو العلماء إلى مزيد من التجارب والنماذج الزلزالية الدقيقة لاختبار هذه الفرضيات الجديدة.
مع ذلك، تمنح هذه الدراسة فرضية «النواة الطبقية» دفعة قوية، وتفتح نافذة نادرة لفهم أحد أكثر أجزاء كوكبنا غموضًا، حيث يتقاطع علم الزلازل مع فيزياء المواد ليكشف أسرار قلب الأرض نفسه.




