التعرض لجسيمات دخان الحرائق أثناء الحمل يرتبط بزيادة احتمال التوحد بنسبة 30%

دراسة جديدة تثير تساؤلات حول تأثير دخان حرائق الغابات على نمو الأطفال

كشفت دراسة أمريكية واسعة شملت بيانات نحو 900 ألف أم وطفل عن ارتباط بين زيادة التعرض لدخان حرائق الغابات خلال الحمل وارتفاع احتمال تشخيص الأطفال بالتوحد لاحقًا، مع ظهور أقوى ارتباط خلال منتصف الحمل ومراحله الأخيرة.

لكن الباحثين شددوا على أن النتائج لا تثبت أن دخان الحرائق يسبب التوحد، كما لم يجدوا ارتباطًا واضحًا مماثلًا باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD).

وقادت الدراسة ستيفانيا باباثيودورو، عالمة الأوبئة في كلية الصحة العامة بجامعة روتجرز الأمريكية، بالتعاون مع باحثين من جامعة هارفارد ومؤسسات أخرى. ونُشرت النتائج في مجلة JAMA Pediatrics.

حرائق الغابات

بيانات نحو 900 ألف أم وطفل

حلل الباحثون السجلات الصحية لـ893,212 أمًا وطفلًا من المستفيدين من برنامج Medicaid للتأمين الصحي العام في الولايات المتحدة، ووُلد الأطفال بين عامي 2007 و2014، وتابع الفريق سجلاتهم الصحية خلال الطفولة.

ولتقدير التعرض لدخان الحرائق، استخدم الباحثون نماذج حاسوبية تتبعت تلوث الحرائق أسبوعًا بأسبوع، مع تقديرات مكانية تغطي مناطق تبلغ مساحتها نحو كيلومتر مربع، ثم احتسبوا متوسط التعرض وفق الرمز البريدي لمحل إقامة الأم.

وركز التحليل على الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء، المعروفة باسم PM2.5، التي لا يتجاوز قطرها 2.5 ميكرومتر، ويمكنها التغلغل عميقًا في الجهاز التنفسي.

واقتصر التحليل على الأمهات اللاتي حافظن على تغطيتهن التأمينية وأقمن في الرمز البريدي نفسه طوال فترة الحمل. كما حدد الباحثون تشخيصات التوحد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه من سجلات المطالبات الطبية، باستخدام أساليب سبق تقييم دقتها في أبحاث أخرى.

حرائق الغابات

زيادة نسبية في احتمال تشخيص التوحد

خلال فترة المتابعة، تلقى 8,357 طفلًا تشخيصًا بالتوحد. وباحتساب اختلاف مدد المتابعة، قدّر الباحثون أن نحو 1.9% من الأطفال سيُشخّصون بالتوحد بحلول سن الثامنة.

وأظهرت النتائج، أن ارتفاع التعرض لدخان الحرائق ارتبط بزيادة احتمال التشخيص، فقد ارتبط ارتفاع متوسط تركيز جسيمات دخان الحرائق بمقدار 0.75 ميكروجرام لكل متر مكعب من الهواء خلال الحمل بزيادة نسبية بلغت 30% في احتمال تشخيص التوحد.

وأوضح الباحثون، أن هذه الزيادة تعكس تغيرًا في مستوى التعرض يقع ضمن نطاق شائع بين حالات الحمل التي شملتها الدراسة.

ولا تعني زيادة الخطر النسبي بنسبة 30% أن 30% من الأطفال المعرضين للدخان سيصابون بالتوحد، إذ إن الغالبية العظمى من الأطفال، بمن فيهم من تعرضوا لمستويات أعلى من الدخان، لم يتلقوا هذا التشخيص.

وللمقارنة، يبلغ المعيار السنوي الفيدرالي الأمريكي للجسيمات الدقيقة من جميع المصادر 9 ميكروجرامات لكل متر مكعب، لكن هذا المعيار يقيس التعرض على مدى زمني مختلف، ويشمل مصادر تلوث متعددة، وليس دخان حرائق الغابات وحده.

أما اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، فقدّر الباحثون أن 10.4% من الأطفال سيُشخّصون به بحلول سن الثامنة، ومع ذلك، ارتبط الفرق نفسه في التعرض للدخان بزيادة نسبية قدرها 3% فقط في احتمال التشخيص، ولم يتمكن التحليل من استبعاد احتمال أن تكون هذه النتيجة ناجمة عن المصادفة.

منتصف الحمل ومراحله الأخيرة

أتاحت التقديرات الأسبوعية للتعرض فحص العلاقة في مراحل مختلفة من الحمل، بدلًا من الاكتفاء بمتوسط التعرض طوال الفترة.

وظهر الارتباط الأقوى بين دخان الحرائق والتوحد خلال منتصف الحمل ومراحله اللاحقة، لكن الباحثين أشاروا إلى أن نمو الدماغ يستمر طوال الحمل، وأن الدراسة لم تختبر الآليات البيولوجية التي قد تفسر الارتباط المرصود.

