مركز كتلة الأرض ليس ثابتًا.. الثلوج والأمطار والمحيطات تحركه كل عام

3 مليمترات هنا و2.2 مليمتر هناك.. الماء والهواء يعيدان توزيع مركز كتلة الأرض

هناك نقطة غير مرئية تعتمد عليها أنظمة تحديد المواقع والخرائط وقياسات الأقمار الصناعية حول العالم، لكن هذه النقطة ليست ثابتة تمامًا.

إنه مركز كتلة الأرض، وهو الموقع الذي تتجمع حوله كتلة الكوكب في المتوسط، ويتحرك بضعة مليمترات خلال العام مع انتقال المياه والثلوج والهواء بين مناطق الأرض المختلفة.

والآن، كشفت دراسة جديدة قادها علماء في وكالة ناسا أن هذا التذبذب السنوي قد يكون أصغر بنحو النصف مما كان يعتقد العلماء قبل نحو ثماني سنوات.

ونُشرت الدراسة في مجلة Geophysical Journal International .

والنتيجة لا تعني أن الأرض نفسها تتحرك من مكانها، وإنما أن توزيع كتلتها يتغير باستمرار، ومعه يتغير الموقع الدقيق لمركز كتلتها.

مركز الكتلة ليس هو المركز الهندسي

مركز كتلة الأرض

قد يبدو للوهلة الأولى أن مركز الأرض نقطة ثابتة في منتصف الكوكب، لكن هناك فرق بين المركز الهندسي للأرض وبين مركز كتلتها.

فالمركز الهندسي هو النقطة الموجودة في منتصف جسم كروي مثالي، بينما يعتمد مركز الكتلة على كيفية توزيع المادة داخل هذا الجسم.

ومع انتقال المياه بين المحيطات والقارات، وتراكم الثلوج وذوبانها، وتغير كمية المياه في الأنهار والتربة والمياه الجوفية، إضافة إلى حركة الكتل الهوائية، يتغير توزيع كتلة الأرض، وبالتالي يتحرك مركز كتلتها قليلًا بالنسبة إلى مركزها الهندسي.

وقد تبدو هذه الحركة صغيرة جدًا، لكنها مهمة لأن أنظمة GPS وقياسات ارتفاع سطح البحر ومسوح التضاريس تعتمد على مراجع جغرافية شديدة الدقة.

تقديرات سابقة لم تتفق

كانت المشكلة أن العلماء لم يتمكنوا من تحديد حجم هذا التذبذب بدقة كافية، فقد اختلف آخر تقديرين دوليين، أُجريا في عامي 2017 و2023، بنحو 7 مليمترات.

وهذا فرق كبير نسبيًا عندما تكون الحركة نفسها التي يحاول العلماء قياسها في حدود بضعة مليمترات فقط.

لذلك قاد عالم الجيوفيزياء دونالد أرجوس من مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، فريقًا بحثيًا بهدف تضييق الفجوة بين التقديرات السابقة وتحسين تحديد موقع مركز كتلة الأرض.

وشارك في الدراسة باحثون من جامعة نيفادا وجامعة مونتانا ومركز GFZ هيلمهولتز لأبحاث علوم الأرض في ألمانيا.

أقمار صناعية عمرها عقود تساعد في الحل

استفاد الفريق من فكرة بسيطة من حيث المبدأ لكنها شديدة التعقيد عند تنفيذها، فالأقمار الصناعية تدور حول مركز كتلة الأرض تحت تأثير الجاذبية، ولذلك فإن التغيرات الصغيرة في المسافة بينها وبين المحطات الأرضية يمكن أن تكشف تحركات مركز الكتلة.

واعتمد الباحثون على قمرين صناعيين كثيفي الكتلة يعرفان باسم LAGEOS، أطلق الأول عام 1976 والثاني عام 1992.

ويزن كل منهما نحو 900 رطل، أي حوالي 400 كيلوجرام، وهما مزودان بعدد كبير من العواكس التي تعكس أشعة الليزر المرسلة من محطات أرضية موجودة في أكثر من 20 دولة.

لكن شبكة المحطات الأرضية ليست موزعة بالتساوي على سطح الكوكب، وهو ما يترك فجوات في التغطية.

ولتعويض ذلك، أضاف الفريق بيانات من أنظمة GPS ومن مدارات عدد من الأقمار الصناعية منخفضة المدار.

كما أخذ في الاعتبار عاملًا آخر دقيقًا: انحناء قشرة الأرض تحت تأثير تغير توزيع المياه والثلوج، إذ يمكن أن تتسبب هذه الأحمال في تحرك المحطات الأرضية نفسها قليلًا.

مركز كتلة الأرض

الثلوج تحرك مركز كتلة الأرض شمالًا

بعد تطوير الطريقة الجديدة، قسم العلماء التأثيرات الموسمية إلى ثلاثة مكونات رئيسية: المحيطات، والغلاف الجوي، والمياه الموجودة فوق اليابسة، بما في ذلك الثلوج والجليد والأنهار والبحيرات ورطوبة التربة والمياه الجوفية.

ويبلغ تراكم الثلوج في أمريكا الشمالية وأوراسيا ذروته تقريبًا في شهر مارس من كل عام.

وتؤدي هذه الكتلة الهائلة من الثلوج إلى دفع مركز كتلة الأرض بنحو 3 مليمترات باتجاه القطب الشمالي.

ولا يقتصر الأمر على الثلوج الموسمية، إذ تدخل الكتل الجليدية ضمن الحسابات أيضًا، لأنها تمثل كميات هائلة من المياه المخزنة على اليابسة.

