من الفضاء إلى الأعماق.. ناسا ترسم أدق خريطة لقاع المحيطات.. بعد عقود من الغموض
من سطح البحر إلى أعماقه.. الأقمار الصناعية تكشف ملامح قاع الأرض الخفي
رغم أننا نستطيع اليوم أن نرسم خريطة لسطح القمر والمريخ بدقة مذهلة، فإن ما يختبئ تحت أمواج كوكبنا الأزرق لا يزال غامضًا إلى حد كبير.
فحتى وقت قريب، لم يكن العلماء قد استكشفوا سوى نحو ربع قاع المحيطات باستخدام أجهزة السونار المثبّتة على السفن. أمّا ما تبقى، فظل فراغًا في خرائط الأرض، أشبه ببقع مظلمة في سجلّ الجيولوجيا الكوكبية.
اليوم، وبفضل مهمة فضائية طموحة تحمل اسم “سطح المياه وتضاريس المحيط” (SWOT)، وهي تعاون علمي بين وكالة الفضاء الأمريكية ناسا ووكالة الفضاء الفرنسية CNES، أصبح بمقدور العلماء رؤية ما كان خفيًا — من الجبال البحرية الصغيرة إلى التلال العميقة والصدوع القديمة التي تحكي تاريخ تكوّن القارات والمحيطات.
ثورة في رسم الأعماق من الفضاء
على مدى عقود، كانت الطريقة الوحيدة لمعرفة شكل قاع البحر هي عبر السفن المزودة بأجهزة السونار، التي ترسل موجات صوتية ترتد عن القاع لتحدد عمقه وشكله. ورغم دقتها، فإنها باهظة التكاليف وبطيئة التغطية، إذ لا تمسح سوى شريط ضيق أثناء الإبحار.
لكن الأقمار الصناعية تمتاز بقدرتها على مسح مساحات شاسعة من سطح الكوكب بسرعة مذهلة.
هنا يأتي دور القمر الصناعي SWOT الذي أُطلق عام 2022، والمجهّز بتقنية الرادار التداخلي (Interferometric Radar)، القادرة على قياس ارتفاع سطح البحر بدقة تصل إلى سنتيمتر واحد فقط.
ومن خلال تتبّع هذه التغيرات الطفيفة في ارتفاع الماء، والتي قد لا تتجاوز بضعة مليمترات، يمكن للعلماء استنتاج وجود تضاريس ضخمة في الأعماق، مثل الجبال البحرية والأودية العميقة والفوالق التكتونية.
فكل كتلة صخرية ضخمة في القاع تمارس جاذبية أقوى قليلًا، مما يجعل مستوى سطح البحر فوقها أعلى بمقدار ضئيل. وهكذا، يقرأ العلماء ما يشبه “تجاعيد سطح البحر” ليعرفوا ما يختبئ تحته.

من الجاذبية إلى الجغرافيا
قام فريق ناسا بتحويل بيانات ارتفاع سطح البحر إلى ما يُعرف بـ خريطة التدرج العمودي للجاذبية (Vertical Gravity Gradient Map)، وهي خريطة تكشف التغيرات الدقيقة في مجال الجاذبية الأرضية عبر المحيطات.
في الماضي، كانت دقة الخرائط المماثلة لا تتجاوز 16 كيلومترًا، لكن بفضل بيانات SWOT أصبحت 8 كيلومترات فقط، أي أن العلماء باتوا قادرين على رؤية تفاصيل صغيرة بحجم تلال بركانية أو شقوق قاعية لم تُرَ من قبل.
وتُظهر الخريطة الجديدة آلاف الجبال البحرية الصغيرة (Seamounts) التي لم تُسجَّل في أي بيانات سابقة، بعضها لا يتجاوز ارتفاعه 500 متر، لكنها تترك بصمة واضحة في مجال الجاذبية.
كما تكشف الخرائط الحديثة شبكات الوديان الغارقة على حواف القارات — خاصة على سواحل أمريكا الجنوبية وشمال المحيط الهادئ — وهي آثار لأنظمة أنهار قديمة دفنتها الرواسب عبر ملايين السنين.

قراءة تاريخ الأرض من القاع
تكمن أهمية هذه البيانات في أنها تمكّن الجيولوجيين من إعادة رسم حركة الصفائح التكتونية عبر العصور.
فأنماط التلال العميقة والصدوع على امتداد قاع المحيط تسجل بدقة الاتجاهات التي تحركت بها القارات بعد انقسامها قبل نحو 200 مليون سنة.
بفضل هذه الخرائط، يمكن للعلماء تتبّع سرعة واتجاه تمدد قاع المحيطات، وربطها بمناطق النشاط البركاني والزلازل، بل وربما إعادة بناء شكل القارات القديمة قبل تشكّل الأطلسي أو الهادئ بالشكل الذي نعرفه اليوم.
من العلم إلى الحياة اليومية
ورغم أن الهدف العلمي للمهمة هو فهم ديناميات الأرض، فإن تطبيقاتها العملية واسعة للغاية.
فمعرفة تضاريس القاع تساعد على:
– تحسين النماذج المناخية التي تعتمد على فهم حركة التيارات العميقة وتبادل الحرارة بين المحيط والغلاف الجوي.
– تخطيط مسارات الكابلات البحرية التي تربط القارات بشبكات الإنترنت والطاقة.
– رصد المخاطر الزلزالية والتسونامي عبر تحديد مناطق الفوالق النشطة تحت البحر.
توجيه أساطيل الصيد والبحث العلمي نحو المناطق الغنية بالكائنات البحرية، إذ إن الجبال البحرية غالبًا ما تكون موائل لتجمعات الأسماك والحياة الدقيقة.
الأقمار لا تغني عن السفن.. لكنها تهديها الطريق
ورغم الدقة الهائلة التي حققتها صور SWOT، يؤكد العلماء أن الأقمار الصناعية لا تستطيع قياس العمق الحقيقي، بل تقدّر الشكل العام للتضاريس عبر الجاذبية.
لذلك تظل السفن المجهزة بالسونار ضرورية لتأكيد القياسات وتحديث الخرائط الملاحية.
لكنّ الجديد أن الأقمار باتت الآن قادرة على توجيه تلك السفن بدقة نحو “النقاط المجهولة” التي تستحق المسح الميداني، ما يعني تقليص التكاليف وزيادة سرعة الاكتشاف.
ومع تكرار مرور القمر الصناعي كل 21 يومًا، سيزداد وضوح البيانات بمرور الوقت، ما يتيح إنتاج خريطة عالمية لقاع الأرض لم يكن يمكن تخيّلها قبل عقد واحد فقط.
الأرض كما لم نرها من قبل
بدمج الفيزياء الدقيقة مع الرؤية الفضائية، أعادت ناسا تعريف مفهوم استكشاف الأرض.
فبينما كانت الأقمار الصناعية تُستخدم سابقًا لمراقبة الطقس والمناخ، أصبحت اليوم تتسلل بنظراتها الرادارية إلى أعماق المحيطات نفسها.
وكما يقول الباحث الرئيسي في الدراسة المنشورة في مجلة Science، “كل ارتفاع طفيف في سطح البحر هو كلمة في لغة الجاذبية، وبفهم هذه اللغة، نقرأ أخيرًا قصة كوكبنا كاملة
من السطح إلى الأعماق”.
بهذه الخرائط الجديدة، لم يعد قاع الأرض مجرد مساحة مجهولة في الخرائط الجغرافية، بل أصبح سجلًا مفتوحًا لتاريخ الكوكب، يُروى بلغة العلم… ومن الفضاء.





