شركة أمريكية تخطط لإطلاق 50 ألف مرآة فضائية لإضاءة الأرض ليلًا.. تحذيرات من مخاطر بيئية وصحية
أثار مشروع أمريكي يهدف إلى إضاءة أجزاء من الأرض ليلًا باستخدام مرايا عملاقة في الفضاء جدلًا واسعًا بين العلماء والمدافعين عن البيئة وعلماء الفلك، وسط تحذيرات من تأثيراته المحتملة على النظم البيئية وصحة الإنسان والقدرة على رصد النجوم، فضلًا عن المخاوف المرتبطة بالتدخل في كمية الطاقة الشمسية التي تصل إلى سطح الأرض.
وتخطط شركة «ريفلكت أوربيتال» (Reflect Orbital) الناشئة لإطلاق ما يصل إلى 50 ألف قمر صناعي خلال العقد المقبل، مزودة بمرايا تعكس ضوء الشمس باتجاه مناطق محددة على الأرض خلال ساعات الليل، في محاولة لتوفير إضاءة إضافية يمكن استخدامها في عمليات الإنقاذ والطوارئ، وتعزيز إنتاج الطاقة الشمسية، وتطبيقات أخرى.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية، أجرت الشركة تجربة ميدانية في منطقة قريبة من بلدة لون باين بولاية كاليفورنيا الأمريكية، بهدف محاكاة تأثير الإضاءة التي تسعى إلى توفيرها من الفضاء، إلا أن التجربة أثارت استغراب السكان المحليين بسبب شدة الضوء الذي أضاء أجزاء من المنطقة الصحراوية ليلًا.
كيف تعمل المرايا الفضائية لإضاءة الأرض ليلًا؟
تعتمد الفكرة على إطلاق أقمار صناعية مزودة بمرايا كبيرة إلى مدار حول الأرض، بحيث تعكس ضوء الشمس إلى مناطق محددة على سطح الكوكب بعد غروب الشمس.
وفي يوليو 2026، وافقت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية على مقترح الشركة لإطلاق قمر صناعي تجريبي في العام التالي، وفقًا لما أورده التقرير. ومن المقرر أن يستخدم القمر مرآة يبلغ قطرها نحو 59 قدمًا، أي قرابة 18 مترًا، لتوجيه حزم ضوئية تغطي مناطق يصل عرضها إلى نحو 3 أميال، أي حوالي 4.8 كيلومتر.
ووفقًا للمقترح، يمكن التحكم في شدة الإضاءة لتتراوح بين مستوى ضوء القمر وصولًا إلى شدة تقارب ضوء الشمس عند الظهيرة.
وتقول الشركة إن هذه التقنية قد تساعد فرق البحث والإنقاذ على العمل ليلًا في المناطق النائية، وتوفر إضاءة إضافية أثناء حالات الطوارئ، فضلًا عن إمكانية استخدامها لتعويض أعطال إنارة الشوارع، وتوجيه الضوء إلى الأراضي الزراعية، وزيادة إنتاج الألواح الشمسية خلال ساعات الليل.
كما أشارت الشركة إلى إمكان توظيف التكنولوجيا في بعض العمليات العسكرية التي تحتاج إلى إضاءة المناطق المستهدفة أو مواقع العمل.
تجربة في كاليفورنيا تثير دهشة السكان
أجرت الشركة تجربة ميدانية بالقرب من جبل ويتني في منطقة سييرا نيفادا بولاية كاليفورنيا خلال أكتوبر الجاري، باستخدام أضواء قوية لمحاكاة شكل الإضاءة التي يمكن أن توفرها المرايا الفضائية.
وأثارت الأضواء دهشة بعض السكان المحليين، ووصف أحدهم شدة الإضاءة بأنها مبهرة إلى درجة الإزعاج، وفقًا للتقرير.
وقالت الشركة إن التجربة نُفذت بالتعاون مع فريق محلي للبحث والإنقاذ، بهدف اختبار كيفية الاستفادة من التكنولوجيا في ظروف واقعية.
وأضاف متحدث باسم «ريفلكت أوربيتال» أن فرق البحث والإنقاذ ستكون من بين العملاء الأوائل المتوقعين، مؤكدًا أن الشركة تسعى إلى مواصلة التعاون مع المجتمعات المحلية والسلطات في المناطق التي تعمل فيها، وأنها ترى في التكنولوجيا فرصة للمساعدة على إنقاذ الأرواح.
لكن منتقدي المشروع يرون أن التجربة تطرح تساؤلات مهمة بشأن مدى تأثير الإضاءة الاصطناعية القوية على البيئات الطبيعية، خصوصًا إذا توسع استخدامها مستقبلًا عبر آلاف الأقمار الصناعية.
