مركبات بديلة لغازات التبريد الحديثة ترتب بإطلاق 335,500 طن من حمض سام يصعب التخلص منه

مفارقة بيئية.. بدائل آمنة للأوزون تتحول إلى ملوث طويل الأمد في المياه والأنهار

كشفت دراسة حديثة أن الغازات البديلة لمركبات الكلوروفلوروكربون (CFC) ارتبطت بإطلاق نحو 335,500 طن من مادة كيميائية تُصنَّف ضمن «المواد الدائمة» في الغلاف الجوي، وهي مادة تستمر في التراكم طويلًا بعد انبعاث الغازات الأصلية.

وأوضحت الدراسة أن نواتج تحلل هذه الغازات تستمر في التراكم حتى بعد سنوات من إطلاقها، كما يُتوقع أن يواصل تركيزها الارتفاع لعقود مقبلة، نظرًا إلى أن العديد من هذه الغازات تبقى في الغلاف الجوي لسنوات طويلة قبل أن تتحلل.

أدلة من مياه الأمطار ولب الجليد

سجّلت عينات مياه الأمطار ولبّات الجليد في القطب الشمالي ارتفاعًا سنويًا متواصلًا في مستويات الملوث ذاته. ومن خلال مقارنة هذه السجلات ببيانات الهواء، تمكّنت الباحثة لوسي هارت، الباحثة في مرحلة الدكتوراه بجامعة لانكستر، من تتبع مصدر الترسبات إلى غازات التبريد وبعض مواد التخدير المستنشقة.

وأظهرت النتائج أن كمية هذه المادة المتساقطة سنويًا مع الأمطار والثلوج ارتفعت بنحو 3.5 أضعاف خلال فترة الدراسة.

ونظرًا لأن تحلل هذه الغازات يستغرق سنوات قبل أن يتحول إلى المادة النهائية، فإن خيارات التبريد الحالية قد تواصل رفع مستويات هذا الملوث في المستقبل.

نُشرت الدراسة في دورية «Geophysical Research Letters».

الغازات البديلة لمركبات الكلوروفلوروكربون (CFC) ارتبطت بإطلاق نحو 335,500 طن من مادة كيميائية

ما هو الملوث؟

يطلق الكيميائيون على المادة المتساقطة اسم «حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك» (TFA)، وهو حمض فلوري مقاوم للتحلل الطبيعي.

وبمجرد تكوّن هذا الحمض في الغلاف الجوي، يذوب بسهولة في مياه السحب ثم يسقط مع الأمطار أو الثلوج. وعلى عكس كثير من الملوثات، لا يتبخر الحمض مجددًا من المياه، ما يؤدي إلى بقائه في الأنهار والبحيرات.

وتجعل هذه الخاصية عملية إزالته صعبة، وتزيد من خطورة كل غاز يمكن أن يتحول إليه.

من غاز تبريد إلى حمض دائم

استبدل المصنعون مركبات الكلوروفلوروكربون القديمة، التي كانت تؤدي إلى تآكل طبقة الأوزون، بمواد فلورية أحدث. إلا أن ضوء الشمس والغازات التفاعلية تعمل على تفكيك هذه الجزيئات، لتعيد ترتيب بقاياها في صورة الحمض الدائم أثناء انجرافها في الغلاف الجوي.

كما تسهم بعض مواد التخدير المستخدمة في المستشفيات في تكوين المركب ذاته عند تحللها، إذ تعتمد على كيمياء مشابهة.

وتتحلل بعض الغازات المصدرية على مراحل متعددة، ويمكن لكل مرحلة أن تنتج المنتج الثانوي نفسه طويل الأمد.

ن بدائل CFC أطلقت 335 ألف طن من حمض TFA الدائم، مع تزايد ترسبه في الأمطار

لماذا يستمر التلوث؟

دفعت القواعد المنبثقة عن بروتوكول مونتريال، المعاهدة الدولية التي نصّت على التخلص التدريجي من المواد المستنزفة للأوزون، الصناعات إلى تبني غازات بديلة.

