يمكن للدول الأفريقية تحقيق مكاسب اقتصادية وصحية كبيرة إذا تعاملت مع تلوث الهواء وتغير المناخ باعتبارهما تحديين مترابطين، من خلال حزمة من الإجراءات التي تخفض انبعاثات الغازات الدفيئة والملوثات الهوائية في الوقت نفسه، وتقلل تكاليف الرعاية الصحية والغياب عن العمل والمدارس، وترفع الإنتاجية الاقتصادية.
وتشير أبحاث وتقييمات بيئية إلى أن الاستثمار في حلول مشتركة، تشمل الطاقة النظيفة والطهي الأقل تلويثًا وتطوير النقل العام وتحسين إدارة النفايات ورفع كفاءة الصناعة والزراعة، قد يحقق عوائد اقتصادية تفوق تكاليف التنفيذ في عدد من المناطق الأفريقية.
وتأتي هذه النتائج في ظل عبء صحي كبير يفرضه تلوث الهواء على القارة؛ إذ أظهر تقرير «حالة الهواء العالمي 2025»، الذي حلل بيانات جودة الهواء والآثار الصحية خلال عام 2023، أن تلوث الهواء تسبب في نحو مليون وفاة مبكرة في أفريقيا جنوب الصحراء خلال ذلك العام. ويُعد ثاني أكبر عوامل الخطر على الصحة العامة في المنطقة، بعد سوء التغذية.
تلوث الهواء.. أزمة صحية وعبء اقتصادي
على الرغم من أن نحو 12% فقط من وفيات تلوث الهواء عالميًا تحدث في أفريقيا جنوب الصحراء، فإن القارة تتحمل أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء بين الأطفال على مستوى العالم، وفقًا للتقرير المشار إليه.
وتتأثر الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما الأطفال وكبار السن، بصورة كبيرة بتداعيات التعرض للملوثات، التي ترتبط بأمراض الجهاز التنفسي والقلب وغيرها من المشكلات الصحية.
وتأتي المنازل التي تعتمد على الحطب والفحم النباتي وأنواع الوقود الملوثة في مقدمة مصادر تلوث الهواء الناتج عن الأنشطة البشرية في أفريقيا جنوب الصحراء، وتشمل المصادر الأخرى الصناعة وتوليد الكهرباء والنقل والزراعة وإدارة النفايات.
وتكتسب هذه المصادر أهمية إضافية لأن كثيرًا منها يطلق أيضًا غازات الدفيئة المسؤولة عن تغير المناخ، ما يعني أن خفض الانبعاثات من المصدر نفسه قد يحقق فوائد صحية محلية ومناخية أوسع في آن واحد.
كل دولار لمكافحة التلوث قد يحقق 26 دولارًا من المنافع
تناول تقرير بحثي بعنوان «الأصول الخفية: المبررات الاقتصادية والصحية للتحرك من أجل المناخ والهواء النظيف» حزمة تضم 25 إجراءً ثبتت جدواها في الحد من تلوث الهواء وانبعاثات الغازات الدفيئة، موزعة على قطاعات الطاقة والوقود الأحفوري والصناعة والنقل والزراعة والغذاء والطهي والتدفئة المنزلية وإدارة النفايات.
وأظهرت النتائج أن كل دولار يُنفق على خفض التلوث في أجزاء من جنوب أفريقيا قد يحقق منافع اقتصادية تُقدَّر بنحو 26 دولارًا.
ويعتمد هذا التقدير على مقارنة تكاليف تنفيذ الإجراءات بالقيمة المالية المقدرة للأضرار التي يمكن تجنبها.
وللمقارنة، تشير دراسة أخرى إلى أن كل دولار يُنفق على تطعيم الأطفال قد يحقق منافع اقتصادية تبلغ نحو 16 دولارًا.