العلماء يحذرون من تغيير إيقاع الليل والنهار
تواجه خطط الشركة انتقادات من تحالفات بيئية ومؤسسات معنية بحماية السماء المظلمة، إلى جانب علماء فلك وباحثين في المناخ، بسبب المخاوف من أن يؤدي عكس ضوء الشمس إلى الأرض ليلًا إلى تغيير الظروف الطبيعية التي تطورت الكائنات الحية في ظلها.
وقال جان هاسلمان، المحامي البارز في منظمة «إيرث جاستس» (Earthjustice) المعنية بالقضايا البيئية، إن المشروع يثير عددًا كبيرًا من الأسئلة التي لم تُحسم بعد، ويحمل مخاطر محتملة على البيئة.
وأشار إلى أن جميع أشكال الحياة على الأرض تطورت في ظل التناوب الطبيعي بين الليل والنهار، محذرًا من أن تغيير هذا الإيقاع قد يترتب عليه تأثيرات واسعة النطاق.
وأضاف أن منح الشركة القدرة على إحداث تغيير جوهري في سماء الليل يجب أن يسبقه نقاش عام وتحليل علمي شامل، معتبرًا أن خطة نشر 50 ألف قمر صناعي مزود بمرايا فضائية تثير مخاوف بشأن مستقبل السماء المظلمة.
وفي أغسطس الماضي، طلبت أربع منظمات، تمثلها «إيرث جاستس»، من لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية إعادة النظر في موافقتها على المشروع، بسبب المخاطر المحتملة المرتبطة بنشر الأقمار الصناعية العاكسة للضوء.
ووفقًا للمقترح، ستعمل الأقمار على ارتفاع يقارب 400 ميل فوق سطح الأرض، أي نحو 645 كيلومترًا، وهو ما يتيح لها عكس ضوء الشمس نحو مناطق محددة من الكوكب.
تهديد محتمل للحياة البرية والتنوع البيولوجي
تتمثل إحدى أبرز المخاوف البيئية في احتمال تأثير الإضاءة الليلية الإضافية على سلوك الحيوانات والنظم البيئية.
فالطيور والحشرات والثدييات تعتمد على التغير الطبيعي بين الليل والنهار في تنظيم أنشطة التغذية والاختباء والتكاثر والهجرة. وقد يؤدي تغيير مستويات الإضاءة الليلية إلى إرباك هذه الأنماط، بما يؤثر على بعض الأنواع وتفاعلاتها داخل النظم البيئية.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في المناطق التي تعتمد فيها الكائنات الحية على الظلام لتجنب المفترسات أو العثور على الغذاء أو تحديد توقيتات الحركة والتكاثر.
ويحذر المدافعون عن البيئة من أن انتشار الإضاءة الفضائية على نطاق واسع قد يزيد من صعوبة حماية المناطق الطبيعية التي تسعى إلى الحد من التلوث الضوئي، بما في ذلك المتنزهات الوطنية والمناطق الغنية بالتنوع البيولوجي.
وقالت الشركة إنها أجرت مناقشات مع علماء وفلكيين بشأن الاستخدام المحتمل للتكنولوجيا، وإنها تعتزم تجنب توجيه الضوء إلى مواقع الرصد الفلكي والمتنزهات الوطنية والمناطق التي تضم أعدادًا كبيرة من الكائنات البرية.
كيف يؤثر الضوء الليلي على صحة الإنسان؟
لا تقتصر المخاوف على الحيوانات والأنظمة الطبيعية، بل تمتد إلى صحة الإنسان، خصوصًا تأثير الإضاءة الليلية في الساعة البيولوجية المسؤولة عن تنظيم النوم والاستيقاظ والعديد من الوظائف الحيوية.
ويعتمد إيقاع الساعة البيولوجية على إشارات بيئية، يأتي الضوء الطبيعي في مقدمتها، لتنظيم دورات النوم والاستيقاظ. وقد يؤدي التعرض للضوء في أوقات غير معتادة إلى اضطراب هذه الدورات لدى بعض الأشخاص.
ويثير المشروع تساؤلات بشأن التأثير المحتمل للتعرض المتكرر لإضاءة قوية في مناطق سكنية أو طبيعية خلال ساعات الليل، خصوصًا إذا جرى تشغيل الأقمار الصناعية بصورة متكررة وعلى نطاق جغرافي واسع.
كما أشار التقرير إلى مخاوف من أن يؤدي النظر المباشر إلى مصادر الضوء الشديدة إلى إلحاق الضرر بالعينين، وهو ما يعزز أهمية تقييم شدة الإضاءة ومدتها واتجاهها، ووضع ضوابط واضحة لحماية السكان.
ومع ذلك، فإن حجم التأثيرات الصحية الفعلية لهذه التكنولوجيا يحتاج إلى دراسات مباشرة، تأخذ في الاعتبار مستويات الإضاءة التي تصل إلى الأرض، وتكرار التعرض لها، والفئات السكانية الأكثر تأثرًا.