غير أن كثيرًا من هذه البدائل يبقى في الغلاف الجوي لعقود، ما يعني استمرار تحللها وتكوين الحمض بمرور الوقت. وتشير التقديرات إلى أن ذروة الإنتاج السنوي من TFA قد تحدث في أي وقت بين عامي 2025 و2100، بسبب العمر الطويل لهذه الغازات في الجو.

وأكدت الباحثة أن النتائج تسلط الضوء على المخاطر الأوسع التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند استبدال المواد الضارة ببدائل قد تحمل آثارًا طويلة الأمد.

القطب الشمالي يسجل الترسبات

يحفظ جليد القطب الشمالي طبقات سنوية من حمض TFA، إذ تلتقط الثلوج ما تحمله السحب والهواء كل عام. ورغم بُعد المنطقة عن مصادر الانبعاث الصناعية، فإن الغازات طويلة العمر تنتقل لسنوات قبل تحللها، ما يفسر وصولها إلى مناطق نائية.

وأظهرت الدراسة أن بدائل CFC طويلة العمر تفسر تقريبًا كامل الزيادة المرصودة في ترسبات TFA في جليد القطب الشمالي.

مبردات جديدة تزيد التعقيد

أدى توجيه أوروبي خاص بتكييف السيارات إلى الحد من استخدام بعض المبردات ذات القدرة العالية على الاحترار، ما دفع الشركات إلى استخدام مبرد أحدث بعد عام 2017. إلا أن هذا المبرد يمكن أن يتحلل بفعل ضوء الشمس وينتهي أيضًا إلى تكوين حمض TFA.

وفي المناطق خارج الأقاليم القطبية، أصبح هذا المركب الجديد مصدرًا مهمًا لتكوّن الحمض في خطوط العرض الوسطى، ما يضع الجهات التنظيمية أمام معادلة معقدة بين أهداف خفض الانبعاثات المناخية ومخاطر التراكم الكيميائي طويل الأمد.

دور الأمطار في الانتشار

تنقل العواصف حمض TFA بسرعة، وتسحبه الأمطار من السحب قبل أن تتمكن الرياح من تخفيف تركيزه. وخلال فترات الجفاف، يمكن لبعض المركبات أن تترسب مباشرة على التربة أو المسطحات المائية.

وغالبًا ما تشهد المناطق المدارية ومتوسطة العرض ترسبات أعلى بسبب اجتماع أشعة الشمس القوية مع معدلات الأمطار المرتفعة التي تسرّع التحول والغسل.

ن بدائل CFC أطلقت 335 ألف طن من حمض TFA الدائم، مع تزايد ترسبه في الأمطار

اعتبارات تنظيمية

تصف مراجعات علمية حديثة TFA بأنه شديد الثبات وسريع الانتقال في البيئة، ما يجعل احتواءه صعبًا بعد إطلاقه. وفي أوروبا، يُصنَّف بالفعل على أنه ذو آثار طويلة الأمد وضار بالحياة المائية، فيما تقدمت ألمانيا بمقترح لتصنيفه مادة سامة للتكاثر.

ورغم أن بعض القياسات الحالية لا تزال دون حدود المخاطر الصحية المعتمدة، فإن استمرار الارتفاع يقلص هامش الأمان ويجعل عكس الاتجاه أكثر صعوبة.

مصادر إضافية

إلى جانب الانبعاثات الجوية، يمكن لبعض المبيدات الزراعية أن تولّد حمض TFA عند تحللها في التربة والمياه، وقد أظهرت بيانات ميدانية في ألمانيا مستويات أعلى من الحمض في المياه الجوفية أسفل الأراضي الزراعية مقارنة بغيرها.

وتساعد هذه المدخلات الإضافية في تفسير سبب تجاوز تركيزات TFA في بعض الأمطار والأنهار توقعات النماذج المعتمدة على الانبعاثات الجوية وحدها.

وتؤكد النتائج أن الارتباط بين تقنيات التبريد والتخدير اليومية وبين تكوّن هذا الحمض الدائم يبرز كيف يمكن لملوث واحد أن يعود للظهور مرارًا في الأمطار والأنهار وجليد المناطق القطبية.

Exit mobile version