وتُقدَّر تكلفة تنفيذ الإجراءات الخمسة والعشرين المقترحة في أنحاء جنوب أفريقيا بنحو 11 مليار دولار بحلول عام 2035، لكن الباحثين يرون أن المنافع المحتملة قد تتجاوز هذه التكلفة.
وتأتي المكاسب المالية أساسًا من تقليل حالات دخول المستشفيات بسبب الأمراض المرتبطة بالتلوث، والحد من أيام الغياب المرضي عن العمل، ورفع إنتاجية العاملين. كما يمكن أن يؤدي انخفاض التلوث إلى تقليل أيام الدراسة التي يفقدها الأطفال بسبب أمراض مثل الربو.
وتتحول هذه النتائج إلى وفورات فعلية للأسر والحكومات، عبر تقليل النفقات الصحية والخسائر المرتبطة بتراجع الإنتاجية.
وقد تتضاعف المنافع عندما تُنفذ الحلول ضمن حزمة متكاملة بدلًا من التعامل مع كل مشكلة بصورة منفصلة.
37 إجراءً لخفض التلوث والانبعاثات في أفريقيا
يقدم تقرير آخر بعنوان «التقييم المتكامل لتلوث الهواء وتغير المناخ من أجل التنمية المستدامة في أفريقيا» خريطة عمل تتضمن 37 إجراءً يمكن للدول الأفريقية تطبيقها لتحسين جودة الهواء والصحة العامة وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة.
وتشمل الإجراءات تطوير وسائل النقل العام وتحسين كفاءة توليد الكهرباء ونقلها، والتوسع في الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة استخدام الطاقة في المصانع، إلى جانب الحد من حرق بقايا المحاصيل وتحسين جمع النفايات ومعالجتها.
وتتضمن الحلول أيضًا تحويل مخلفات الطعام إلى سماد أو غاز حيوي، والتقاط الغازات المسببة للاحتباس الحراري من مدافن النفايات ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي.
وتغطي هذه الإجراءات خمسة قطاعات رئيسية: النقل، والطاقة المنزلية، والطاقة والصناعة، والزراعة، وإدارة النفايات.
ويشير التقييم إلى أن تطبيقها على نطاق واسع يمكن أن يسهم في تقليل الوفيات المبكرة وتحسين الأمن الغذائي وخفض الانبعاثات، فضلًا عن الحد من بعض الآثار الإقليمية لتغير المناخ.
الطهي النظيف والنقل العام.. حلول ذات فوائد متعددة
تبرز أهمية الإجراءات المقترحة في قدرتها على معالجة أكثر من مشكلة في الوقت نفسه.
فاستبدال الحطب والفحم النباتي بوقود وتقنيات طهي أنظف يمكن أن يخفض تلوث الهواء داخل المنازل وخارجها، ويقلل التعرض للملوثات التي ترتبط بارتفاع معدلات المرض والوفاة، كما يحد من بعض الملوثات المناخية قصيرة العمر التي تسهم في الاحترار العالمي.
ويقدم تطور أنماط الطهي في غانا مثالًا على إمكانية التغيير؛ إذ انخفضت نسبة الأسر التي تعتمد على الحطب والفحم في الطهي من 75% عام 2000 إلى 54% عام 2021، بينما تضاعف عدد الأسر التي تستخدم غاز البترول المسال الأقل تلويثًا.
وتشير التقديرات إلى انخفاض معدل الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء المنزلي في غانا بنحو 30% خلال الفترة نفسها، ومع ذلك، ارتفع العدد الإجمالي للوفيات المرتبطة بهذا التلوث بدرجة أقل مما كان متوقعًا في غياب التحول بعيدًا عن أنواع الوقود الأكثر تلويثًا، وفقًا للبيانات التي يستند إليها التقرير.
أما الاستثمار في وسائل نقل عام ميسورة التكلفة وموثوقة، فيمكن أن يقلل انبعاثات المركبات والضباب الدخاني في المدن، ويخفض تكلفة انتقال السكان إلى أماكن العمل والمدارس ومرافق الرعاية الصحية.