أمطار الأمازون تغيّر مركز الكتلة

مركز كتلة الأرض

بعد ذروة الثلوج في مارس بنحو شهر، يحدث تغير آخر كبير مع موسم الأمطار في حوض الأمازون.

ويقدر الباحثون أن الأمطار تضيف نحو 2400 جيجا طن من المياه إلى حوض نهر الأمازون، أي ما يعادل نحو 2.4 تريليون طن من المياه.

وتدفع هذه الكتلة المائية مركز كتلة الأرض بنحو 2.2 مليمتر باتجاه أمريكا الجنوبية.

وهذا النوع من إعادة توزيع المياه يمكن أن يظهر أيضًا في بيانات الأقمار الصناعية التي تقيس التغيرات في الجاذبية ومستوى سطح البحر.

وفي نوفمبر، تضيف الأمطار الموسمية في جنوب شرق آسيا تأثيرًا أصغر، مع وصول الكتلة الإضافية للمياه إلى نحو 600 مليار طن.

المحيط الهادئ يضيف تأثيرًا ضخمًا

بين أغسطس وأكتوبر، تنتقل كميات كبيرة من المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج والأمطار إلى المحيطات.

ويؤدي هذا إلى تحرك مركز كتلة الأرض باتجاه جنوب المحيط الهادئ.

ويعود الحجم الكبير لهذا التأثير إلى المساحة الهائلة للمحيط الهادئ، إذ تفوق التغيرات في كتلته تأثيرات التغيرات في بقية المحيطات مجتمعة في بعض الفترات.

لكن المحيطات الأصغر تساهم أيضًا في الحركة، ومنها البحر المتوسط والبحر الأحمر وبحر الشمال وبحر البلطيق وبحر بارنتس.

حتى الهواء يحرّك مركز كتلة الأرض

الماء ليس المادة الوحيدة التي تتغير كتلتها حول الكوكب، الهواء له وزن أيضًا، والهواء البارد أكثر كثافة من الهواء الدافئ.

واستخدم الفريق نموذجًا للغلاف الجوي من المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى ECMWF لتتبع تأثير هذه التغيرات الموسمية.

وحول 21 ديسمبر، يدفع الهواء الشتوي الأكثر كثافة مركز الكتلة باتجاه شبه الجزيرة العربية وآسيا وشمال إفريقيا.

وفي المقابل، يؤدي التوزيع الجوي حول 21 يونيو إلى تحركه باتجاه أمريكا الجنوبية وجنوب إفريقيا.

أقمار GRACE-FO تؤكد النتائج

لم يكتف الباحثون بالحسابات الجديدة، بل قارنوا نتائجهم ببيانات القمرين الصناعيين التوأمين GRACE-FO، اللذين يقيسان التغيرات الشهرية في جاذبية الأرض منذ عام 2018.

وتستطيع هذه الأقمار رصد التغيرات في توزيع الكتل، مثل الزيادة المؤقتة في المياه داخل أحواض الأنهار.

ووجد الفريق توافقًا بين السجلين، وقال أرجوس إن تقديرات الفريق الجديدة تشير إلى أن حجم حركة مركز كتلة الأرض ذهابًا وإيابًا خلال العام يبلغ نحو نصف الحجم الذي كان العلماء يعتقدونه قبل ثماني سنوات.

ويرجح الباحثون أن ذلك يعني أن كمية المياه والهواء التي تنتقل بين نصفي الكرة الأرضية قد تكون أقل مما أشارت إليه التقديرات السابقة.

لكنهم لا يعتبرون المسألة محسومة نهائيًا؛ إذ ستحتاج التقديرات المستقبلية وبيانات الرصد الإضافية إلى تأكيد ما إذا كانت الفجوة البالغة 7 مليمترات بين التقديرات السابقة قد تقلصت بالفعل.

لماذا تهم حركة لا تتجاوز بضعة مليمترات؟

قد تبدو حركة مركز كتلة الأرض ضئيلة للغاية، لكنها تصبح مهمة عندما نتحدث عن أنظمة تعتمد على قياسات بالغة الدقة.

فمركز الكتلة يدخل في تحديد الأطر المرجعية التي تستخدمها أنظمة تحديد المواقع والمسح الجغرافي وقياسات ارتفاع سطح البحر.

وأي خطأ صغير في تحديد نقطة المرجع يمكن أن ينتقل إلى القياسات التي تعتمد عليها.

وأوضح الباحث فيليكس لاندرر، أحد المشاركين في الدراسة من مختبر الدفع النفاث، أن فهم الآليات التي تغير الأطر المرجعية يمكن أن يساعد في تطوير أنظمة مرجعية أكثر دقة، بما يخدم تطبيقات تمتد من الملاحة والشحن العالمي إلى الزراعة الدقيقة.

وبالتالي، فإن حركة مركز كتلة الأرض ليست مجرد فضول علمي، بل جزء من البنية الدقيقة التي يعتمد عليها العالم الحديث في تحديد المواقع وقياس التغيرات على سطح الكوكب.

والدراسة تكشف في الوقت نفسه مدى تعقيد الأرض كنظام ديناميكي؛ فذوبان الثلوج، وهطول الأمطار، وتدفق الأنهار، وتغير المحيطات، وحتى تغير كثافة الهواء، كلها تعيد توزيع كتلة الكوكب باستمرار.

وقد تبدو هذه التغيرات غير محسوسة بالنسبة للإنسان، لكنها تترك أثرًا يمكن للأقمار الصناعية وأجهزة الليزر وأنظمة تحديد المواقع قياسه على مستوى المليمترات.

↑
Exit mobile version