هل تساعد المرايا الفضائية على خفض الانبعاثات أم تزيد مخاطر تغير المناخ؟
تدافع الشركة عن مشروعها باعتباره وسيلة يمكن أن تحقق فوائد بيئية، من خلال زيادة إنتاج الألواح الشمسية عند توجيه ضوء الشمس إليها خلال الليل، بما قد يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري في بعض التطبيقات.
لكن خبراء المناخ يحذرون من ضرورة دراسة التأثيرات المحتملة للتدخل في كمية الطاقة الشمسية التي تصل إلى سطح الأرض، خصوصًا في ظل التحديات القائمة المرتبطة بتغير المناخ والاختلال في ميزانية الطاقة الأرضية.
وقال ديفيد هو، عالم المناخ بجامعة هاواي، إن الاحترار العالمي يرتبط باختلال توازن الطاقة الإشعاعية للأرض نتيجة تراكم كميات كبيرة من غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي.
وأشار إلى أن بعض المقترحات الهندسية للمناخ تسعى إلى تقليل كمية الطاقة الشمسية التي تصل إلى الأرض بهدف الحد من الاحترار، محذرًا من أن توجيه المرايا في الاتجاه المعاكس، بحيث تزيد الطاقة الشمسية الواصلة إلى سطح الكوكب، قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة بدلًا من معالجتها.
ويبرز هذا الجدل الفرق بين استخدام ضوء الشمس لتوليد الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وبين تغيير توزيع الطاقة الشمسية التي تصل إلى سطح الأرض، وهو أمر يتطلب تقييمًا علميًا دقيقًا لتحديد أثره الصافي على المناخ.
كما يثير المشروع تساؤلات بشأن كيفية قياس الفوائد البيئية المعلنة مقارنة بالأضرار المحتملة، بما في ذلك استهلاك الموارد اللازمة لتصنيع الأقمار الصناعية وإطلاقها، وتأثيراتها على البيئة الفضائية.
التلوث الضوئي وازدحام المدار الأرضي
يحذر علماء الفلك من أن انتشار المرايا الفضائية قد يفاقم مشكلة التلوث الضوئي، التي تؤثر بالفعل على القدرة على رصد النجوم والأجرام السماوية من الأرض.
ويخشى المنتقدون أيضًا أن يؤدي السماح بنشر أعداد كبيرة من الأقمار الصناعية العاكسة للضوء إلى تشجيع مزيد من المشروعات الفضائية التجارية، في وقت تتزايد فيه الخطط الخاصة بإطلاق أقمار صناعية لأغراض الاتصالات والحوسبة وغيرها من التطبيقات.
ويشير هذا التوسع إلى مخاطر محتملة مرتبطة بازدحام المدار الأرضي، وزيادة احتمالات الاصطدام بين الأجسام الفضائية، وتراكم الحطام الفضائي الذي قد يشكل تهديدًا للأقمار الصناعية والمهمات المستقبلية.
وتتجاوز آثار التلوث الضوئي مجرد صعوبة مشاهدة النجوم، إذ إن السماء المظلمة تمثل موردًا طبيعيًا وعلميًا وثقافيًا، كما أن مراقبة الأجرام السماوية ضرورية للعديد من مجالات البحث الفلكي.
الشركة تدعو إلى الرقابة والتعاون العلمي
في مواجهة الانتقادات، أكدت «ريفلكت أوربيتال» أنها أجرت مناقشات موسعة مع العلماء والفلكيين بشأن الاستخدامات المحتملة لتكنولوجيتها، وأنها مستعدة للعمل مع الجهات التنظيمية والحكومات والباحثين لوضع ضوابط تحكم عملياتها.
وقال متحدث باسم الشركة إن المؤسسة ترحب بالرقابة التنظيمية، وترى أن من مسؤوليتها العمل بالتعاون مع الحكومات والعلماء والجهات المختصة، بدلًا من المضي في تنفيذ المشروع بمعزل عنهم.
لكن الجدل الدائر حول المرايا الفضائية يعكس تحديًا أوسع يواجه التكنولوجيا الحديثة، يتمثل في ضرورة تقييم آثار الابتكارات قبل التوسع في تطبيقها، خصوصًا عندما تتجاوز نتائجها حدود دولة واحدة وتمتد إلى النظم البيئية وصحة الإنسان والبيئة الفضائية.
وبينما تسعى الشركة إلى تقديم إضاءة ليلية يمكن الاستفادة منها في الإنقاذ والطاقة والتطبيقات العملية، يبقى نجاح المشروع مرتبطًا بقدرته على إثبات جدواه، وإظهار أن فوائده المحتملة تفوق مخاطره، مع وجود أدلة علمية كافية وضوابط تنظيمية تحمي إيقاع الليل والنهار والتنوع البيولوجي والسماء المظلمة.