وتشمل الإجراءات الأخرى تحسين كفاءة الطاقة في الصناعة، والتوسع في الكهرباء المتجددة، والحد من حرق المخلفات الزراعية في الحقول، وتطوير نظم جمع النفايات ومعالجتها.
خطط المناخ الوطنية يمكن أن تحمي الأرواح
تتمثل إحدى النتائج المهمة في ضرورة دمج سياسات جودة الهواء مع خطط العمل المناخي، بدلًا من التعامل معهما كملفين منفصلين تتولاهما جهات حكومية مختلفة.
فالمصادر المشتركة للملوثات الهوائية والغازات الدفيئة تجعل كثيرًا من التدخلات قادرة على تحقيق فوائد مزدوجة.
كما أن تقييم تكاليف كل إجراء ومنافعه الصحية والمناخية والاقتصادية يساعد الحكومات ومؤسسات التمويل على تحديد أولويات الاستثمار.
وقد استخدمت دول أفريقية، من بينها نيجيريا وكوت ديفوار وغانا، هذا النهج في خططها وسياساتها المناخية.
وتوضح التقييمات المرتبطة بهذه الخطط أن خفض الانبعاثات يمكن أن يحقق فوائد صحية ملموسة، بما في ذلك تجنب آلاف الوفيات المبكرة عند تنفيذ الإجراءات المقترحة.
وتساعد الحسابات الخاصة بكل دولة على تحديد حجم التمويل المطلوب، والأنشطة التي ستُموّل، والنتائج المنتظرة، ما يوفر أساسًا أوضح لاتخاذ القرارات من الاعتماد على تقديرات عامة للقارة بأكملها.
التمويل الدولي لا يواكب حجم الأزمة
على الرغم من المنافع المحتملة، لا تزال حصة مكافحة تلوث الهواء من التمويل الإنمائي الدولي محدودة؛ إذ تشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن نحو 1% فقط من التمويل الإنمائي الدولي يُوجَّه إلى هذا المجال، ولا يصل إلى الدول الأفريقية سوى جزء ضئيل منه.
ويرتبط جانب من المشكلة بآليات اتخاذ قرارات التمويل لدى بنوك التنمية، التي لا تحتسب دائمًا المنافع المشتركة لخفض تلوث الهواء والانبعاثات المناخية.
كما أن تلوث الهواء لا يحظى غالبًا بفئة تمويل مستقلة، ما قد يجعل المشروعات التي تعالج المشكلتين معًا تقع بين اختصاصات الإدارات والبرامج المختلفة.
ويدعو الباحثون بنوك التنمية إلى توجيه التمويل منخفض التكلفة نحو المناطق التي يمكن أن تحقق فيها المشروعات أكبر فائدة، خصوصًا حيث يصعب الحصول على تمويل ميسور.
كما يشددون على ضرورة تقييم المشروعات وفقًا للمنافع المتوقعة مقارنة بالتكلفة، بدلًا من تفضيل المشروعات الأسهل تمويلًا.
ويشمل ذلك الاعتراف بالمنافع الصحية والاقتصادية الناتجة عن خفض ملوثات الهواء والغازات الدفيئة معًا في قرارات الصناديق المناخية متعددة الأطراف ومؤسسات التمويل الدولية.
وتخلص هذه النتائج إلى أن التحرك المبكر والمتكامل لمواجهة تلوث الهواء وتغير المناخ قد يحقق عوائد اقتصادية أكبر من معالجة كل منهما بمعزل عن الآخر.
وبالنسبة إلى الدول الأفريقية، فإن توسيع نطاق الحلول المتاحة يتطلب سياسات منسقة وتمويلًا مناسبًا وقدرة على قياس النتائج، بما يحول تحسين جودة الهواء من ضرورة صحية ملحة إلى استثمار في الإنتاجية والتنمية المستدامة.
