في وقت تتسارع فيه تداعيات التغيرات المناخية وتزداد الضغوط على الموارد الطبيعية، تبرز إدارة المخلفات كأحد أهم مفاتيح الحل، ليس فقط بيئيًا، بل اقتصاديًا وتنمويًا أيضًا. ومن قلب مدينة إسطنبول، وخلال فعاليات منتدى “صفر نفايات 2026”، أطلق الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة، رسالة واضحة مفادها أن المخلفات لم تعد عبئًا، بل فرصة كامنة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي على أسس أكثر استدامة.
جاء ذلك خلال مشاركته في جلسة رفيعة المستوى بعنوان «من التعهدات إلى التنفيذ: لماذا تزداد أهمية أجندة العمل المناخي أكثر من أي وقت مضى»، حيث ناقش مع عدد من قادة العمل المناخي العالمي سبل تسريع تنفيذ الحلول وتحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة، مع التركيز على دور إدارة المخلفات والاقتصاد الدائري في تحقيق هذا التحول.
وأكد محيي الدين أن إدارة المخلفات تقف عند تقاطع العديد من أولويات العمل المناخي، بدءًا من خفض الانبعاثات، مرورًا بالحد من غاز الميثان، ووصولًا إلى دعم نظم الغذاء المستدامة وبناء مدن أكثر قدرة على الصمود. وأوضح أن هذا القطاع وحده مسؤول عن نحو 20% من الانبعاثات البشرية لغاز الميثان، ما يجعله أحد أسرع المسارات لتحقيق تأثير ملموس في مواجهة التغير المناخي.
ولفت إلى أن حجم التحدي يتزايد بوتيرة مقلقة، مع توقعات بارتفاع حجم المخلفات عالميًا من 2.6 مليار طن حاليًا إلى نحو 3.9 مليار طن بحلول عام 2050، وهو ما يفرض ضرورة التحرك العاجل لتبني حلول مبتكرة ومستدامة.
وفي هذا السياق، شدد على أن التحول نحو الاقتصاد الدائري يمثل فرصة ذهبية، وليس مجرد خيار بيئي، حيث يتيح هذا النهج إعادة استخدام الموارد، وتقليل الفاقد، وخلق صناعات جديدة قائمة على إعادة التدوير واستعادة القيمة من المخلفات. كما يفتح الباب أمام الابتكار وريادة الأعمال، ويوفر فرص عمل واسعة، خاصة في الدول النامية.
وأشار محيي الدين إلى أن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تحتاج إلى استثمارات تقدر بنحو 556 مليار دولار حتى عام 2050 لتطوير أنظمة مستدامة لإدارة المخلفات، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نقص التمويل، بل في القدرة على تعبئته وتوجيهه بكفاءة نحو مشروعات قابلة للتنفيذ.
ودعا إلى تعزيز السياسات الداعمة، وتحسين جودة إعداد المشروعات، وتوسيع استخدام أدوات التمويل المبتكر، بما في ذلك آليات تقاسم المخاطر والضمانات، لجذب استثمارات القطاع الخاص وتحفيز مشاركته في العمل المناخي.
كما سلط الضوء على الفوائد المتعددة للاستثمار في هذا القطاع، والتي تتجاوز العوائد المالية المباشرة، لتشمل تحسين الصحة العامة، وتقليل التلوث، وتعزيز الأمن الغذائي، ورفع كفاءة استخدام الموارد.
وفي إطار الحديث عن الفرص المهدرة، أشار إلى أن العالم يهدر أكثر من مليار طن من الغذاء سنويًا، وهو ما يسهم في نحو 8% إلى 10% من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، فضلًا عن خسائر اقتصادية تصل إلى تريليون دولار سنويًا، ما يعكس حجم الإمكانات غير المستغلة في إدارة الموارد بشكل أكثر كفاءة.
واستعرض محيي الدين تجربة مصر في هذا المجال، من خلال المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية والمنصات الإقليمية للمشروعات المناخية، مؤكدًا أنها تمثل نموذجًا عمليًا لربط السياسات بالمشروعات القابلة للتمويل، وتعزيز التعاون بين الحكومات والمستثمرين.
واختتم بالتأكيد على أن نجاح التحول نحو الاقتصاد الدائري يتطلب تضافر جهود جميع الأطراف، من حكومات وشركات ومستثمرين ومجتمع مدني، إلى جانب المجتمعات المحلية، لضمان تحويل الرؤى إلى واقع ملموس يسهم في تحقيق التنمية المستدامة ومواجهة التغير المناخي بفعالية.