ومن الاحتمالات التي تستحق البحث دور الالتهاب؛ إذ يمكن للجسيمات الدقيقة الوصول إلى أعماق الرئتين والمساهمة في حدوث استجابات التهابية في الجسم، وهو ما قد تكون له آثار في الحمل ونمو الجنين.

وتتسق هذه الفرضية جزئيًا مع دراسات سابقة ربطت التعرض لتلوث الجسيمات الدقيقة من مصادر مختلفة بزيادة محدودة في احتمال التوحد.

كما ربطت أبحاث أُجريت على قرود المكاك الريسوسي التعرض لدخان الحرائق في مراحل مبكرة من الحمل بتغيرات طويلة الأمد في السلوك والذاكرة لدى الصغار.

لكن هذه الدراسات لا تثبت الآلية التي تقف وراء الارتباط الذي رصدته الدراسة الأمريكية الجديدة.

حرائق الغابات

دراسة كاليفورنيا ترصد ارتباطًا أوضح مع التعرض الشديد

في دراسة منفصلة نُشرت في فبراير، حلل باحثون بيانات 8.6 مليون حالة ولادة في ولاية كاليفورنيا خلال الفترة من 2001 إلى 2019.

ووجدت الدراسة ارتباطًا ضعيفًا بين متوسط التعرض لدخان حرائق الغابات أثناء الحمل والتوحد، بينما بدت العلاقة أوضح عند التعرض الكثيف ووقوع نوبات شديدة من الدخان.

وفحص الباحثون أيامًا بلغ فيها تركيز جسيمات دخان الحرائق 35 ميكروجرامًا لكل متر مكعب أو أكثر، وهو مستوى المعيار الفيدرالي الأمريكي للجسيمات الدقيقة على مدار 24 ساعة.

وبين حالات الحمل التي سجلت أقل مستويات تلوث من المصادر الأخرى، ارتبط وجود التعرض لدخان الحرائق ضمن أعلى 10% من مستويات التعرض بزيادة بلغت 50% في احتمالات تشخيص التوحد.

وتشير الدراستان إلى وجود ارتباط يستحق المزيد من البحث، لكنهما اختلفتا في مدى وضوحه عند قياس متوسط التعرض بدلًا من التركيز على فترات التلوث الشديد.

حدود الدراسة والحاجة إلى مزيد من الأدلة

رغم بقاء النتائج متقاربة عند استخدام الباحثين طرقًا تحليلية مختلفة، فإن الدراسة لا تخلو من قيود، فقد استند تقدير التعرض إلى مستويات التلوث في المنطقة المحيطة بمحل إقامة الأم، وليس إلى قياس مباشر لكمية الدخان التي استنشقتها بالفعل.

كما قد تكون هناك عوامل أخرى لم تُقَس أو أخطاء في تقدير مستويات التعرض أثرت في النتائج، ولأن جميع الأسر المشمولة كانت مستفيدة من برنامج Medicaid، فقد لا تنطبق النتائج بالدرجة نفسها على الأسر التي تستخدم أنظمة تأمين صحي أخرى.

وأكد الباحثون الحاجة إلى دراسات إضافية للتحقق من الارتباط وفهم الآثار المحتملة لدخان الحرائق على نمو الأطفال.

كما دعوا إلى متابعة الأطفال الذين وُلدوا في السنوات الأحدث، بما في ذلك خلال حرائق الغابات الكندية عام 2023 التي نقلت الدخان إلى ولايات أمريكية مثل نيوجيرسي ونيويورك، لمعرفة ما إذا كانت الأنماط نفسها تظهر في هذه المجموعات.

حرائق الغابات في لوس أنجلوس

كيف يمكن تقليل التعرض لدخان الحرائق أثناء الحمل؟

نصحت الباحثة الحوامل بمتابعة تقارير جودة الهواء والتنبيهات المتعلقة بحرائق الغابات، حتى عندما تكون الحرائق بعيدة عن أماكن إقامتهن؛ إذ يمكن للدخان الانتقال مئات الأميال عن مصدره.

وعند ارتفاع مستويات التلوث، تشمل إجراءات الحد من التعرض تقليل الوقت في الأماكن المفتوحة، ومنع تسرب الدخان إلى المنازل، واستخدام أجهزة تنقية الهواء عند توافرها.

وعندما يصبح الخروج ضروريًا خلال فترات الدخان، يمكن لاستخدام قناع تنفس محكم الملاءمة ومصمم لترشيح الجسيمات أن يقلل التعرض.

كما دعا فريق الدراسة أطباء النساء والتوليد وغيرهم من مقدمي الرعاية الصحية إلى مناقشة مخاطر حرائق الغابات والحرارة الشديدة وغيرها من المخاطر البيئية خلال زيارات متابعة الحمل.

وتظل الرسالة الأساسية أن الدراسة تكشف ارتباطًا إحصائيًا يحتاج إلى تأكيد، وليس دليلًا على أن التعرض لدخان الحرائق يسبب التوحد، ومع استمرار البحث في هذه العلاقة، قد يساعد تقليل التعرض لتلوث الهواء خلال الحمل على الحد من المخاطر البيئية التي يمكن تجنبها.

↑
Exit mobile version