يبدو أن مفهوم «المدينة العائمة» لم يعد مجرد خيال علمي، بل يقترب من التحول إلى واقع ملموس مع عودة الحديث عن مشروع Freedom Ship، الذي يُتوقع أن يكون أكبر منشأة بحرية في تاريخ البشرية، بطول يقارب ميلًا كاملًا، وعرض يصل إلى 800 قدم، وارتفاع يمتد إلى 30 طابقًا.
المشروع الطموح، الذي تقدر تكلفته بنحو 12 مليار جنيه إسترليني، يستهدف استيعاب نحو 80 ألف شخص، بينهم 50 ألف مقيم دائم، و10 آلاف زائر، بالإضافة إلى طاقم تشغيل يصل إلى 20 ألف فرد، ما يجعله أشبه بمدينة متكاملة تطوف حول العالم بدلًا من البقاء في موقع ثابت.
مدينة متكاملة في عرض البحر
لا يقتصر التصميم على وحدات سكنية فقط، بل يشمل بنية تحتية متكاملة تضم مدارس من المرحلة الابتدائية وحتى التعليم الجامعي، ومستشفى بحثي متطور، ومراكز تجارية، وفنادق شاهقة، إلى جانب مرافق ترفيهية ضخمة مثل ملعب رياضي يتسع لـ15 ألف متفرج، ومتنزه مائي، ومتاحف، وقاعات موسيقى.
كما سيوفر المشروع مساحات خضراء وممرات للمشاة تمتد لأكثر من 15 ميلًا، في محاولة لخلق بيئة معيشية متوازنة رغم وجودها في عرض المحيطات.
نمط حياة جديد بلا موانئ
وبحسب المخطط، لن ترسو السفينة في الموانئ التقليدية نظرًا لضخامتها، بل ستبقى في المياه الدولية، مع الاعتماد على عبّارات لنقل السكان والزوار من وإلى اليابسة. ومن المتوقع أن تستغرق دورة كاملة حول العالم نحو عامين، ما يمنح السكان تجربة تنقل دائمة بين قارات العالم.
طاقة نووية وطموحات بيئية
واحدة من أبرز نقاط الجدل في المشروع هي الاعتماد المحتمل على الطاقة النووية لتشغيل السفينة، وهو ما يراه القائمون عليها وسيلة لتقليل الانبعاثات الكربونية وتحقيق كفاءة تشغيلية عالية. كما يروج المشروع لنفسه باعتباره منصة بيئية تسهم في تنظيف المحيطات أثناء رحلاتها.
تحديات التمويل والتنفيذ
رغم مرور أكثر من 30 عامًا على طرح الفكرة لأول مرة، لا يزال المشروع في مرحلة التخطيط، حيث يمثل التمويل التحدي الأكبر. ويؤكد القائمون عليه وجود طلب قوي قد يبرر بناء أكثر من سفينة مستقبلًا، لكن تأمين الاستثمارات اللازمة يظل العقبة الرئيسية.
ومن المتوقع، في حال بدء التنفيذ، أن يتم بناء الهيكل على مراحل في عرض البحر، مع إمكانية انتقال السكان للعيش على متنه قبل اكتماله بالكامل.
بين الحلم والواقع
يمثل مشروع Freedom Ship نموذجًا متقدمًا لما يُعرف بـ«العمارة البيئية البحرية» أو Arcology، التي تمزج بين التصميم المعماري والاستدامة البيئية، في محاولة لمواجهة تحديات مثل ارتفاع مستوى سطح البحر والضغط على المدن الساحلية.
ورغم الطموحات الكبيرة، يظل المشروع محل تساؤلات حول جدواه الاقتصادية، وتأثيره البيئي الحقيقي، ومدى إمكانية تحويل هذا الحلم الهندسي إلى واقع قابل للحياة.
يعكس هذا المشروع تحولات أعمق في التفكير العالمي حول أنماط الحياة، خاصة مع تزايد الضغوط على المدن البرية وارتفاع مستويات التلوث والتغير المناخي.
ورغم أن مشاريع مماثلة لم ترَ النور بالكامل في العقود الماضية، فإن “Freedom Ship” قد تمثل اختبارًا حقيقيًا لفكرة الاستيطان البحري، حيث لا تكون السفينة مجرد وسيلة عبور، بل وجهة دائمة للحياة والعمل.
