أكد الدكتور أحمد مجدي جبر، نائب رئيس المركز القومي للبحوث للشؤون البحثية والعلاقات العلمية، أن التحول نحو الزراعة الذكية والتقنيات الزراعية الحديثة يفرض توسيع دائرة التخصصات المشاركة في تطوير القطاع الزراعي، بحيث لم تعد المسؤولية مقتصرة على خريجي كليات الزراعة، بل أصبحت تتطلب مشاركة خريجي الهندسة والحاسبات والمعلومات، إلى جانب المتخصصين في العلوم الزراعية، لتطوير النظم الذكية وإدارة البيانات وتوظيف التكنولوجيا في الإنتاج.
جاء ذلك خلال افتتاح المؤتمر الدولي الأول لجمعية النهوض بالزراعة والبحوث العلمية، بالتعاون مع معهد البحوث الزراعية والبيولوجية بالمركز القومي للبحوث، تحت عنوان «التنمية الزراعية المستدامة كمدخل استراتيجي لتحقيق الأمن الغذائي»، بمشاركة باحثين ومتخصصين من مركز البحوث الزراعية والمركز القومي للبحوث وعدد من الجامعات المصرية.
ويستهدف المؤتمر، الذي تُعقد فعالياته بالمركز القومي للبحوث، مناقشة التحديات التي تواجه الأمن الغذائي المصري، واستعراض التقنيات الزراعية الحديثة وتطبيقات التحول الرقمي، وبحث سبل تحويل نتائج الأبحاث العلمية إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ، بما يدعم استدامة الإنتاج الزراعي ويرفع كفاءة استخدام الموارد.
وفاء عبد الرحيم: الأمن الغذائي جزء أصيل من التخطيط الاستراتيجي للدول
وأكدت الأستاذة الدكتورة وفاء محمد عبد الرحيم حسن، عميد معهد البحوث الزراعية والبيولوجية بالمركز القومي للبحوث، أن اختيار التنمية الزراعية المستدامة محورًا للمؤتمر يعكس أهمية القضية في ظل التحديات العالمية الراهنة، مشيرة إلى أن تحقيق الأمن الغذائي لم يعد هدفًا منفصلًا عن منظومة التنمية، بل أصبح جزءًا أصيلًا من التخطيط الاستراتيجي للدول.
وأوضحت أن التنمية المستدامة في القطاع الزراعي تتطلب الانتقال من الحلول التقليدية إلى منظومة متكاملة تعتمد على العلم والابتكار، وتعظيم كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتعزيز قدرة النظم الزراعية على التكيف مع التغيرات المناخية.
وأضافت أن توظيف التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والتطبيقات الميكروبية، يمكن أن يسهم في تحسين الإنتاجية وجودة الغذاء، وتقليل الفاقد، والحد من الآثار البيئية للأنشطة الزراعية، شريطة ربط هذه التقنيات باحتياجات الإنتاج الفعلية وقدرتها على التطبيق.
وشددت على أهمية الدور الذي يؤديه معهد البحوث الزراعية والبيولوجية في دعم البحث العلمي التطبيقي، وربط المعرفة العلمية باحتياجات المجتمع، والعمل على نقل نتائج البحوث من المختبرات إلى الحقول ومواقع الإنتاج، بما يعزز الاستفادة الاقتصادية والمجتمعية من المخرجات البحثية.
أحمد جبر: تغير المناخ واضطراب سلاسل الإمداد يضاعفان تحديات الأمن الغذائي
من جانبه، أشار الأستاذ الدكتور أحمد مجدي جبر إلى أن التغيرات المناخية أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه العالم، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وما يترتب عليه من آثار محتملة على نمو المحاصيل الزراعية وإنتاجيتها، بالتزامن مع التحديات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد، التي تزيد الضغوط على منظومات الغذاء.
وأوضح أن هذه التحديات المتداخلة تستدعي تعزيز دور العلوم والتكنولوجيا والابتكار في حماية الأمن الغذائي، إلى جانب توسيع نطاق الشراكات بين المؤسسات البحثية والجامعات والجهات المعنية بالإنتاج.
وأكد أن مفهوم الأمن الغذائي لا يقتصر على الإنتاج النباتي، وإنما يشمل كذلك الإنتاج الحيواني والداجني والسمكي، وهو ما يتطلب تنسيق الجهود البحثية وتكامل التخصصات المختلفة، من أجل تطوير منظومة إنتاج غذائي أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتغيرات المناخية والاقتصادية.
وأشار إلى أهمية الدور الذي يؤديه المركز القومي للبحوث في دعم البحث العلمي المرتبط بالقطاع الزراعي، من خلال معهد البحوث الزراعية والبيولوجية، وغيره من المعاهد والتخصصات البحثية ذات الصلة، بما يشمل تطوير المعارف والتقنيات المرتبطة بالمحاصيل والإنتاج الحيواني وتحسين السلالات وغيرها من المجالات الداعمة للأمن الغذائي.
وفي سياق حديثه عن التحول التكنولوجي، أوضح جبر أن الزراعة الحديثة لم تعد تعتمد على الخبرة الزراعية التقليدية وحدها؛ إذ باتت النظم الذكية تحتاج إلى تكامل خبرات خريجي كليات الزراعة مع خريجي الهندسة والحاسبات والمعلومات، لتطوير أدوات المراقبة والتحكم، وتحليل البيانات، وإدارة الموارد، ورفع كفاءة العمليات الزراعية.
