مصر تتجه لتشغيل كامل طاقات سفن تغويز الغاز المسال الشهر المقبل
كيف يؤثر توقف الغاز الإسرائيلي على أمن الطاقة في مصر؟
يشكّل توقف تدفقات الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى مصر تحديًا مهمًا لمنظومة الطاقة المصرية، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث أزمة فورية في الكهرباء، فالتأثير الحقيقي يظهر في كيفية إدارة الدولة لمزيج الطاقة بين الكهرباء والصناعة وتكلفة الوقود خلال الفترة المقبلة، خاصة مع اقتراب فصل الصيف الذي يشهد ذروة الاستهلاك.
أولاً: أهمية الغاز الإسرائيلي في مزيج الطاقة المصري
تعتمد مصر على الغاز الطبيعي كمصدر رئيسي للطاقة، إذ يُستخدم في تشغيل غالبية محطات الكهرباء وفي العديد من الصناعات الثقيلة. وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت الإمدادات القادمة من إسرائيل أحد مكونات هذا المزيج بعد تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب.
بموجب اتفاقيات طويلة الأجل، كان من المخطط أن تتلقى مصر كميات كبيرة من الغاز الإسرائيلي حتى عام 2040، وهو ما كان يساعد في سد الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك المتزايد، لذلك فإن توقف هذه التدفقات – حتى لو كان مؤقتًا – يكشف حساسية منظومة الطاقة المصرية لأي اضطرابات إقليمية.
ثانياً: التأثير على إنتاج الكهرباء
القطاع الأكثر استهلاكًا للغاز في مصر هو قطاع الكهرباء، حيث تذهب إليه النسبة الأكبر من إمدادات الغاز الطبيعي. ومع ذلك، فإن انقطاع الغاز الإسرائيلي لا يعني توقف محطات الكهرباء، لأن النظام المصري يتمتع بقدر من المرونة التشغيلية.
فمحطات الكهرباء تستطيع التحول جزئيًا إلى استخدام المازوت أو أنواع أخرى من الوقود السائل عندما يقل الغاز المتاح. لكن هذه البدائل أعلى تكلفة وأقل كفاءة بيئيًا، ما يعني أن استمرار الاعتماد عليها لفترة طويلة سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء وزيادة الضغط على موازنة الطاقة.

ثالثاً: الصناعة أول المتضررين
في حالات نقص الغاز، غالبًا ما تعطي الحكومة الأولوية لتأمين الكهرباء للمنازل والخدمات الحيوية. نتيجة لذلك، يكون قطاع الصناعة هو الأكثر تعرضًا لتخفيضات الإمدادات.
أكثر القطاعات الصناعية حساسية لأي نقص في الغاز تشمل:
-
صناعة الأسمدة
-
البتروكيماويات
-
الأسمنت
فالغاز في هذه الصناعات ليس فقط مصدر طاقة، بل يدخل أيضًا كمادة خام في عمليات الإنتاج. ولهذا فإن أي تقليص في الإمدادات قد يؤدي إلى خفض الإنتاج أو توقف بعض المصانع مؤقتًا، كما حدث في فترات سابقة عندما تم تقليص الغاز الموجه لمصانع الأسمدة.

رابعاً: زيادة الاعتماد على الغاز المسال
مع توقف الإمدادات عبر خطوط الأنابيب، يصبح البديل الأسرع هو الغاز الطبيعي المسال المستورد من السوق العالمية. إلا أن هذا الخيار أعلى تكلفة بشكل ملحوظ بسبب عمليات التسييل والنقل البحري وإعادة التغويز.
وتشير تقديرات خبراء الطاقة إلى أن زيادة الاعتماد على الغاز المسال قد ترفع تكلفة مزيج الغاز المستخدم في مصر بنسبة تتراوح بين 10 و15% مقارنة بالغاز المنتج محليًا أو المستورد عبر الأنابيب.
خامساً: دور سفن التغويز في تخفيف الأزمة
لمواجهة أي نقص محتمل، تعمل مصر على تعزيز قدراتها لاستقبال الغاز المسال عبر سفن إعادة التغويز. وتستهدف الحكومة تشغيل خمس سفن تغويز بكامل طاقتها قبل الصيف، ما يمكن أن يوفر أكثر من 3.2 مليار قدم مكعبة يوميًا من الغاز للشبكة القومية.
وتستقبل هذه السفن شحنات الغاز المسال القادمة من الأسواق العالمية، ثم تعيد تحويلها إلى حالته الغازية قبل ضخها في الشبكة المحلية لتغذية محطات الكهرباء والصناعة.
كما تتحرك القاهرة لتأمين شحنات إضافية من الغاز المسال من موردين عالميين لضمان استقرار الإمدادات خلال الأشهر المقبلة.

سادساً: الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك
تحتاج مصر حاليًا إلى نحو 6.2 مليار قدم مكعبة من الغاز يوميًا لتلبية احتياجات السوق المحلية، في حين يبلغ الإنتاج المحلي حوالي 4.2 مليار قدم مكعبة يوميًا. ويتم سد الفجوة المتبقية عبر الاستيراد سواء من إسرائيل عبر خطوط الأنابيب أو من خلال الغاز الطبيعي المسال.
لذلك فإن توقف جزء من الإمدادات الخارجية يوسع هذه الفجوة مؤقتًا، ويجبر الحكومة على تعويضها من السوق العالمية.
سابعاً: المخاطر الحقيقية في الصيف
تزداد حساسية منظومة الطاقة المصرية مع دخول فصل الصيف، إذ يرتفع الطلب على الكهرباء بشكل كبير بسبب الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف. وفي هذه الفترة تحديدًا يصبح تأمين إمدادات الغاز أمرًا حاسمًا للحفاظ على استقرار شبكة الكهرباء.
إذا استمر توقف الإمدادات لفترة طويلة دون تعويض كامل عبر الاستيراد، فقد تضطر الحكومة إلى:
-
زيادة استخدام المازوت في محطات الكهرباء
-
تقليص إمدادات الغاز للصناعة
-
رفع تكلفة الطاقة في الاقتصاد بشكل عام

الخلاصة
توقف الغاز الإسرائيلي يسلط الضوء على تحديات أمن الطاقة في مصر، لكنه لا يعني حدوث أزمة فورية في الكهرباء. فالدولة تمتلك أدوات للتعامل مع الوضع مثل المخزون الاستراتيجي واستيراد الغاز المسال وتشغيل سفن التغويز.
ومع ذلك، فإن استمرار الاضطرابات الإقليمية قد يزيد من تكلفة الطاقة ويضغط على قطاع الصناعة، ما يجعل تنويع مصادر الغاز وزيادة الإنتاج المحلي من أهم أولويات السياسة الطاقية المصرية خلال السنوات المقبلة.





