مفاجآت مؤثرة على البيئة.. الكشف عن سر انتشار المواد الكيميائية السامة في المياه
المواد الكيميائية السامة تتحرك لمسافات أطول بسبب حموضتها الشديدة
كشف علماء من جامعة بوفالو الأمريكية سبب الانتشار الواسع لما يُعرف بـ«الكيميائيات الأبدية» (PFAS) في المياه.
فقد أعادوا قياس درجة حموضة عدد من هذه المركبات باستخدام تقنية متقدمة، ليجدوا أنها أقوى أحماضًا بكثير مما كان يُعتقد، ما يفسر قدرتها على الذوبان والانتقال لمسافات بعيدة في البيئة.
تتحكم درجة الحموضة في قدرة الجزيء على الاحتفاظ بالبروتون أو فقدانه، وبالتالي تحديد شحنته.
الجزيئات المشحونة تذوب بسهولة أكبر في الماء، ما يمنحها القدرة على التحرك بسرعة وانتشار أوسع في الطبيعة.
قياس الحموضة

ركز الفريق البحثي، بقيادة ألكسندر هوبيكر من معهد «رينيو» بجامعة بوفالو، على قياس الحموضة بطريقة تتجنب الفخاخ المعتادة التي تؤدي إلى نتائج مضللة. ونُشرت الدراسة في دورية «رسائل علوم وتقنيات البيئة».
أظهرت النتائج أن القيمة الحمضية (pKa) لحمض «بيرفلورو أوكتانويك» (PFOA) تبلغ نحو –0.27، ما يعني أنه سيبقى في صورته المشحونة تقريبًا في كل المياه الطبيعية.
وكانت التقديرات السابقة تتراوح بين 0.24 و3.8، أي صورة مختلفة تمامًا.
أما المركب البديل «GenX» فظهر أن حموضته أقل بألف مرة من نتائج دراسة سابقة، ليقع في فئة الأحماض القوية مثل PFOA. وجاءت قيمة حمض «ترايفلورو أسيتيك» (TFA) عند 0.03 مقابل تقديرات سابقة بين 0.30 و1.1، ما يجعله أقوى حموضة مما افترضه الباحثون.
يرجع سبب تضارب القياسات السابقة إلى أن جزيئات PFAS تميل للالتصاق بالزجاج أو تتأثر بالمذيبات العضوية المضافة، وهو ما يربك النتائج.
لتفادي هذه المشكلات، استخدم الفريق التحليل بالرنين المغناطيسي النووي (NMR) الذي يتتبع تغيرات الإشارات النووية تحت مجال مغناطيسي قوي، ويكشف حالة الشحنة دون تشويش.
الكثافة الوظيفية
بالنسبة لأكثر المركبات حموضة، حيث يصعب تحضير الصورة المتعادلة منها، دمج الباحثون التجارب مع حسابات «الكثافة الوظيفية» (DFT) للتنبؤ بالإشارات المرجعية، وهو ما حسَّن دقة النتائج مقارنة بالمعايرات التقليدية.
هذه القياسات الدقيقة تمثل أساسًا لنماذج التنبؤ بسلوك PFAS في البيئات الطبيعية، إذ تحدد ما إذا كانت ستبقى ذائبة في الماء أو ترتبط بالتربة أو تنتقل إلى الهواء.
وتأتي هذه النتائج في وقت حساس بعد إدراج PFOA وPFOS كمواد خطرة بموجب قانون CERCLA في يوليو 2024، ووضع وكالة حماية البيئة الأمريكية حدودًا وطنية لمياه الشرب تشمل GenX.
وتؤكد ديانا أغا، مديرة معهد «رينيو»، أن معرفة القيم الحمضية لمركبات PFAS الناشئة سيساعد الباحثين على تطوير طرق تحليل وتقنيات معالجة وتقييم مخاطر أكثر كفاءة.
ويبرز حمض TFA كمثال لمدى خطورة هذه المركبات؛ إذ رُصد في الأمطار والأنهار وحتى مياه الشرب، ويُعتقد أن مصدره تحلل مركبات التبريد الفلورية أو تفكك PFAS أطول سلسلة.
ويُفسِّر قياس حموضته الجديدة قدرته الكبيرة على الانتقال مع المياه.
الدرس الأساسي واضح: عندما تُقاس الحموضة بدقة، تصبح قصة تحرك «الكيميائيات الأبدية» في البيئة أكثر وضوحًا، ما يتيح طرقًا أفضل للرصد والمعالجة وحماية الصحة العامة.