ويعكس هذا التوجه تحولًا في طبيعة العمل الزراعي، الذي يتجه بصورة متزايدة إلى الاستفادة من الحلول الرقمية والأنظمة المؤتمتة، دون أن يقلل ذلك من أهمية المعرفة الزراعية المتخصصة في فهم النبات والتربة والمياه والآفات واحتياجات المحاصيل.
رياض نوفل: الأمن الغذائي يحتاج إلى رؤية متكاملة وتعاون مؤسسي
بدوره، أكد الأستاذ الدكتور رياض يوسف نوفل، مدير وحدة التخطيط الاستراتيجي وأستاذ الدواجن المتفرغ بكلية الزراعة بجامعة كفر الشيخ، أن المؤتمر يعكس إدراكًا لطبيعة التحديات المتسارعة التي تواجه منظومة الغذاء، في عالم تتداخل فيه الأبعاد البيئية والمناخية والاقتصادية والتكنولوجية.
وأوضح أن تحقيق الأمن الغذائي يتطلب رؤية متكاملة وتخطيطًا واعيًا وتعاونًا حقيقيًا بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إلى جانب تعزيز التكامل بين الجامعات والمراكز والمعاهد البحثية.
وأشار إلى أن نقل المعرفة العلمية إلى التطبيقات العملية ودعم الممارسات الزراعية الحديثة يمثلان عنصرين أساسيين في تطوير القطاع الزراعي وخدمة المجتمعات المحلية، بما يساعد على تضييق الفجوة بين ما تنتجه المؤسسات البحثية من معرفة وما يحتاجه المزارعون والمنتجون على أرض الواقع.
محمود حسانين: نصنع حركة علمية زراعية تجمع علماء مصر حول هدف واحد
من جانبه، أكد الأستاذ الدكتور محمود محمد حسانين، رئيس جمعية النهوض بالزراعة والبحوث العلمية، أن رسالة الجمعية لا تقتصر على رصد المشكلات التي تواجه القطاع الزراعي، وإنما تمتد إلى بناء مساحات للحلول، وتأسيس الشراكات، واحتضان العلماء، وتشجيع الابتكار، وتوجيه البحث العلمي نحو الاحتياجات الفعلية للوطن.
وأضاف أن الجمعية تعمل على بناء حركة علمية زراعية تجمع علماء مصر حول هدف واحد يتمثل في تحقيق زراعة مستدامة، وتعزيز مكانة العلماء وقدرتهم على العطاء، ودعم إنتاج غذاء آمن.
وتعكس هذه الرؤية أهمية بناء جسور مستمرة بين الباحثين والمنتجين والجهات المعنية بالتنمية الزراعية، بما يتيح الاستفادة من نتائج الدراسات العلمية في مواجهة التحديات المرتبطة بالمياه والتربة والمناخ والإنتاجية وتكاليف الإنتاج.
التكنولوجيا الزراعية والمحاصيل الاستراتيجية في صدارة المناقشات
وتتسع محاور المؤتمر لتشمل عددًا من القضايا المرتبطة بمستقبل الزراعة المصرية، من بينها دور التكنولوجيا الزراعية في تحقيق الأمن الغذائي، وتطوير المحاصيل الاستراتيجية، والزراعة الذكية والتكيف مع التغيرات المناخية وندرة المياه، إلى جانب تطبيقات تقنية النانو وتطوير التقاوي والبذور المحسنة وتوطين صناعة المبيدات.
كما تتناول المحاور التنمية المستدامة للإنتاج الحيواني والداجني والسمكي، وتحديات الصناعات الغذائية والألبان، بما يعكس اتساع مفهوم الأمن الغذائي ليشمل مختلف حلقات إنتاج الغذاء وتصنيعه وتحسين جودته.
وتشمل أنشطة المؤتمر، وفقًا للإعلان المنشور عن فعالياته، زيارات ميدانية إلى عدد من المزارع الكبرى للاطلاع على تطبيقات زراعية حديثة، في خطوة تستهدف ربط المناقشات العلمية بالتجارب العملية.
وتبقى القيمة الحقيقية لهذه الفعاليات مرتبطة بقدرتها على تحويل النقاشات والأبحاث إلى توصيات قابلة للتطبيق، وبناء شراكات تتيح اختبار الحلول وتقييم نتائجها، ثم توسيع نطاق الاستفادة منها في المزارع ومشروعات الإنتاج الغذائي.
ففي ظل تحديات تغير المناخ وندرة المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج واضطراب سلاسل الإمداد، لم يعد تطوير الزراعة المصرية مسألة زيادة الإنتاج فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بكفاءة استخدام الموارد، وتقليل الفاقد، وتحسين جودة الغذاء، وتعزيز قدرة المنتجين على التكيف مع المتغيرات.
ومن هذا المنطلق، فإن التكامل بين علوم الزراعة والهندسة والحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي يمثل أحد المسارات المهمة لتطوير نظم إنتاج أكثر كفاءة واستدامة، بشرط أن يظل الابتكار مرتبطًا باحتياجات المزارعين والمنتجين، وأن تنتقل نتائجه من نطاق البحث إلى التطبيق الفعلي.
